الرواية الكاملة لأزمة المجلس الدستوري... المفـــترض ختامها اليوم


غسان سعود
في أول جلسة للمجلس النيابي بعد استئنافه العقد العادي له هذا العام، يعود النواب اليوم ليضطلعوا بالدور الذي كان يفترض بهم تأديته فور انتهاء الانتخابات النيابيّة قبل ثلاثة أعوام، فيناقشون إدخال تعديلات على نظام المجلس الدستوري الذي شكل الخلاف على تحديد دوره، الشرارة الأولى للمواجهة السياسية بداية، ثم العسكرية، بين الأكثريّة والأقليّة. وعلم أن وزير العدل إبراهيم نجار كثف التنسيق خلال الأيام الماضية مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري لإخراج تعديلات يفترض أن توفر إجماعاً ينعش هذه المؤسسة الدستوريّة التي تتهم الأقلية النيابيّة الأكثرية بتعطيلها.
وفي رأي طرفي النزاع أن شلل المؤسسة أسهم فيه الحكم، وذلك عبر أزمات كان يمكن بواسطة الدستوري تخفيفها أو بتها سريعاً. من هنا، يقول مرجع نيابي، إن فهم أهمية نقاش اليوم، الذي دفع بري باتجاهه، يفرض فهم التجاذب الذي مرَّ به الدستوري.

انتهاء الولاية

البداية كانت في 25/8/2003، حين انتهت ولاية خمسة من الأعضاء العشرة الذين يتألف منهم المجلس الدستوري بعد انقضاء الأعوام الستة على أدائهم القسم معاً وهم: أمين نصار، ومصطفى العوجي وحسين حمدان اللذان عينهما مجلس النواب، وفوزي أبو مراد وسليم جريصاتي اللذان عينهما مجلس الوزراء. لكن هؤلاء واظبوا على عملهم انطلاقاً من مبدأ أولوية استمرارية المؤسسات. قبل أن توجه في 24/1/2005 الهيئة العامة للمجلس الدستوري كتاباً إلى الرؤساء إميل لحود ونبيه بري وعمر كرامي تطلب بموجبه الإسراع في تعيين أعضاء جدد مكان الأعضاء المنتهية مدة ولايتهم وتعديل بعض مواد قانون المجلس الدستوري.
لكن التعيين لم يحصل، وجرت الانتخابات النيابيّة في ظل نفسه المجلس الذي قدم إليه، ضمن المهلة القانونيّة، 11 طعناً معظمها بنيابة نواب في دائرة بعبدا ـــــ عاليه، إضافة إلى الطعن بنيابتي نقولا فتوش وإلياس عطا الله. لكن المفاجأة كانت بتبني الأكثرية النيابيّة، من خارج جدول الأعمال، في أول جلسة للمجلس النيابي الاقتراح ـــــ القانون الذي تقدم به النائب روبير غانم بصفة معجل ومكرر.
وهكذا نشر في 20/7/2005 في ملحق الجريدة الرسمية القانون الرقم 679 المتعلق بتأجيل النظر في المراجعات أمام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله.
فسارع نواب تكتل التغيير والإصلاح في 28/7/2005 إلى تقديم استدعاء يطعن بالقانون 679 لعدم دستوريته. فأصدر المجلس الدستوري قراراً يبطل القانون 679/2005 إبطالاً كلياً لمخالفته الدستور. وقبل أن تبدأ ردود الفعل على هذا القرار، دخل أعضاء المجلس الدستوري الخمسة المنتهية ولايتهم في النزاع، معلنين قرارهم التوقف عن العمل.
ودخلت الأمور مرحلة تجاذبيّة حادّة كان من أبرز انعكاساتها التحرك السياسي الميداني المشترك الأول بين نواب التيار الوطني الحر وحزب الله، الذين اعتصموا في باحة المجلس الدستوري. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجلس الألفين النيابي انتخب قبل انتهاء ولايته 3 أعضاء هم نصري لحود وحسين الحاج وأمين حمود، لكنهم لم يقسموا اليمين. مع العلم أيضاً أن سجالاً نشب في إحدى الجلسات النيابيّة بين النائب إبراهيم كنعان والرئيس فؤاد السنيورة أظهر عدم اطلاع رئيس المجلس الوزاري على صلاحيته بشأن الدستوري.
لاحقاً، بعدما تأكد الأكثريون من استحالة إمرار اقتراح غانم، قدم النائبان بطرس حرب وبهيج طبارة اقتراح قانون لتعديل بعض مواد إنشاء المجلس الدستوري وخصوصاً المواد 3 و12 و20 من القانون الرقم 250/1993.
والأبرز هنا، هو إنهاء ولاية جميع أعضاء المجلس الدستوري الحاليين بعد اكتمال تأليف مجلس دستوري جديد، إلغاء انتخاب أعضاء جدد من مجلس النواب السابق، إضافة إلى تعديل شروط ترشح أعضاء المجلس الدستوري وانتخابهم، ولا سيما دعوة المرشحين إلى جلسة مقابلة علنية من لجنة فرعية منبثقة من لجنة الإدارة والعدل لمناقشة المرشح حول خبرته وآرائه وتوجهاته.
كما يدخل التعديل فئة جديدة ممّن يحق لهم التعيين في المجلس الدستوري وهم رجال الفكر والكفاءة والاختصاص في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون أية ضوابط.
وفي 6/12/2005، صدّق مجلس النواب بأكثرية النصف زائداً واحداً على اقتراح القانون. رغم وجهة النظر القائلة إن القانون الدستوري يعدل بقرار دستوري (يحتاج إلى ثلثي عدد النواب).
وأحيل إلى مجلس الوزراء الذي حوله بدوره إلى رئاسة الجمهورية التي ردته في 3/1/2006 على مجلس النواب دون توقيع الرئيس لإعادة النظر فيه، على اعتبار أن المجلس الدستوري لن يكون مستقلاً أو حيادياً أو محققاً لغايات إنشائه إذا أُنهيت ولاية بعض أعضائه قبل انتهائها أو إذا ألغى انتخاب الأعضاء الجدد الذين سبق لمجلس النواب أن انتخبهم أصولاً أو إذا عيّن جميع أعضائه دفعة واحدة من أكثرية في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء، على اعتبار أن هذا المجلس هو من أهم منجزات وثيقة الوفاق الوطني وقد ناطت به المادة 19 من الدستور مراقبة دستورية القوانين وبت النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية
والنيابية.
ونتيجة رد الرئيس القانون إلى المجلس النيابي دون توقيعه لإعادة درسه، صوت عليه أمام الهيئة العامة في 3 أيار 2006 وصار إقراره.
بعدها، بدأت لجنة الإدارة والعدل تستقبل المرشحين لشغل مقاعد المجلس، غير أن تفاقم الخلاف السياسي وإقفال المجلس النيابي أبوابه، حالا دون استمرار هذه العمليّة. وسحب الدستوري كلياً من التداول.
مع العلم أن من أبرز مهام المجلس:
تولي الرقابة على دستوريّة القوانين (المادة 18)، والفصل في صحّة انتخابات رئاستي الجمهورية والنواب، وبت الطعون والنزاعات الناشئة عنها بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، إن قدموا طعنهم خلال مهلة الـ 24 ساعة التي تلي إعلان النتائج (المادة 23). إضافة إلى حسمه أمر فصل نيابة نائب منتخب والفصل في الطعون بموجب طلب يقدمه المرشح الخاسر في الدائرة نفسها في مهلة 30 يوماً
(المادة 26).
وإعلانه صحة أو عدم صحة النيابة المطعون بها، ويحق له إلغاء النتيجة وإبطال النيابة وإعلان فوز المرشح الحائز غالبية الأصوات في تقديره أو فرض إعادة إجراء العمليّة الانتخابيّة.
ومع استقرار الأوضاع السياسية نسبياً، حاول رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب روبير غانم استكمال ما بدأته الأكثريّة عبر الاقتراح على مجلس النواب لقانون تمدد بموجبه مهلة الترشيحات للمجلس الدستوري شهرين، بعد انتهاء المهلة السابقة.
فكانت المفاجأة أن اعترض وزير العدل إبراهيم نجّار على التمديد، لأنه ينطلق من قانون أُقر عام 2006، طعن به نواب التغيير والإصلاح.
ويقول نجار في هذا السياق إن ما من هيكلية جديدة متكاملة للمجلس الدستوري، لكنه يقترح إلغاء القانون الصادر عام 2006 (الذي نشر رغم عدم توقيع رئيس الجمهوريّة) لأنه تَعطّل عملياً ولم يعد ممكناً تنفيذه، مشيراً إلى أن الطعون السابقة بالنيابة ستبقى عالقة أمام المجلس الدستوري. وبعد النظر فيها، إذا أسفر الطعن عن إبطال النيابة بمهلة لا تتجاوز الستة أشهر من تاريخ الانتخابات، لا يعود بالإمكان إجراء انتخابات جديدة، في ظل تأكيدات أن الحكم على الطعون لن يصدر قبل مهلة الستة الأشهر.
وقالت المصادر إن ورقة نجار «الإصلاحية» تقترح:
1ـــــ إعادة العمل بنظام الترشيحات، مع إلغاء المقابلات التي كانت تُجريها لجنة الإدارة والعدل مع المرشحين، وهو الأمر الذي سبق أن أثار موجة احتجاج واسعة في صفوف تكتل التغيير والإصلاح، وقاطع النواب جلسات لجنة الإدارة والعدل لاعتبارهم أن إخضاع القضاة لمقابلات كهذه يفقدهم هيبتهم، ويشكك باستقلاليتهم لاحقاً.
2ـــــ الالتزام باختيار أعضاء المجلس من القضاة السابقين أو أساتذة التعليم العالي، السابقين أو الحاليين، أو المحامين الممارسين طوال 20 سنة على الأقل، والعودة بالتالي عن تشريع النائبين بطرس حرب وبهيج طبارة في هذا الخصوص.
3ـــــ إلغاء الملف الشخصي عند الترشح لعضوية المجلس، وهو ما يفترض أن يثير جدلاً واسعاً في المجلس، إذ يعتبر بعض النواب أن الاكتفاء بالسيرة الذاتيّة، دون ملف كامل، يحول دون معرفة حقيقة سجل مقدم الطلب، واكتشاف ما إذا كانت له أية سوابق سلبيّة.
4ـــــ إلغاء سقف السنّ الذي حُدّد سابقاً بـ74 عاماً، وهي نقطة يفترض أن تثير نقاشاً أيضاً، إذ يعتبر البعض أن ولاية أعضاء المجلس هي 6 سنوات، وبالتالي فإن إلغاء سقف السنّ سيسمح بتعيين أشخاص قد لا يستطيعون إكمال ولايتهم كما يفترض بهم.
يتوقع أن يشمل السجال اليوم أيضاً، إضافة إلى النقطتين الاخيرتين، مطالبة بتوضيح البند المتعلق بالمهل، إذ سيطالب نواب بتحديد بداية المهل انطلاقاً من تاريخ تعيين المجلس الجديد.
أما الأهّم في ملف الدستوري، على ما يقول أحد النواب، فهو بند يتعلق بصلاحيّة انتزعت من المجلس ويفترض به استعادتها. ويتهرب النائب من كشف تفاصيل إضافيّة في انتظار الجلسة، مؤكداً أن هذه المادة هي المقدمة الأساسيّة للإصلاح وهي المحك في تقييم أداء وزير العدل في هذا الملف.
وإذا اختتم المجلس النيابي هذا الملف اليوم، يفترض بالمجلس انتخاب قسم من أعضاء الدستوري الحديد، والقسم الآخر يوقع على تعيينه ثلثا أعضاء الحكومة، وبالتالي لن تكتمل الولادة إلا بالتوافق. توافق يبدو أن عرّابيه سيكونان بري ونجّار.


عدد الاربعاء ٨ تشرين أول ٢٠٠٨