مجلس النوّاب يترك الآثار اللبنانيّة في مهبّ الضياع

داخل المتحف الوطني (أرشيف ــ بلال جاويش)داخل المتحف الوطني (أرشيف ــ بلال جاويش)
يثير مشروع هيكليّة وزارة الثقافة الذي أقرّه المجلس النيابي الأربعاء الفائت أسئلة كثيرة، ولا سيّما بشأن ما يتعلّق بالتغييرات التي طالت الشؤون المتعلّقة بالآثار

جوان فرشخ بجالي
بلبلة واسعة ونقاش حاد دارا في جلسة مجلس النواب يوم الأربعاء الفائت لدى التصويت على مشاريع القوانين المتعلقة بوزارة الثقافة. تركّز الجدال على هيكلية المشاريع، وخاصة تلك المتعلقة بالمديرية العامة للآثار، وإدارة المتاحف، وتصنيف الممتلكات الثقافية... فالقانون الجديد يقسم المديرية العامة ثلاث مديريات (الجدول الرقم 1): مديرية المنشآت الأثرية والتراث المبني، مديرية الممتلكات الأثرية المنقولة، ومديرية الحفريات الأثرية. ويستقلّ المتحف الوطني للآثار عن الدائرة ليصبح ضمن «الهيئة العامة للمتاحف» (الباب الخامس) التي تحوي تحت مظلتها جميع المتاحف «الخاصة والعامة» والتي «تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي وتخضع لوصاية الوزير» (المادة 32). وفي صياغة القانون بعض النقاط المثيرة للتساؤل، إذ ينص القانون مثلاً على أن من واجبات الهيئة (المادة الـ33 الفقرة ب) الحفاظ على «الممتلكات الثقافية وصيانتها، وتأهيلها، وإعارتها، واستعارتها، وتأجيرها، وتبادلها، والتنازل عنها بناءً على القوانين والأنظمة المرعية».

التنازل عن ممتلكات ثقافيّة

ماذا يعني التنازل عن ممتلكات ثقافية تملكها الدولة اللبنانية وهي في عهدة «الهيئة العامة للمتاحف»؟ هل يعني أنه، بناءً على القوانين المرعية، يحق لرئيس الجمهوية، مثلاً، أو وزير الثقافة تقديم قطع أثرية كهبات (من مبدأ التنازل لدولة أخرى) إلى بعض الزوار المهمين بغية إكرامهم؟ فتبدأ حينها المزايدات تصاعدياً، من لوحة إلى أزياء تقليدية إلى قطع أثرية؟... ويبقى سؤال: لماذا يصاغ في لبنان مشروع قانون في القرن الـ21 لإقرار مبدأ «التنازل» عن قطع، مع العلم أن كل متاحف العالم يقاضي بعضها بعضاً لاستعادة قطع مسروقة حديثاً أو قديماً؟
هنا يؤكد المدير العام للآثار، فريديك الحسيني، أن القطع الأثرية لن «تدخل في سياق التنازل، لكن المعني بذلك هي القطع الفنية». ولكن من الضروري أن يحدد ذلك بالقانون الجديد منعاً لكل التباس.

تعزيز المتاحف الخاصّة

كذلك من واجبات الهيئة العامة للمتاحف، وفقاً للقانون الجديد (المادة الـ33 – الفقرة د)، «تعزيز إنشاء المتاحف العامة والخاصة في مناطق لبنان ودعم المبادرات الآيلة إلى إنشاء مثل هذه المتاحف»، ما يعني أن كل محترفي جمع القطع الأثرية في لبنان، الذين لم يتأخر بعضهم عن هدم مواقع أثرية للحصول على قطع منها، سيحوّلون مجموعاتهم إلى متاحف، تعنى الدولة بها وتقدّم لها المساعدة
والدعم!
ويبقى أكثر ما يثير التساؤل في هذا القانون هو فصل المتحف الوطني للآثار عن المديرية العامة للآثار. ويقول الدكتور حسان سلامة سركيس، الأستاذ في الجامعة اللبنانية وصاحب العديد من الدراسات في الآثار ضمنها قوانين، إن «مشكلة القانون الجديد هي أنه ترجمة للقانون الفرنسي الذي تمتلك الدولة بموجبه آثاراً وقطعاً فنية ليست بوطنية بل عالمية. كما أنّ تجمّع المتاحف الفرنسية (Réunion des Musées Nationaux) يستثني من قوانينه متحفين أساسيين لتاريخ فرنسا الوطني هما متحف «سان جرمان إن لي» ومتحف «القرون الوسطى». فالمتحفان يصوران بقطعهما تاريخ فرنسا عبر العصور، ويحتويان على قطع مكتشفة داخل فرنسا، ما يميزهما عن باقي المتاحف التي قد تشتري قطعاً أو تبيع أخرى...
أمّا القانون اللبناني، فالخطير فيه أنّه لا يستثني المتحف الوطني من الهيئة العامة للمتاحف، والمتحف لا يحوي في مجموعته إلا آثاراً وطنية، أي إن مصدر القطع المعروضة هي الحفريات التي تقام على أرض الوطن».
ويتساءل سركيس عن كيفية القيام بالجردة الأثرية والقطع في تصرف إدارة... وهي ملك إدارة أخرى؟ ومن سيحاسب إن ضاعت قطع؟ بالإضافة إلى استحالة القيام بالدراسات العلمية الواسعة لتلك المجموعات المقسمة على إدارات عديدة».
ويلخّص سركيس ملاحظاته على القانون الجديد بالقول «إنّ القانون يكرس رؤية الدولة للآثار كما كانت في ستينيات القرن الماضي. فهي مجموعة من القطع الجميلة التي تعرض في المتاحف ومجموعة مواقع أثرية يعنى بها لاستقطاب الزائرين. غير أن مبدأ الآثار والتراث كعلم تصان فيه وعبره الهوية والوطنية، هو مبدأ غير مطروح».

عرقلة العمل أم تسهيله؟

تجدر الإشارة إلى أن القانون الفرنسي يعتبر كل متحف مسؤولاً عن القطع التي في حوزته، من المعروضة في صالاته إلى المخبأة في مستودعاته. أما في لبنان، فالمتحف هو «صالة عرض» للقطع فقط لا غير. فالتحف المعروضة هي ملك «مديرية الممتلكات المنقولة». أي إن هناك إدارتين للقطع ذاتها. ألن يزيد ذلك من العمل الإداري ويؤخر المعاملات بدلاً من أن يسرعها، كما يرى بعض العاملين في هذا القطاع؟
المدير العام للآثار لا يوافق على هذا التوصيف، إذ يؤكد أن «هذا التقسيم لن يغير مجريات الحياة في المديرية، فالقطع هي في عهدة الممتلكات المنقولة، وما سيتغير هو أن الهيئة العامة للمتاحف (المؤتمنة على عرض هذه القطع) ستصبح مرنة في التحرك وتتمتع باستقلالية في استقبال الهبات والتصرف بالأموال (إذ سيصبح لها رصيد في أحد البنوك (المادة الـ16 ـــــ الباب 2) وتستغل الفائض من سنة إلى أخرى (المادة الـ16 الباب 3). وهذا سيعطي العاملين حرية في التحرك تساعدهم ـــــ من حيث المبدأ ـــــ في تنظيم معارض باستمرار وخلق ديناميكية إيجابية لاستقطاب عدد أكبر من الزوار».
معروف أن هذه الإجراءات غالباً ما تحصل في المراكز الخاصة، والشركات أو المؤسسات غير الحكومية. أما أن يكون في دوائر الدولة حساب في قطاع مصرفي خاص يستفيدون من فوائده، فذلك حديث العهد. وأما المساهمات فيحددها القانون «بأنه يمكن الحصول عليها من مصادر تمويل وطنية أو إقليمية أو دولية خاصة أو عامة من أجل تنفيذ البرامج العادية». بمعنى آخر: بما أن الدولة لن تغير سياستها حيال «قطاع» الثقافة الذي اعتبرته كل الحكومات المتعاقبة منذ 1992 بمثابة «ترف» لا يمكن النظر في حساسياته، صيغ القانون ليعطي الإدارات الرسمية بعضاً من هيكليات المؤسسات غير الحكومية وبعضاً من المؤسسات الخاصة على أمل أن يعطي ذلك الدعم والديناميكية الضرورية لهذه المؤسسة. أما عن إمكان حصول الإهدار والاختلاس والفساد، فتلك تبقى من مسؤوليات مكاتب التدقيق والمحاسبة التي سيحددها مجلس إدارة المؤسسة، بموافقة الوزير. كذلك فإن «ديوان المحاسبة المؤخرة» سيعيد النظر في هذه الحسابات...

الحفريات الأثريّة

مشروع القانون الذي أقر في مجلس النواب يرتكز في تقسيمه لهيكلية المديرية العامة للآثار على قانون 1933، ويحول الأقسام فيها إلى مديريات يترأسها موظف من الفئة الثانية.
يحدد الجدول المرفق الرقم 2 شروط التعيين: «فمدير الحفريات يجب أن يكون حائزاً شهادة الدبلوم في الآثار، وأن يكون قد شارك في خمس حفريات وله خبرة ثلاثة أعوام في المجال المطلوب». بمعنى آخر: قد يعين مدير عام للحفريات، أي طالب آثار أنجز دراسته وعمل في الحقل قليلاً، وتدعمه وساطة سياسية عالية تسمح له بدخول المؤسسة من بابها الواسع. «الخبرة» المطلوبة لهذا المنصب ستحوّل شاغله إلى مهزلة أمام مديري البعثات الأجنبية، الذين لا تقل درجاتهم العلمية عادة عن مرتبة بروفسور، وستضع مستقبل الآثار في لبنان على المحك. فورشة البناء التي تجتاح المدن التاريخية من بيروت إلى صيدا وصور وطرابلس تحول لبنان إلى مجموعة حفريات إنقاذ لا يستطيع أن يديرها إلا أصحاب الخبرات العالية، وحملة الشهادات الجامعية التي توازي على الأقل شهادات زملائهم في المنطقة. مديرو الحفريات في سوريا والأردن والعراق من حملة شهادة الدكتوراه... فضلاً عن مديري الحفريات في إسرائيل. وكان الأمل أن يطلب لشغل هذا المنصب من يمتلك لغات أجنبية عدة ومهنية عالية وروحاً أكاديمية، فهو يمثل لبنان في المؤتمرات العالمية. ويبرر الحسيني «تحديد شروط التعيين بصعوبة ترغيب علماء الآثار في لبنان بالعمل في المديرية لكون المُرتب الشهري متدنياً، حتى إن بعض الموظفين لا يتأخرون في مغادرة منصبهم إذا توافرت لهم، مثلاً، وظائف حتى في... الجامعة اللبنانية».
مشكلة... ولكن الإذعان لهذا الواقع لخفض شروط التعيين إلى هذا المستوى هو أسوأ من بقاء الوظائف شاغرة. فهذه ليست مراكز بيروقراطية عادية، بل هي مفاتيح خطيرة تتحكّم في أحد أعرق وأبرز وجوه البلاد وسمعتها التاريخية.

ثلاث لوائح

لائحة الجردة العامة التي أقرها قانون الآثار الذي يعود إلى 1932 أبدلت بثلاث لوائح: لائحة الجردة العامة للآثار، لائحة الممتلكات الثقافية المعترف بها، ولائحة الممتلكات الثقافية المصنفة. ثلاث لوائح لغرض واحد. وكانت الدولة تحاول قدر المستطاع عدم إدراج الأبنية التاريخية أو غيرها من المنشآت المهمة على لائحة الجردة العامة لتفادي الدخول في مسؤولياتها والمساهمة في ترميماتها... فكيف سيكون التصنيف على ثلاث لوائح؟ فضلاً عن مسألة التعريف بالممتلكات الثقافية. فهي طبعاً تلك التي صنعت أو اكتشفت في لبنان خلال واحدة من الفترات التاريخية، وتلك التي «توجد على الأراضي اللبنانية بموجب تبادل طوعي غير مؤقت، أو هبة أو عملية شراء وما شابه...»، أي إنه ضمن الممتلكات الثقافية في لبنان ستُدرج لاحقاً مجموعات تحفية يملكها بعض الأفراد وتعود إلى حضارات بعيدة مثل حضارات الشرق الأقصى أو أميركا الماقبل كولومبس. وستدخل هذه التحف ضمن الإرث الوطني، كما هي الحال في الدول الغنية التي تسمح بتجارة الآثار، وغالباً ما تحوي مجموعاتها تحفاً لبنانية ترفض أن تعيدها إلينا. فمن الغريب أن يسمح قانون دولة نهبت آثارها بأن تصنف ممتلكات ثقافية آثار دول أخرى.
تجدر الإشارة إلى أن القانون يلحظ وظائف جديدة، فهل ستسمح رئاسة مجلس الوزراء لوزارة الثقافة بالتوظيف لملء المناصب المطلوبة؟ فالمديرية العامة للآثار تعاني نقصاً في الموظفين، والملفات تتراكم على مكاتب مسؤولي المناطق، وبعض الذين كانوا قد التحقوا بالمديرية أخيراً قدموا استقالتهم بعدما «قتلهم» الروتين. مركز الآثار البحرية، مثلاً، لم يرَ النور. والسؤال: كيف ستكون الديناميكية في إدارة مقسمة ثلاث دوائر؟ ماذا سيحدث في تلك المكاتب خلال الأشهر المقبلة، وكيف ستتغير حياة الموظفين ومعهم معاملات المواطنين ومصير آثار الأمة؟ أسئلة تبقى الإجابة عنها رهناً بالتفاعل مع القانون الجديد الذي يبقى الأمل بأن يصار إلى تصحيح تناقضاته في الأيام المقبلة.



مشاريع القوانين

ثلاثة مشاريع قوانين أقرها مجلس النواب، وهي المرسوم 7424 المتعلق بالممتلكات الثقافية، والمرسوم 7425 المتعلق بالمؤسسات العامة المرتبطة بوزارة الثقافة، والمرسوم 7426 الرامي إلى تنظيم وزارة الثقافة. مشاريع القوانين هذه وضعها فريق عمل عام 2001 بناءً على طلب من الوزير حينها غسان سلامة. وتجدر الإشارة إلى أن مديرية الآثار كانت تسير على قانون صيغ لها عام 1933 ويبقى ساري المفعول (مع التعديلات) حتى يومنا هذا.

لا طعن

يؤكد النائب عباس هاشم أن كتلة نواب التغيير والإصلاح التي قدمت اعتراضات عدة على مشروع القانون، لن تقدم أي طعن به: «لقد توصلنا إلى اتفاق مع الوزير تمام سلام يقضي بأن يجتمع فريق من التيار الوطني الحر بخبراء من الوزارة ويعملوا معاً لإعادة صياغة بعض البنود وتعديلها لإزالة التناقضات».

تعديل بعض البنود عند الحاجة

يقول المدير العام للآثار فريديك الحسيني إنّه «منذ سبعة أعوام والقانون يدور في الوزارات من لجنة إلى أخرى». أمّا الهدف من إقراره فهو «إعطاء المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة صلاحيات تسمح لها بالتحرك. والآن ستبدأ صياغة المراسيم التطبيقية التي ستدرس إمكان تطبيق هذا القانون، بعدها ستتم الممارسة وسنرى الصعاب، وعند الحاجة ستعدّل بعض البنود».


عدد السبت ١١ تشرين أول ٢٠٠٨