دبلوماسيّون أوروبيّون: تبرير الحشود أوّل إعلان سوري لالتزام القرار 1701
نقولا ناصيف
للمرة الثانية، أمس، صدر ردّ رسمي سوري على ما أثير عن الحشود العسكرية وراء الحدود اللبنانية ـــــ السورية منذ 22 أيلول الفائت بغية تأكيد دمشق عدم عزمها على التدخّل عسكرياً في لبنان. كان الردّ الأول غير مباشر في البيان الصادر في بيروت عن فحوى مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ميشال سليمان بنظيره الرئيس بشار الأسد في 5 تشرين الأول، وعلم من خلالها أن الإجراء السوري هو لمنع التهريب تبعاً لما اتفق عليه الرئيسان في قمتهما يوم 13 آب الماضي. بدا الردّ الأول كافياً بالنسبة إلى الحكم اللبناني كي يعتبر السجال منتهياً عند هذا الحدّ، ويوصد أبواب الاجتهاد في تدابير محدّدة الأهداف، وهو أن الحشود العسكرية السورية تعبّر عن السياق الذي التقى عليه رئيسا البلدين لضبط حدودهما. بدوره الردّ السوري طَابَقَ التبرير نفسه.
ومع أن أفرقاء الموالاة رفعوا وتيرة التخويف من دوافع الحشود العسكرية تلك ولوّحوا بأنها تمهّد لتدخّل عسكري سوري في لبنان، مستنفرين كذلك دبلوماسية بعض الدول الغربية العاملة في لبنان والمتعاطفة معهم، إلا أن المناورة راوحت مكانها. لم يتحمّس الفرنسيون والأميركيون لتبنّي موقف 14 آذار، لكنهم اغتنموا المناسبة كي يؤكدوا تمسّكهم بسيادة لبنان واستقلاله ورفضهم أي مغامرة تقدم عليها دمشق للتدخّل في شؤونه. إلا أن الإجراءات العسكرية السورية أفضت إلى ملاحظات دوّنتها مصادر دبلوماسية غربية في بيروت معنية بمتابعة الوضع عن قرب بعدما تجمّعت لديها انطباعات متعدّدة الاتجاه حيال مغزى الحشود. وتدرج ملاحظاتها هذه كالآتي:
1 ـــــ إنها المرة الأولى التي تعلن سوريا فيها أنها تتخذ إجراءً عسكرياً يتلاءم مع ما ينصّ عليه القرار 1701. ورغم أنها لم تقل مرة بمعارضتها له، ولا أنكرت دوراً اضطلعت به ضمناً لتسهيل تنفيذه ووصول الجنود الدوليين إلى الجنوب من غير أن يواجههم مناخ سياسي وشعبي عدائي ـــــ وكان الفرنسيون أول مَن احتاج إلى هذا التسهيل وأقرّ به ـــــ وكذلك المساعدة السورية في أوقات لاحقة بعد آب 2006 للمحافظة على الاستقرار جنوبي نهر الليطاني ـــــ رغم ذلك، هذه هي المرّة الأولى التي تجهر فيها دمشق باحترامها أحكام القرار 1701 وتقول إنها اتخذت إجراءات تؤكد التزام تنفيذه، كانت دمشق قد ناوأت أكثر من مرة قرارات دولية اعتبرت أنها تدخّل في مسار العلاقات اللبنانية ـــــ السورية شأن ما يتصل بحدود البلدين الجارين وترسيمها والتبادل الدبلوماسي بينهما على نحو ما حضّ عليه القرار 1680.
وتبعاً لملاحظة المصادر الدبلوماسية الغربية المعنيّة بالوضع اللبناني، بدا موقف دمشق من القرار 1701 واضحاً إلى حدّ الالتباس بسبب ملامسته حدّين متناقضين هما تمسّكها بدعم المقاومة واحتفاظ حزب الله بسلاحه، وفي الوقت نفسه تكيّفها مع أحكام القرار 1701. إذ راحت تعتبره ـــــ دون أن تعلن صراحة ـــــ مرجعية جدّية لإدارة شؤون حدودها مع لبنان. وهي بذلك تستكمل مهمة الفريق الدولي لتقويم الحدود.
وبمقدار ما أثار هذا الموقف اهتمامها، لم تتخلَّ الدبلوماسية الغربية عن شكوكها في مدى تقديم سوريا أدلة على دعم الاستقرار في لبنان وفق ما يرمي إليه قرار مجلس الأمن في شقيه الحدوديين: اللبنانية ـــــ الإسرائيلية واللبنانية ـــــ السورية.
2 ـــــ ينطوي الردّان الصادران عن لبنان وسوريا على إشارة ملتبسة بدورها. فهما يعزوان الحشود إلى إرادة منع التهريب بين البلدين، في حين أن التعريف الحصري للتهريب الذي قصده القرار 1701 هو تسريب السلاح من الأراضي السورية إلى الداخل اللبناني عبر حدود البلدين، الأمر الذي يعكس موقفاً تريد به دمشق التوجّه إلى المجتمع الدولي بقولها إن تهريب السلاح يشق طريقه بين البلدين في الاتجاهين المتقابلين، ولا يقتصر وفق القرار 1701 على تسهيل سوري لإمراره إلى حزب الله. وكان الأسد قد أبرَزَ هذا الجانب مراراً بحديثه عن خطر التطرّف على سوريا من مراكز تجمّعه في الشمال.
3 ـــــ على وفرة ما سمعته الدبلوماسية الغربية في بيروت من زوارها الأكثريين عن موقفها من الحشود وربطهم إياها بتفجيري طرابلس ودمشق لتبرير تدخّل عسكري في لبنان، فلا أدلة ملموسة توافرت لديها حيال هذا التفسير، ولم تجد كذلك في الحشود ما يمثّل تهديداً جدياً وعدائياً للبنان أو احتمال تجاوز حدوده الدولية. ذهبت هذه إلى أبعد من ذلك، كي تقول أيضاً إنه لا أدلة ملموسة على الحجم المعلن للحشود تلك، مشككة في صحة الأرقام التي تحدثت عن نشر 10 آلاف جندي سوري وراء الحدود مع لبنان. والواقع، طبقاً لتقاطع استطلاعها في لبنان مع تقارير بعض بعثاتها في دمشق، لاحظت الدبلوماسية الغربية أن المعلومات المتوافرة في العاصمة السورية عن الحشود ضئيلة لم تتعدَّ ما أعلن رسمياً من أنها جزء من تفاهم الرئيسين اللبناني والسوري لضبط حدود بلديهما، واقتصارها على الجانب السوري من الحدود. ولم يَسَع الدبلوماسية الغربية في دمشق، وفق ما ترويه نظيرتها في بيروت، التحقّق من جدّية الربط بين الأحداث الأمنية الأخيرة في سوريا ولبنان والحشود العسكرية التي أتت بعد اغتيال المستشار الأمني للرئيس السوري العميد محمد سليمان في 2 آب وانفجار طرابلس في 13 منه، وقبل انفجاري دمشق في 27 أيلول وطرابلس في 29 منه. ولم يَسَع التقارير تلك سوى طرح احتمالات متناقضة لتفسير ماحدث، عزا بعضها انفجار دمشق إلى متشدّدين بدأوا ينشطون داخل سوريا، والبعض الآخر إلى متشدّدين لبنانيين تسللوا لنشر الاضطرابات فيها.






