الحريري وحزب اللّه: الانعطاف درجة درجة
فداء عيتاني
الحريري مصافحاً رعد في قريطم أمس (بلال جاويش)لم يخب مسعى سعد الحريري كثيراً في توجهه الشمالي، إلا أنّه خيّب أمل العديد من المحيطين به ومن عتاة الموجة الجديدة للسنّة المتأرجحين في انتمائهم بين البن لادنية والنيوليبرالية. ترك خلفه مجموعة من الراغبين في القتال والكارهين للاتفاق، وخاصة مع سقوط هيبة تيار المستقبل وسمعته كقوة رئيسية في لبنان، وكقدرة سياسية تستند إلى قاعدة تنظيمية تمتلك حداً أدنى من التوافق الداخلي الذي يتيح لها مواجهة حلفاء سوريا، لا وبل سوريا نفسها في لبنان.
لم يخب مسعى سعد الحريري في إيجاد حضور له ولتياره بعد الضربة الكبيرة التي تلقّاها في السابع من أيار، وفشل الجولات الأربع من القتال في منطقة باب التبانة ـــــ في توحيد السنّة خلف التيار. وإذا كان مسعى سعد لم يكلّل في البقاع وصيدا بنجاحات تُذكر، فإنه مثّل حضوراً في تلك المناطق.
وفي المقابل، تَعلّم حزب الله درساً كبيراً، وهي ليست المرة الأولى التي ينتصر فيها حزب الله عسكرياً ويخسر سياسياً. ورغم كل ما قيل عن حرب تموز، فإن الجميع يدرك أن الانتصار العسكري الذي تحقق لم يترجم في الداخل اللبناني إلا التفافاً (رسمياً، ومن قوى الأكثرية) حول قرار الأمم المتحدة الرقم 1701، وهو ما يعدّ هزيمة في السياسة للحزب والمقاومة.
وبينما يلملم سعد الحريري شتات تياره ومستشاريه الذين يتنازعون في المسالك والاتجاهات المحتملة، ويغضب من كلام وليد جنبلاط الذي يصف واقع تيار المستقبل بدقة، وأحياناً بانفعال، يتصرف حزب الله على أساس أن المصالحة مع سعد الحريري لا بد منها، بغضّ النظر عن وصفها وصفتها، وأن الانتصار العسكري في أيار على قوى الأكثرية، وإسقاط عدد كبير من الشبكات الأمنية الإسرائيلية والأردنية والسعودية، وغيرها، ودفعها للفرار على عجل، وكذلك إسقاط أوهام قوى 14 آذار بإمكان الاعتماد على دعم دولي من البحر أو من قوات اليونيفيل، كل ذلك له ثمن سياسي مرتفع، وهو استعداء السنّة، والبحث عن سبل لمراضاتهم، بعد اكتشاف كون القاعدة الذهبية لسلطة الطوائف في لبنان هي تعديل موازين القوى بحيث ينتج تسويات جديدة، وأما تغيير المعادلات فلا يمر عبر نظام الطوائف، بل له ممرات أخرى مختلفة تماماً.
لم تكن وثيقة التفاهم بين حزب الله والجمعيات السلفية خارج إطار التهدئة، ويخطئ من يضعها في سياق «شق صفوف الطائفة السنّية»، وخاصة أن هذه الصفوف ليست متراصّة أصلاً، ولكن ضعف تيار المستقبل والمجموعات الملحقة به هو ما استنفرها واستفزّها إلى حد إشعال مشكلة سنّية ـــــ سنّية على خلفية التفاهم مع حزب الله.
مرّت الطائفتان السنّية والشيعية في لبنان في صراع حاد، وغيرُ جاد من يقول إنه مجرد انقسام سياسي، فقد كان الخلاف السياسي مبرراً لنبش كل الموروثات ما بين الطائفتين، وكذلك توخّى منها كل طرف السيطرة على السلطة في لبنان، مستنداً إلى مجموعة معطيات دولية وإقليمية، إلا أن كلّاً من الطرفين بالغ في تصوّر حجم اختلال ميزان السلطة الطائفية في لبنان. فالشيعة رأوا أن بإمكان صيغة الطائف (بالنسخة السورية المعدّلة التي أرساها رفيق الحريري ونبيه بري) الاستمرار إلى ما بعد رحيل السوريين من لبنان، كما توهّم السنّة أن مقتل رفيق الحريري وخروج الجيش السوري يسمحان لهم بحكم البلاد مع قليل من الديكور المتمثّل بوجود وجوه مسيحية ودرزية إلى جانبهم. إلّا أن كليهما، شيعة وسنّة، وصلا إلى نهاية السياسة، حيث يبدأ العمل العسكري مع فشل الأدمغة في ابتكار حلول وتسويات.
حين اقترح رئيس مجلس النواب نبيه بري على النائب سعد الحريري لقاء محمد رعد في بعبدا، قبيل عقد جلسة الحوار الوطني، لم يتردد سعد. ربما كان هذا الشاب قد بدأ يعي آليات الصراعات بين طوائف السلطة في لبنان. وحين انتحى رئيس الجمهورية جانباً بالنائب محمد رعد، وأخبره عن ضرورة عقد لقاء بين حزب الله وسعد الحريري، كان أيضاً يدفع الأمور إلى خواتيمها الطبيعية في هذا النظام. وحينها قال رئيس البلاد إن الجميع يعرف الظروف الأمنية التي يعيشها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وإن ذلك يقتضي أن يقوم الحزب بخطوة ولو لم تكن على مستوى الأمين العام، وإن هذه الخطوة نحو قريطم يمكنها أن تسهّل التهدئة والحوار.
حينها لم يطلب رئيس البلاد جواباً مباشراً من رعد. وحين أتاه الجواب، كان يحمل ضمناً شرطاً بأن هذا اللقاء لن يكون إلا مقدمة للقاء سعد ونصر الله. فحزب الله يعي أن الخروج الفعلي من عنق الزجاجة بين السنّة والشيعة هو، ببساطة، صورة واحدة تجمع الزعيمين، وهو ما كان يتفاداه سعد الحريري إلى حين اضطر إلى الاستدارة درجة فدرجة، تفادياً للمزيد من التفكك ولخسارة مقبلة في الانتخابات النيابية، وهو ما ستضطر مرجعيات إقليمية، من سوريا إلى السعودية، إلى القبول به حفاظاً على المكاسب التي تحققت، أو درءاً لخسائر محتملة.
الاستدارة درجة فدرجة هي أكثر ما يمكن الحريري القيام به وهو محاط بكارهي الشيعة وحزب الله وسوريا وإيران. والصبر والانتظار وإبراز النيّات الحسنة هي أقصى ما يمكن حزب الله أن يقوم به، وهو من دخل السياسة اللبنانية منذ يوم الثامن من آذار 2005 فقط لا غير، ومن أخطأ في إدارة النزاعات الطائفية مرات عدّة.
في هذه الأثناء، لن يغيب عن بال أحد أن الحشود السورية على الحدود الشمالية، وإن صدقت أكثر الخطابات «براءة» والقائلة إنها معنية بمنع التهريب لا غير، ستمنع بالتالي تسلّل القاعدة والمجموعات القتالية الجهادية من شمال لبنان إلى العراق مروراً بسوريا، وبالتالي بقاء القوى الأكثر تشدداً في الطائفة السنّية محصورة في لبنان، تشاهد زعيم طائفتها يصالح ويجالس من كان يحرّض ضدهم من الصابئة والنصيريين.






