مجتمع

يجلس الشاب وفتاته على حرف الجرف. يجلسان ويتأملان بصمت، من دون كلمة. صمت الفلاة أفضل الأصوات حين يريد قلبان أن يتناجيا. يجلسان تحت قلعة الشقيف، وتحت أقدامهما يمتد سهل الجرمق المحرر. يطأن الهواء بأقدامهما الحرة، ولو شاءا لوطئا الأرض نفسها، فهي عادت إلينا، ولهما. لكنهما الآن يكتفيان بأرجحة أرجلهما في الهواء الطلق، والتنهد. (حسن بحسون)

يخرج الرجل في الصباح من المخيم بكامل أناقته. ما يلبسه لا يدل على أنه سيبقى في المخيّم. لا أحد يحتاج هنا لهندام كهذا. قد تسدّد «الضربة» إلى أناقتك من أي جهة قبل أن تصل إلى السيارة: من الجو، مطراً يسقط على الأسلاك.. الكهربائية المتشابكة، أو من الأرض حين تطوف المجاري محوّلة المخيّم الى نسخة مأساوية من مدينة البندقية. يخرج الرجل كأيّ مواطن صباحاً، مصطحباً طفله الى المدرسة. يخرج مطأطئ الرأس. هو لا يقصد أن لا ينظر الى فوق. هو فقط يريد أن يرى موطئ قدميه. في المخيم، يجب أن تتفرس جيداً أين تضع قدميك. (مروان طحطح)

أمس كان تدريب. ليس هذا المشهد من أحد مخيمات تدريب العسكر، بل من مدرسة للراهبات، ارتأت أن تقوم باستعراض «عملاني» للطلاب. بعد المشاهدة، كان على طلاب لم يصلوا بعد إلى سن الاقتراع أن يقتدوا بالعسكر وياكلوا الحية... حية. أنشدوا معنا: كلنا للوطن
(عمر حبيب)

تدفع السيدة عربة طفلها في منطقة الجمّيزة. أمس نامت ونام طفلها ملء جفونه. أما اليوم، الجمعة المنتظر أسبوعياً، فيحلّ المساء على قلوب واجفة. ففي مثل هذا اليوم من كل أسبوع، الجميزة لا تنام. أما غداً السبت، فمن المؤكد أن أحداً لا ينام. تسهر الجميزة كل «ويك إند» بباراتها التي لا تعد ولا تحصى. لكن نصف الساهرين، سكان المنطقة، لم يأخذ أحد رأيهم إن كانوا يحبون السهر. (هيثم الموسوي)

يركض هذا الصّبيّ في سوق النّجّارين في صيدا. لا تستوقفه رائحة الخشب الزكية التي تفوح من السوق الجميلة، كما تفعل بالكبار، ممن لديهم الوقت للتوقف وتغذية الحواسّ. يركض، لعلّه يكبر أسرع. (خالد الغربي)

يُدير بائع البندورة المتجول ظهره لعربته، ناظراً إلى عاملي شركة الإعلانات، المُعتَليين سلميهما لنزع الإعلان القديم ووضع الجديد. ماذا سيُلصقان اليوم يا ترى؟ صورة هيفاء في آخر «أعمالها»، أم دعاية لمسحوق غسيل؟ يبدو بائع البندورة متفائلاً بما سيُشبع فضوله. وفي النهاية، قد تكون هذه «الشغلة»، أي لصق الإعلانات ونزعها، «بتجيب همها» أكثر من بيع البندورة! سيسألهما الآن عن ذلك. (بلال جاويش)

تقف هذه السيدة في الشارع كشخص أثقلته الهموم فجأة، فاحتاج إلى أن يسند نفسه لئلا يقع. ومع أن المكان الذي وقفت فيه في شارع الحمرا يعج بالمقاهي، فإنها لم تجد أفضل من هذا العمود الخشبي، سنداً لوقفتها. تشعل سيجارة، تمج منها مرّة ثم اثنتين، وهي تنظر الى الرسم السوريالي على الحائط. تنفث دخانها وهي ما زالت تتأمل: من رسم هذا الشيء؟ هل نقطن معاً مدينة واحدة؟ تكاد تقول. (بلال جاويش)

إنها متعة اكتشاف الأشياء من مواقع أخرى، تلك التي رسمت على وجه هذه الطالبة ابتسامتها. لا شيء يعادل متعة اللعب، إلا متعة التواصل. وفنون التواصل كانت هدف هذا الدرس الذي وقفت فيه الفتاة تنظر من خلف ستائر مسرح مدرسة مؤسسة الهادي للإعاقة السمعية والبصرية، إلى بقية الرفاق الجالسين في القاعة. تواصلٌ، وصلتنا تباشيره الأولى، ابتسامة كلها لهو وشيطنة. (بلال جاويش)

أبت شجرة الكينا هذه ان تقلع من جذورها من دون ان تدافع عن نفسها. هكذا، إنتقمت من صاحب ورشة في كليمنصو، قام عماله بقلعها من اجل حفر اسس البناية التي يريدون بناءها هناك، بوقوعها بكامل ثقلها على سيارة مواطن، ارتأى ان يصفها "تحت الشجر" من اجل الفيء، فإذ بها "تفعص" تماما تحت الشجرة، ما اجبر صاحب الورشة على الوعد بالتعويض. بإمكان الشجرة القتيلة ان تقول انها لم تذهب رخيصة. (هيثم الموسوي)

لسبب ما، تستحضر هذه الجملة الإعلانية على جدران العاصمة ما كان ينادي به باعة القرى الجوالون «معانا صحون معانا شراشف معانا قطنيات». فهل يعلن الشعراء بهذه الطريقة عن «بضاعتهم»؟ وفي النهاية لمَ لا؟ ما دام سوق الأغنية اليوم «اللي ما يشتري فيه يتفرج»، على رأي الإخوة المصريين. لا بل إن تمزيق الإعلان من جهة الرقم يدل على أن الزبائن كثر..تمهّلوا، ستسمعونهم قريباً في الإذاعات، إن لم تديروا زر تشغيل الراديو في الاتجاه الصحيح. (بلال جاويش)

متصفحو «الأخبار» على الإنترنت سيحظون بمتعة إضافية في تأمل ألوان هذه الصورة. الأخضر الغضّ يحتضن هذا المنزل القديم، كما يحيط بوردة، خلفه ينساب أخضر باهت يلوّن حيطان المنزل الخارجية، فيما يخاطب أحمر القرميد أحمر الورود التي تتخلل أخضر النباتات المتسلقة. هذا المنزل في المصيطبة، منزل د. قيصر البتلوني، لم يعد موجوداً. المساحة التي قام عليها لعشرات السنين أصبحت مرأباً للسيارات. لذا ننشر صورته هنا لنحتفظ بها خوفاً من خذلان الذاكرة. (بلال جاويش)

تنحني عازفة الأكورديون الروسية، كلافديا طارابريتا، على آلتها، تعصرها فتسيل الأنغام غريبة الوقع على آذان أهل النبطية. تعود الآلة المتضائلة بالضغط، واسمها الببان في روسيا، لتنفش ريشها بعدما عبت من هواء المكان ملء رئتيها. شهيق وزفير طوال الحفل الذي «حضره» إلى العظيم تشايكوفسكي كل من بياتسولا وسيميونوف وماكونين وزولوتاريف. أما كلافديا التي كانت عيناها الزرقاوان تهيمان مع أنغام آلتها، فقد كانتا تستفيقان ما إن يعصف التصفيق بأكفّ الحاضرين. كان ذلك أمس على مسرح المدرسة الإنجيلية الوطنية في النبطية. (كامل جابر)

على الطريق العام بين صيدا وصور، يتكوكب يومياً عشرات العابرين أمام طابونة أم علي أبو خليل. يقفون، ورائحة الخبز الطازج تدغدغ أنوفهم، مترقبين دورهم بصبر لشراء منقوشة تسند خابية نهارهم ببحصة طعمها الدافئ الذي لا يكلف إلا القليل. يُمعن الحطب في تأجيج الطابونة الطينية، فيشتعل ولع العابرين. أما أم علي، فتتحدى «مناقيش آخر زمن» الخارجة من دون نَفَس من الأفران الحديثة (خالد الغربي)

اعتمر سمير القنطار كوفيته العربية، وجلس بين قومه من عشائر عرب خلدة، يتناول منسفاً أُعدّ خصيصاً لاستقباله في دارة الشيخ خضر الضاهر، حيث حضرت السياسة بوجود ممثلين عن حزب الله. وبالطبع، كان هناك ضحايا لهذه المصالحة الضمنية بعد أحداث أيار الماضي، تمثلت في عشرات الخراف «الراقدة»، مبعثرة فوق المناسف البادية في الصورة.

يقف أحمد، وهو عامل سوري، في مشتل في البيسارية حائراً بين الزهور. ماذا ينتخب منها؟ الأمر محيّر. في الخارج تنتظره سيارة الزبون الذي طلب «دزينتين مشكّل». يقف أحمد ويقطف من «زهوره» التي اعتنى بها طوال الموسم، من أجل غريب عابر. ثمن الورد لصاحب المشتل حكمت حسين الجواد. أما أحمد، فله غناء «شوف الزهور وإتعلم» وأجره القليل. (كامل جابر)

لا يزال القطار متوقفاً في محطته هذه في منطقة الميناء بطرابلس منذ ما يزيد على أربعين عاماً. تقاعد القطار، قبل أن تنتفي الحاجة إليه، لا بل هي ازدادت. تخيّلوا أنفسكم في قطار يعبر الخط الساحلي القديم منطلقاً من صور الى صيدا مروراً ببيروت، ليستأنف طريقه الى الشمال. لا زحمة سير، لا حرق أعصاب، لا انتظار. لمَ توقف العمل بسكة الحديد؟ لا بد أنه قطار الشرق للتخلف السريع. (بلال جاويش)

في توقيتها الشتوي، تعمل المدينة الى ما بعد حلول المساء. وفي الليل يحلو تخيّل حكايات أشخاص لا نعرفهم، حتى ولو كانوا يمرون خطفاً أمام نوافذ مكاتبهم في هذا المبنى التجاري. تسرح لدقائق وتتخيّل ماذا يفعلون. واحدة منهم تنظر الى الساعة وتقترب من الشباك. تنظر الى المطر المنهمر غزيراً على المدينة المعتمة والمبلولة. تطلع في البال أغنية: شبابيك. الدنيا كلها شبابيك. هكذا قال محمد منير. (هيثم الموسوي)

لم يعد الفلاح حسين ضاهر يهتم لانخفاض سعر المحروقات أو ارتفاعه. فها هو قد نظم نفسه على أساس المقاومة لفترات طويلة. هكذا، وبدلاً من أن يحدّد نطاق عمل الحصان بجر المحراث وقلب أرض الحقول بسكته، طلع على الزفت وكرج بعدما ربط عربة ركوب اخترعها بالحصان أيضاً. هكذا لن يخاف من كلفة إضافية تتجاوز كمشة علف، إلا إذا نطق الحصان وطالب ببدل ساعات إضافية. (كامل جابر)

تعج طرقاتنا بإعلانات يبدو فيها الرجال وسيمين، فيما تعج الشوارع برجال وشبان.. لنقل أقل وسامة. صورة الرجل الجميل اليوم غربية بامتياز. وآخر عربي يضرب المثال بوسامته كان عمر الشريف. أما الوسيم في الصورة ذات المظهر الشرقي فليس إلا، كما تعلمون، جوني ديب. (هيثم الموسوي)

جلس أبو العبد شناعة، وهو فلسطيني من صيدا، على رصيف البحر يؤركل. وبما أن «الأركلة» بحاجة الى مزاج، فإن مزاج أبو العبد بدا من حديد في مجلسه ذاك بالقرب من جبل النفايات البادي في الصورة، والذي تملأ روائحه الهواء. «يا جبل ما يهزّك ريح» يكاد يقول.. حرفياً، وبلهجة التضرّع. فلو هزّت الريح جبل النفايات، لغرق أبو العبد في «شناعة» خياراته، لا سمح الله. (خالد الغربي)

وجدت إدارة الجامعة اليسوعية الحل الأمثل لتنفيس احتقان الأجواء الانتخابية الطلابية التي «استعرت» فيها طوال يوم أمس، حيث استقدمت لعبة «قفز البانجي» الشهيرة ونصبتها في حرم الجامعة، ليرتفع الطلاب ويهبطوا مراراً بانتظار النتيجة النهائية التي ستحدّد مستوى «تحليق» كل من المتنافسين (بلال جاويش)

بدأ موسم أحمد حميّة منذ برهة. فالرجل الذي يشحّل الشجر في بلدته طاريا بالبقاع، يتنازعه أصحاب البساتين هذه الأيام قبل انتهاء موسم التشحيل، الذي يبدأ بعد القطاف، حين تتخفف الشجرة من ثمارها، وقبل تساقط الثلوج التي قد يثقل تراكمها الأغصان فتتكسر إذا لم يجر تفريغ الشجرة من غصيناتها الصغيرة. عائدات الموسم جزيلة للرجل الذي يبلغ أجره 35 ألف ليرة بالساعة، وعلى الشجرة التي لها في التشحيل حياة أخرى. (رامح حمية)

«إنتو براغي قلبي.. إذا وقع واحد بيفرط قلب أبو وديع»، بهذه الكلمات المفعمة بالعاطفة على طريقته، خاطب المطرب جورج وسوف جمهوره الذي استقبله امس في مطار بيروت عائداً من السويد التي قصدها للغناء ليجد نفسه وسط اتهام بحيازة مخدّرات، الأمر الذي برّئ منه كما قال أمس. عشرات المعجبين رفعوا صورة وسوف الذي يحظى بحنان فريد من جمهوره. أما عتب المطرب فقد كان على الإعلام الذي تبنّى «رواية» السويديين وكأنهم... «مفكرين حالهم بالسويد». [راجع ص 21] (هيثم الموسوي)

في أزقّة صيدا القديمة تجتمع عشرات القططة الشاردة كل صباح على «بوفيه» الحاجة إزدهار شاكر. هكذا، ما إن تلمح القططة طيف المرأة الستينية أو حتى تشمّ رائحتها، حتى تمشي وراءها في موكب من المواء أشبه بتظاهرات الاحتفال بالقادة. أما الحاجة فقد بادلت القططة الشاردة محبتها، فانتقت لها أسماءً ترفعها من مستوى قططة الشوارع الى مستوى قططة البيوت. وفي الصورة الحاجة ازدهار و«جريس» و«دندن»، أما القطة السوداء فهي أم قويق ما غيرها. (خالد الغربي)

تغيّر الزمن الذي كان لبابور الكاز فيه مكانته في المنزل. لكن أحمد كيلو، الذي تخصّص في تصليحها، بقي عالقاً في زمنها. فالمهنة ما زالت تكسبه رزقاً صار الحصول عليه ضرباً من الحظ. يجلس أبو مروان في محله في سوق الكندرجية في صيدا القديمة، مستغرقاً في سكب نقاط قصديره الذائبة كالفضة، بعناية الصائغ. يصبر قليلاً ليجد أن القصدير لم يخنه، ها هي النحاسيات التحمت، أما بوابير الكاز؟ فما زال بعض من يقتنيها مصرّاً على إصلاحها. (خالد الغربي)

البهجة كانت عارمة في صور. جاء فلسطينيو المخيمات ليتسابقوا في ماراتون نظمته المنظمة الفلسطينية لحق العودة «ثابت»، بعنوان «لنركض معاً نحو فلسطين»، في الذكرى الـ 91 لوعد بلفور. انطلق المتسابقون بعزمِ مَن سيصل إلى القدس، وقد كتب كل متسابق اسم بلدة فلسطينية على قميصه. لكنهم أُجبروا على التوقف بعد 22 كلم في الناقورة. ربما كان هذا السباق هو الوحيد الذي وزعت جوائزه قبل الوصول إلى خط النهاية. (حسن بحسون)

في المدينة الصاخبة حتى بصباحها، وسط توتر الناس في زحام سياراتهم واستعدادهم للخناق في أي لحظة، فجأة، ينساب لحن شجي من ناي جوّال. تلتفت الأعناق للشاب الذي كان يمشي عازفاً، كإعلان عن بضاعته من النايات المشكوكة في جعبته. يبتسم الشارع فجأة للموسيقى، يقف البائعون والبائعات خارج محالهم مستطلعين. لحظة سلام تحل على الناس. على من تقرأ مزاميرك يا علي؟ يسأله أحدهم، فيجيب: على كل من له أذن لتسمع. (خالد الغربي)

كأنه لم يكن يكفي الطلاب الملتحقين بمجمع الحدث الجامعي، كل الطريق التي عليهم قطعها حتى الوصول إلى الجامعة «في آخر ما عمّر ربنا»، فقد ذكّرهم الشتاء الغزير بأن عليهم قطع مسافة إضافية بمئات الأمتار بين المدخل الرئيسي من جهة حي السلم والكليات، برؤوس مكشوفة للمطر. أمس ثاروا ووقّعوا عريضة يطالبون فيها بممر مسقوف (مروان بو حيدر)

انحنى رضوان شدّاد منذ أيام على جذوع دواليه، التي ربّاها كل شبر «بندر» في أرض قريته طاريّا في البقاع، وبدأ بتقطيعها وفي القلب غصّة. لم يعد الكرم يأتي بهمّه، فأسعار العنب كانت كارثة هذه السنة، والتي قبلها، والتي قبلها. قال رضوان أقلعها، أتدفّأ عليها هذا الشتاء، فأوفّر ثمن المحروقات. أما ماذا أزرع السنة المقبلة؟ فلديّ كل الشتاء لأفكر. (رامح حمية)

لكثرة ما تضرّع البقاعيون «الله يبعت الخير»، استجابت السماء و«كتّرت». فأمطرت البقاعيين بسيول غزيرة راوية عطش الأرض. لكننا لا نكون في لبنان إن لم تترافق النعمة مع نقمة. هذا ما حدث مع أهالي أحد أحياء بلدة طاريّا، حيث انهارت ليل أول من أمس، الطريق المؤدية من منازلهم إلى الشارع العام. هنا مواطنان يحاولان إرجاع سيارتهما إلى الخلف لئلّا تسقط في حفرة الطريق المنهارة (رامح حمية)






