الأمم المتحدة تقلّل من أهميّة الحشود ودمشق لم تحطها علماً بها

نقولا ناصيف
شأن باريس وواشنطن، قلّلت الأمم المتحدة من أهمية الحشود السورية وراء الحدود مع لبنان، وعدّت نفسها غير معنية بالتعليق عليها ولا الخوض في السجال الذي أثارته. كانت قد تجمّعت لديها معطيات بعضها متضارب عمّا يجري وراء الحدود اللبنانية ـــــ السورية واستطلعت، وقصرت موقفها على ما أدلى به الأمين العام بان كي مون في 7 تشرين الأول بدعوته دمشق إلى التوقف عن اتخاذ إجراءات أحادية في علاقاتها بلبنان.
وبحسب دبلوماسيين أوروبيين مطلعين على موقف المنظمة الدولية، تنظر هذه إلى الحشود تبعاً للتقويم الآتي:
1 ـــــ إن تطبيق القرار 1701 غير قابل للتفاوض، وتتابع الأمم المتحدة تنفيذه مع لبنان وإسرائيل وسوريا. وعلى نقيض إعلامها الجيش اللبناني سلفاً بنشر جنودها وراء حدودها، لم تبلغ دمشق الأمم المتحدة بالخطوة. وهي، وفق ما يذكره الدبلوماسيون الأوروبيون، ليست ملزمة ذلك لأسباب تتصل بالإجراءات نفسها التي تقع داخل الأراضي السورية، ما يحتّم احترام سيادة الدولة السورية على أراضيها التي لا تدخل هي الأخرى في نطاق أي من صلاحيات الأمم المتحدة.
2 ـــــ خلافاً للسجال الذي تلى الإعلان عن الحشود في 22 أيلول الفائت، ترى الأمم المتحدة أنه صار إلى تضخيمها، وأن عدد الجنود السوريين ليس آلافاً بل بضع مئات. بعض المعلومات استقتها من الجيش اللبناني وتقديرات ضباطه التي انطوت على تفاوت كبير. بعضهم تحدّث عن 300 عسكري، وآخرون قالوا 10 آلاف. لكن هذا الفرق طرح أسئلة حيال ما كان يحصل وراء الحدود، وخاصة أن تفاوت الأرقام قاد إلى استنتاجات راوحت بين تحديد مهمة الحشود بمنع التهريب وقائل بأنها تمهّد لتدخّل سوري في الأراضي اللبنانية.
وبحسب استطلاع الأمم المتحدة، كان في وسع الجيش اللبناني رؤية الحشود وراء الحدود دون التيقن من أعدادها والعمق الذي تنتشر فيه والعتاد الذي تتزوّده.
3 ـــــ أياً تكن أعداد الحشود بين حدّ أدنى وآخر أقصى، فما بدا للمنظمة الدولية منها بحسب ما برّرته سوريا، هو إجراءات رمت إلى وقف أعمال التهريب. سرعان ما استقصى مسؤولون دوليون من مسؤولين لبنانيين معنيين قالوا لهم إن أعمال التهريب خفّت مذ بدأت الإجراءات العسكرية السورية. الأمر الذي ينسجم وأحكام القرار 1701.
4 ـــــ تقع الإجراءات هذه في سياق ما حضّ عليه الفريق الدولي المستقل لتقويم الحدود اللبنانية ـــــ السورية في تقريري 2007 و2008، وهو إدارة كفيّة لحدود البلدين لوقف تهريب السلاح في ضوء فجوات ونواقص تحدّث عنها خصوصاً التقرير الثاني. ورغم تفهّم هذا الفريق ردود فعل سلبية لبعض المسؤولين اللبنانيين وانتقادهم ما أورده التقرير الثاني عن استمرار وجود ثغر تفضي إلى تهريب للسلاح، يرى أن التقرير كان عادلاً في ما عبّر عنه، وفي ما لمسه الخبراء أعضاء الفريق من اتصالات أجروها بسياسيين لبنانيين. بيد أن ذلك لا ينفي كون الفريق الذي حضر إلى لبنان قبل أسبوعين وجال على الحدود الشمالية والشرقية خلص إلى توصيات شاملة. وهو إذ وجد مبرّرات عدم تنفيذ توصيات التقرير الأول إبان الأزمة اللبنانية العاصفة بين طرفي النزاع الداخلي وشلل المؤسسات الدستورية وعجز الحكومة اللبنانية السابقة عن القيام بأي مبادرة، لاحظ أن الخطوة الوحيدة التي تحققت في المدة الفاصلة بين التقريرين الأول والثاني ليست سوى مشروع مراقبة الحدود الشمالية من خلال القوة المشتركة. مع ذلك استرجع تقرير 2008 التوصيات نفسها تقريباً التي قال بها تقرير 2007، داعياً السلطة اللبنانية إلى وضع استراتيجيا شاملة لإدارة حدودها مع سوريا. الأمر الذي يتطابق مع وجهة نظر الأمين العام القائلة بأن على كل من لبنان وسوريا، معاً، اتخاذ إجراءات متبادلة تمثّل تنسيقاً جدّياً لمراقبة حدودهما منعاً للتهريب. كان المسؤولون الدوليون قد تبلغوا في أوقات متفاوتة من الأجهزة الأمنية اللبنانية أن اتخاذ بعض التدابير من الحساسية بمكان، ما يوجب توفير غطاء سياسي لها ولا سيما عند الحدود الشرقية مع سوريا سواء بسبب وجود معسكرات فلسطينية أو مراكز لحزب الله. ومع أن الجانب السوري من الحدود لا يدخل في نطاق مهمة الفريق الدولي، ولم يزرها مرة، ولا اجتمع بمسؤولين سوريين، فإن المعلومات التي حصل عليها من ضباط لبنانيين في المراكز الحدودية بقاعاً وشمالاً بيّنت عدم وجود اتصال وتنسيق مباشر مع نظرائهم، وإن هذه المهمة تقتصر على اللجنة العسكرية بين البلدين التي كما لاحظ الفريق الدولي لا تعمل على نحو مرضٍ.
5 ـــــ رغم إعلان سوريا مرتين على التوالي، في البيان الصادر في بيروت، عن فحوى المكالمة الهاتفية بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد ثم في ما أعلنه مصدر رسمي سوري، وقد أدرجا الحشود في مندرجات القرار 1701، لا تنظر الأمم المتحدة، وفق ما يقول الدبلوماسيون الأوروبيون، إلى سوريا على أنها شريك في تنفيذ القرار 1701 مثلها مثل لبنان وإسرائيل اللذين يلتزمان حياله مسؤوليات محدّدة، بل ترى أن لكل دولة مسؤولية حيال تنفيذ القرارات الدولية، ومنها القرار 1701. وذكر هؤلاء أن الأمين العام كان في الأسابيع الأخيرة على اتصال هاتفي بالرئيس السوري وتحدّث معه في موضوع العلاقات اللبنانية ـــــ السورية والقرارات المتصلة به، ولكنه لم يتناول القرار 1701، مكتفياً بتشجيعه، بعد سليمان، على تحسين علاقات البلدين وإرساء التبادل الدبلوماسي وترسيم الحدود من خلال إجراءات ثنائية متبادلة، دون أن يخوض في التفاصيل.


عدد السبت ١١ تشرين أول ٢٠٠٨