رؤيويّة «إلى اللقاء سوريا»، والمشترك بين كيسنجر وغازي كنعان
جان عزيز
ثمة أبعاد سياسية تتخطى الحسابات العسكرية البحتة، في الحشود العسكرية السورية على طول الحدود مع لبنان. وهي أبعاد، لا يدركها إلا المطلعون على عمق فكر «نظام الدولة في سوريا»، كما يسميه بعض أركانه. ولا استغراب. إذ كان يروى أن غازي كنعان أعد اختصاصه البحثي الجامعي عن بنية الجماعات والعائلات اللبنانية، في حقبة القرون الثلاثة الماضية. وإذا ما صح الخبر، يكون مماثلاً في مصادفته التاريخية، أو اللامصادفة، لكون وزير الخارجية الأميركية الأسبق، هنري كيسنجر، قد تخصص جامعياً في السياسي النمسوي المحنك، مترنيخ. ما يقودنا أصلاً إلى العلاقة بين كيسنجر نفسه والموضوع ـــــ الحدث اليوم ، أي الحشود السورية، وسط الكلام الأميركي الرمادي حيالها، والصمت الأوروبي، والتعويض الفرنسي عن الأكثر من الصمت، بالتعبير عن المحبة.
ففي كتاب مذكراته الأخير، «سنوات التجدد»، يفرد كيسنجر فصلاً مميزاً لرواية ملابسات الدخول السوري إلى لبنان منتصف عام 1976، ووقائعه. وهو يتحدث بالتفاصيل عن المراسلات المتبادلة لهذا الغرض، بين سفيره في دمشق، ريتشارد مورفي، الذي عاد هو نفسه فتولى عام 1988 إخراج «اتفاق مورفي الأسد» الشهير لتعيين رئيس جديد للجمهورية في لبنان، وتل أبيب وإسحق رابين، عبر واشنطن. ويخلص كيسنجر في مذكراته إلى إفهامنا أن الولايات المتحدة وإسرائيل وافقتا على دخول الجيش السوري إلى لبنان، وفق حسابات كل منهما ومصالحهما، المتقاطعة مع حسابات النظام السوري ومصالحه بالطبع.
وما يعنينا في هذا الشأن، أن المصلحة الإسرائيلية اشترطت في حينه على سوريا عبر أميركا، أن يكون ثمة خط أحمر جنوباً، لا تتخطاه القوات السورية المجتاحة. وجاءت الموافقة السورية لتقيم فعلياً على الأرض مركز الرميلة، على بعد أمتار من مصب نهر الأولي، خط الحدود بين محافظة الجنوب وجبل لبنان. في الرميلة ظل السوريون 29 سنة كاملة غير متواصلة، أو متقطعة. فيوم قررت إسرائيل من طرف واحد، إجراء تعديل أحادي في بنود اتفاقها الثلاثي مع السوريين والأميركيين منتصف عام 1982، اجتاحت لبنان، فغادر السوريون الرميلة طوال عامين ونيف، ليعودوا إليها لاحقاً، بعدما عادت ترتيبات كيسنجر إلى طبيعتها. ولما رأت سوريا نفسها أن الفرصة متاحة لدفع الخط الأحمر بعض الشيء جنوباً، في خريف عام 1990، وسط تحالف دمشق وواشنطن في إطار «عاصفة الصحراء»، خرجت القوات السورية من الرميلة في اتجاه صيدا وما بعدها، ولو في شكل مدني غير عسكري وغير معلن. لتعود فتنتظم مرة جديدة في إطار الضوابط الكيسنجرية، بعد تموز 1993 وعملية «تصفية الحسابات» الإسرائيلية. وبين الحركتين المتبادلتين، ظل موقع الرميلة صاحب رمزية واضحة، لجهة علة وجود الجيش السوري في لبنان، في سياق هذا التقاطع الأميركي السوري الإسرائيلي.
أما في الشمال، فخريطة المراكز السورية الأساسية حملت دلالات أكثر تشعباً. هناك اختلطت الدوافع والأسباب والمقتضيات. فبينها ما هو سوري بحت، يرتبط بأمن «نظام الدولة في سوريا»، وبينها ما هو إقليمي، وخصوصاً بدءاً من النصف الثاني من الثمانينيات، مع الصراع السوري الفلسطيني، وانتقاله بين عامي 1984 و1987، إلى الشمال وعاصمته. ومنها ما هو دولي أوسع، يرتبط بالدور السوري المتطوع، لجهة ضبط الحركات الأصولية، وادعاء مكافحتها في لبنان وسوريا. ففي ضوء هذه العوامل، كانت تقرأ جغرافيا الانتشار السوري في شمال لبنان في العقود الثلاثة الماضية، ويفهم بالضبط لماذا كان مركز «الهيكلية» في الكورة، مقراً ثابتاً طوال 30 عاماً، على كتف «طرابلس الشام»، لكن أيضاً طرابلس الحركات السلفية، وطرابلس ياسر عرفات الخارج من بيروت بعد 1982. بعد 3 أعوام ونيف على جلاء الجيش السوري، تبدو كل العوامل الخارجية، «كيسنجرية» الطابع. وبدأت ظاهرة الأغراب المسلحين، بين طرابلس وصيدا، تعيد طابع مبررات الهيكلية والرميلة.
رؤيوية كانت مقولة «إلى اللقاء سوريا»، في 14 آذار، يوم كان ممثل جعجع عاجزاً عن لفظ مفردة سوريا، وميشال عون ممنوعاً من الكلام. ويوم كان دعاة اللقاء، هم أصحاب الأرض والقواعد، في صيدا وطرابلس.





