جولات سليمان من السعوديّة إلى الفاتيكان: ضمان الخارج لضمان الداخل
الرئيس سليمان (أرشيف ــ بلال جاويش)
يتوجّه الرئيس ميشال سليمان إلى السعودية للقاء ملكها، ويعود فينتقل إلى القمة الفرنكوفونية في كندا ثم إلى روما للقاء البابا، فيما المصالحة المسيحية لا تزال معلّقة. ويبدو أنه قرّر ترك هذه المهمة لأصحابها واكتفى بدور التبريك إذا هي حصلت
نادر فوز
يستغرب الرئيس ميشال سليمان أمام المقرّبين ما أشاعته بعض وسائل الإعلام عن اقتراب موعد لقاء المصالحة بين القوات اللبنانية وتيار المردّة في قصر بعبدا.
ورغم تمنّياته بنجاح مبادرة الرابطة المارونية، وأية مبادرة تصالحية أخرى، يفضّل البقاء بعيداً عن تفاصيل المبادرات وتحديدها وأداء دور الوسيط المباشر، كما يقول بعض المقرّبين، لكنه «مستعد لفتح أبواب القصر في أية لحظة لرعاية المصالحات والمساهمة في تهدئة الأجواء وتقريب وجهات النظر».
يبتعد الرئيس إذاً عن التفاصيل «الميدانية» للموضوع الأهم مسيحياً ومارونياً في هذه المرحلة، فيما لا تزال اتصالات الأطراف في الموضوع شبه مقطوعة مع بعبدا، مع التأكيد على ضرورة خوض هذه التجربة التصالحية.
ورغم أنّ البعض يرى وجوب تولّي سليمان مهمّة الشروع في المصالحة المسيحية ـــــ المسيحية والمضيّ بها، يؤكد البعض الآخر، ومنهم مطّلعون على أجواء بعبدا، أنّ سليمان «لن يتّصل بفلان ويجمع فلاناً بفلان. عندما يتّفقون على كل شيء فأهلاً وسهلاً بهم للتبريك وتكريس المصالحة سياسياً».
يثير ابتعاد سليمان عن خوض تفاصيل المصالحة المسيحية استياء البعض، على اعتبار أنه التزم الاتصالات المباشرة مع القوى أثناء تأليف الحكومة وإعداد بيانها الوزاري، إلا أنه يمكن تفسير الأمر بسياسة الرئيس في هذه المرحلة التي تستند إلى ثلاثة عناوين رئيسيّة:
■ أولاً، تكريس الدور الوطني العام والجامع لرئاسة الجمهورية، بهدف تثبيت نفسه في هذا الموقع ولتقديم صورة مختلفة عن الصورة الأخيرة في عهد الرئيس السابق إميل لحود حيث سادت القطيعة السياسية الأعوام الثلاثة الأخيرة من عهده.
■ ثانياً، عدم رغبة سليمان الدخول في سراديب الخلافات المسيحية الداخلية، مما يمكن أن يقضي أولاً على صورته الوطنية وتكريسه زعيماً مارونياً. وما يمكن ثانياً أن يؤسس لمجموعة خلافات ـــــ أو سوء تفاهمات ـــــ بين بعبدا وهذه القوى قد تنعكس لاحقاً على الحياة السياسة وترجمتها، أي الانتخابات النيابية.
■ ثالثاً، إدراكه أنّ أي فشل في تحقيق المصالحة المسيحية الداخلية يعني سقوط الرئاسة في فخ سياسي يؤدي إلى كسر هيبتها ويجعلها طرفاً يتساوى مع القوى التي تمتلك على الأقل تمثيلاً شعبياً تاريخياً لم يستطع الرئيس توفيره لنفسه بعد.
وفيما يبتعد سليمان عن هذه العراقيل الداخلية، يوجّه أنظاره إلى الخارج فاتحاً الأفق لإعادة تقديم لبنان كبلد يخرج من أزمته نحو الاستقرار رغم عدم ثبات الوضع الأمني واستمرار الوضع الاقتصادي في التراجع.
■ جولة ثلاثية هذا الشهر
يعدّ فريق العمل في بعبدا الزيارات الرئاسية الثلاث المرتقبة إلى كل من السعودية نهاية الأسبوع الحالي، يومي 12 و13 تشرين الأول، وكندا للمشاركة في قمة الدول الفرانكوفونية، وأخيراً إلى روما للقاء البابا بنديكتوس الحادي عشر.
ويمكن تصنيف الزيارة الأولى في خانة استكمال سليمان محاولة إنشاء شبكة أمان سياسية واقتصادية إقليمية، طلائعها الجولات التي قام بها منذ دخوله القصر بدءاً من باريس وحتى واشنطن مروراً بالشام.
ويضع متابعون زيارة السعودية تحت عنوان إدراك سليمان أنّ الحوار الداخلي انعكاس للأجواء الإقليمية «فيعوّل على ترتيب العلاقات الإقليمية أكثر مما يعوّل على تنظيم مصالحات داخليّة، وخاصةً أنّ لبنان خرج من الأزمة التي استقرّت أمنياً وانحصرت في السياسة».
وقبل الدخول في تفاصيل زيارته إلى جدّة، تحدّثت مصادر متابعة عن جولة عربية أوسع سيقوم بها سليمان الشهر المقبل، إضافةً إلى زيارة للعاصمة الإيرانية.
■ السعودية: تطمينات وتعاون اقتصادي
من المتوقع أن يغادر الرئيس سليمان مطار بيروت نهار الأحد المقبل متوجهاً إلى السعودية على رأس وفد وزاري يضم كلاً من نائب رئيس مجلس الوزراء عصام أبو جمرة، والوزراء فوزي صلّوخ، غازي العريضي، محمد الصفدي، بهية الحريري ونسيب لحود، وذلك على وقع اللوحات المنتشرة في الشوارع بعنوان «44 مليون «شكراً» للمملكة العربية السعودية على مكرمaaاتها».
وسيتخلّل الزيارة لقاء مع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ومسؤولين سعوديين. ومن المتوقع أن يجتمع سليمان والوفد المرافق بمجموعة من الوزراء ورجال الأعمال السعوديين في غرفة التجارة والصناعة، إضافةً للقاءات مع الجالية اللبنانية. وعلم أنه سيقيم والوفد المرافق خلال الزيارة في قصر المؤتمرات بجدة، وسيضع حجر الأساس للقنصلية اللبنانية في المدينة.
وقد اجتمع سليمان أمس بالوفد المرافق لوضع جدول أعمال الزيارة، فيما اعتذر وزير الخارجية عن عدم الحضور لشغله بجلسة مجلس النواب. وأكد أحد الوزراء المشاركين أنّ اجتماع أمس تركز على حصر الموضوعات التي يجب طرحها خلال اللقاءات مع المسؤولين السعوديين، مشيراً إلى أنّ «لبنان لن يطلب المساعدة، ولكن إذا بادر السعوديون إلى تقديم المساعدة فسنكون جاهزين لتقديم الملفات التي بحثناها أمس خلال الاجتماع مع الرئيس».
وأضاف الوزير أنّ الزيارة «بروتوكولية ذات آفاق سياسية واقتصادية وتتوخى تجديد العلاقة بين البلدين وتحسينها».
وأكّد أحد المطّلعين أنّ الملفات التي ستطرح في السعودية ستكون مشابهة لتلك التي طرحت خلال زيارة سليمان إلى قطر، «أي كل الملفات التي يمكن أن تعيد تنشيط دورة الحياة الاقتصادية».
ويضيف أنّ هذه هي: طرح بناء مصفاة نفط ومطار تجاري عربي، مشاريع لتعزيز المناطق الاقتصادية في الداخل والساحل اللبناني، بحث إمكان عقد اتفاقات ذات حوافز ضريبية، بحث إمكان مساعدة لبنان في مجال الطاقة والسير بمشاريع إنمائية «بعيدة عن الاستثمار المالي المباشر»، إضافةً لإمكان التوصل إلى اتفاقات ثنائية في مجال التبادل التجاري.
وقال أحد الوزراء إن زيادة الاستثمارات المالية السعودية ستثار، ولا سيما في الحقلين السياحي والخدماتي. ومتابعةً لموضوع الـ«44 مليون شكراً»، قد تطلب الوزيرة بهية الحريري مساعدة سعودية لبناء المزيد من المدارس في المناطق اللبنانية.
ورأى أحد النواب أنّ من المهم معرفة حقيقة موقف السعودية حيال قرار تحذير مواطنيها من السفر إلى لبنان واستيضاحها ما يقال عن دعمها فئة دون أخرى.
ويضع مطّلع الزيارة للسعودية في خانة «العلاقة الطبيعية بين البلدان العربية، وهذه العلاقة موجودة بين لبنان والسعودية منذ عهد الرئيس كميل شمعون»، مضيفاً أنّ الأوضاع الإقليمية لا التوقيت هي ما يعطي الزيارة أبعادها. وأنّ الوضع الداخلي والإقليمي يحتّم على سليمان القيام بالزيارة التي يمكن أن ينتج منها تطمينات لكلا البلدين على الصعيدين الأمني والسياسي، فـ«السعودية بحاجة إلى تطمينات حول علاقة لبنان بسوريا والتأكّد من أنّ اللبنانيين مستمرون بسياسة النديّة مع دمشق»، وفي المقابل سليمان بحاجة إلى تطمين إلى كون أنّ السعودية ستبقى إلى جانب لبنان وتساعده سياسياً وعربياً واقتصادياً، وتعمل على تحييده عن الصراع السعودي ـــــ السوري».
ورأى المتحدث أنّ السعودية باتت بحاجة إلى ضمانات سليمان بعدما تراجع دورها وتحوّلت الأنظار عنها إلى قطر، فـ«السعودية كانت طرفاً واضحاً في الأزمة الداخلية، وهي بحاجة اليوم إلى الحوار مع سليمان الذي يمثّل صلة الوصل بين الفريقين»، متحدثاً عن زيارة مرتقبة لسليمان إلى القاهرة للهدف نفسه، وأنّ سليمان يحاول أداء دور توفيقي بين السعودية ومصر من جهة وسوريا من جهة أخرى، علّ الاستقرار بين هذه الدول ينعكس إيجاباً على دعوته لطاولة الحوار.
ويطرح شكل الوفد المرافق علامات استفهام من حيث كونه متنوّعاً ويضمّ معظم القوى المشكّلة للصراع الداخلي، «كأن سليمان يريد أن يُظهر للعرب التفاهم الحاصل في الداخل وتكريسه عبر هذه الزيارة».
إلا أنّ وجود الوزير لحود يطرح التساؤل الأكبر بحيث إنه وزير بلا حقيبة لا يمثّل طرفاً سياسياً أساسياً، ما دفع أحد المتابعين إلى القول: «أعتقد أنه موجود في الوفد لقربه من النظام السعودي»، متسائلاً عن سبب غياب وزير الطاقة الذي من المفترض أن يكون له دور هام في اللقاءات التي يمكن أن تعقد في جدّة.
■ الالتزام الفرنكوفوني والتقليد الفاتيكاني
أما الزيارتان الأخريان إلى كندا والفاتيكان، فتندرجان ضمن اللقاءات الاعتيادية، إذ أصبح تقليداً مكرّساً أن يزور أي رئيس لبناني الفاتيكان بعد انتخابه. وبعد عودته من السعودية، سيغادر سليمان بيروت مرة أخرى وهذه المرة إلى كندا للمشاركة في قمة الدول الفرنكوفونية التي ستعقد اجتماعاتها في كيبيك بين 16 و19 تشرين الأول الجاري. وسيكون أمام سليمان مهمات عديدة أهمها «اللقاء مجدداً بالرئيس الفرنسي الذي لم يزره بعد في باريس زيارة رسمية واكتفى بلقائه خلال قمّة المتوسط». وسيؤكد سليمان كذلك على الوضع المستقرّ في لبنان الذي سيستضيف الألعاب الرياضيّة للدول الفرنكوفونيّة في أيلول 2009 في بيروت، إضافةً إلى بحث تعزيز التعاون والتواصل بين الدول الأعضاء. وتأتي دعوة سليمان إلى المشاركة في هذه القمة بعد عامين من مقاطعة الدول الفرانكوفونية للرئاسة اللبنانية، في ظل الظروف الدولية التي كانت تسود السنوات الأخيرة لعهد الرئيس السابق إميل لحود، ما يكسب سليمان المزيد من الثقة دولياً وعربياً.
أما زيارة الفاتيكان بين 29 و31 الجاري، فإضافةً إلى تقليديّتها، يضعها المتابع في إطار إعادة لفت نظر الكرسي البابوي إلى ما يجري في لبنان والمنطقة «والجميع يلاحظ اهتمام البابا الحالي بمسيحيي أوروبا دون سائر مسيحيي العالم، عكس يوحنا بولس الثاني الذي كان يوجّه أنظاره إلى كل دول العالم دون استثناء».
إنشاء المؤسّسات والحفاظ عليها
شدد أمس الرئيس ميشال سليمان على ضرورة تشكيل المجلس الدستوري في أسرع وقت ممكن، لافتاً إلى أنه «ليس المهم إنشاء المؤسسات بل المهم المحافظة عليها وتفعيلها». وجاء حديث سليمان خلال استقباله في قصر بعبدا وفداً من مؤسسة الرئيس فؤاد شهاب الذي أطلعه على سلسلة من النشاطات المنوي القيام بها في مناسبة الاستقلال، وأبرزها توقيع كتاب عن الرئيس الراحل في قصر الأونيسكو. وشكر الوفد سليمان الذي كان البادئ بتكريم الرئيس شهاب بإطلاق اسمه على كلية القيادات والأركان، ونقل عنه تمنياته باستمرار التي تصب في إطار الإضاءة على شخصية الرئيس شهاب ودوره الوطني.
مفارقة مضحكة وتواطؤ مشترك
«الجانب الإسرائيلي يقول إنه خائف من الأصولية الشيعية، والجانب السوري يقول إنه خائف من الأصولية السنية»، قال النائب السابق فارس سعيد، مشيراً إلى وجود «تواطؤ إسرائيلي ـــــ سوري على حساب سيادة لبنان واستقلاله».
ووصف سعيد المفارقة بـ«المضحكة» على اعتبار أنّ الطرفين يجدان لبنان مصدر خطر.
احترام المواثيق الدولية
رأى النائب أغوب بقرادونيان أن من الضروري احترام المواثيق الدولية وتحمّل المسؤولية على الصعيد الدولي، ولا سيما أصدقاء لبنان للمساعدة على نهوض لبنان اقتصادياً واجتماعياً.
وجاء كلام بقرادونيان خلال لقاءات دبلوماسية بحث خلالها أيضاً موضوع المصالحات الداخلية.
مساندة مصريّة للبنان
جدد وزير الخارجية المصري، أحمد أبو الغيط، التزام بلاده «مساندة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية»، خلال لقائه وزيرة الصناعة اللبنانية السابقة، ليلى الصلح، في القاهرة. وبدورها شكرت الصلح الجهود التي تبذلها مصر من خلال اتصالاتها الإقليمية والدولية من أجل الحفاظ على أمن لبنان واستقراره.
مواجهة محاولة ضرب الأمن
أكد قائد الجيش العماد جان قهوجي أن عزيمة الجيش لن تضعف أمام حادث يحصل هنا أو هناك، مشدداً على عدم الخضوع للمتربصين شراً بالوطن والساعين إلى تعكير أجواء التوافق والمصالحة بين اللبنانيين.
ولفت إلى أنّ محاولة ضرب مسيرة الأمن ستواجه بحزم.






