السوريّون يستعدّون لمواجهة السلفيّين بضوء أخضر أوروبي

طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
لم تشف كلّ التفسيرات التي قُدّمت لشرح أبعاد الحشود العسكرية السورية على الحدود الشمالية غليل المستفسرين عنها. كل التساؤلات كانت قبل انفجار دمشق، وكانت مطروحة بين حلفاء سوريا ومعارضيها، وتضاربت المعلومات والتحليلات والشائعات بشأن هذه الخطوة، مما جعل الوضع يزداد ضبابية وارتباكاً بالتزامن مع طرح تساؤلات عدة لم تجد إجابات شافية عنها من أحد.
إلا أن ما نقله زوار دمشق في الأيام الأخيرة من معلومات تقاطعت مع ما في حوزة مسؤولين أمنيين، رسم مشهداً أوّلياً أمكنه أن يكشف جانباً مهمّاً من التطورات السياسية والأمنية التي سبقت هذا الحدث، الذي «لن يقف عند حدوده الحالية، بل سيشهد تبدّلاً وتغيّراً كبيراً في ضوء التطورات المرتقبة». وتفيد المعلومات المشتركة بأن القمة الرباعية التي عقدت في العاصمة السورية، يومي 4 و5 أيلول الجاري، وحضرها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر حمد بن جاسم آل ثاني، قد «أعطت الضوء الأخضر للرئيس السوري كي يتصرف بما يراه مناسباً لمواجهة تداعيات بروز الحالة السلفية الجهادية والأصولية في شمال لبنان».
وكشفت المعلومات عن أن التفويض الذي أعطي للسوريين في هذا المجال جاء بعد رصد أجهزة الاستخبارات العاملة في لبنان وجود نواة خلايا لهذه التنظيمات، بعضها مرتبط بتنظيم القاعدة، ويعمل عناصرها المتعددو الجنسية، الذين جاء بعضهم من العراق، على إيجاد قواعد ومراكز لهم في مناطق عكار أولاً، والضنية والمنية وطرابلس ثانياً، باعتبارها مناطق ذات أغلبية سكّانية سنّية ستتعاطف معهم، لتسهيل عملهم الجهادي، وأن تكون هذه المناطق «حدائق خلفية» لهم تساعدهم في الانطلاق نحو القارة الأوروبية، والالتحاق بقوافل من سبقهم إليها لاستكمال نشاطهم».
وتوضح المعلومات أن العناصر القياديين في هذه التنظيمات وضعوا أكثر من خطة للانتقال إلى الدول الأوروبية، إلا أن ضبط السوريين للحدود البرية (نسبت معلومات إلى السوريون قولهم إن أسباب انتشارهم العسكري جاء بدافع مكافحة أعمال التهريب، وخصوصاً بعدما وقعت أخيراً اشتباكات أدت إلى مقتل جندي سوري وجرح 3 آخرين عند إحدى القرى الحدودية)، وعدم تمكن العناصر الجهادية من استعمال مطار بيروت لأسباب عدة، لم يترك أمامهم سوى البحر وسيلة وحيدة لتحقيق غايتهم، الأمر الذي يفسّر حضور الأتراك القمة الدمشقية، بغية توفير قيام تنسيق بينهم وبين القوة البحرية التابعة لليونفيل الموجودة في عرض البحر قبالة الشاطئ اللبناني منذ انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، تنفيذاً للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي».
وفي هذا المجال، أوضح زوار العاصمة السورية لـ«الأخبار» أن الأسد أبلغ الحاضرين في القمة أخطار «مشكلة التطرف والقوى السلفية التي تتحرك في شمال لبنان»، متحدثاً عن «دول تدعم هذه القوى رسمياً»، وأنه توافق معهم على إعطاء مهلة لا تتجاوز أسبوعين لاتخاذ الجهات اللبنانية خطوات لمعالجتها، وهذا ما تبدّى بوضوح في المصالحة الطرابلسية التي شارك فيها بكل ثقله النائب سعد الحريري، بعد أقل من 48 ساعة من انتهاء أعمال القمة».
وفيما أسهمت المصالحة الطرابلسية في وضع حد لصراعّ عبثي بين باب التبانة وجبل محسن، بعدما حاولت أطراف عدة تصويره على أنه نزاع بين السنّة والعلويين، فإنها دفعت العناصر السلفية الجهادية إلى حصر وجودها في عاصمة الشمال والمناطق المحيطة بها على جناح السرعة، وتوجّه معظم عناصرها، وفق مصادر عدة، باتجاه بعض قرى عكار تحديداً، حيث وجدت هناك أكثر من ملجأ لها تمهيداً لاستكمال المرحلة التالية من نشاطها.
إلا أن مصادر سياسية مطّلعة أفادت بأن الانتشار العسكري السوري قرب الحدود الشمالية يعود إلى سبب إضافي يتعلق بحماية المجال الحيوي للقاعدة العسكرية الروسية في مرفأ طرطوس، والتي يمثّل وجود عناصر مسلحة مناوئة للنظام في سوريا، ومتحالفة ومموّلة من قوى إقليمية تدور في فلك الإدارة الأميركية، تهديداً مباشراً لها، دفع السوريين والأوروبيين معاً، للتحرك سريعاً من أجل درئه قبل استفحال خطره.
وللمناسبة، أعادت المصادر السياسية نفسها التذكير بما شدد عليه ساركوزي في القمة، عندما قال: «نحن بحاجة إلى سوريا في لبنان ومع إيران، والولايات المتحدة تعرف الدور الكبير الذي تقوم به سوريا في هذا الإطار، ونحن نتحدث في هذا الموضوع. وفرنسا تؤدي دوراً لكي تفتتح عصر السياسة المنفتحة مع سوريا»؛ مشيراً إلى أن «الأميركيين يعرفون أننا هنا، وما هي الشروط التي تجمعنا، وبماذا نتكلم، وحول ما نتكلم».


عدد الاثنين ٢٩ أيلول ٢٠٠٨ | شارك