الخوف السعودي من الثورات العربية


عبد الحليم قنديل
تبدو السياسة السعودية كأنها داخلة في حرب ضروس ضد زحف الثورات الشعبية العربية. والسبب مفهوم. فالحكم السعودي يخشى اقتراب النار من بيته، ومن حرق حكم العائلة، في بلد يمتاز عن كلّ دول العالم بأنّ اسمه مشتقّ من اسم عائلة تحكمه، وكأنّ كلّ السكان لا شيء يميّزهم، لا من جغرافيا ولا من تاريخ، إلا أن يكونوا رعايا ومن بقية أملاك العائلة التي تفرض عليهم اسمها، وتحتكر السلطة لأمرائها، وتأخذ نصف الثروة فوق البيعة. فزع العائلة السعودية من الثورات غريزيّ وتاريخي معاً، وكلّنا يتذكر ما جرى في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. فقد توالت وقتها موجات وانقلابات حركات الضباط الأحرار، وتحول بعضها إلى ثورات سياسية واجتماعية فوارة، وظهرت حركة القومية العربية مؤثرة على مسرح الحوادث، وبدا أن الحياة العربية تتغير على نحو عاصف كاسح، وأن المنطقة تخرج من معادلات القرون الوسطى الكسيحة، وتهدد الممالك التي وجدت سندها وحاميها في عواصم الاستعمار. وكانت الثورة المصرية في القلب مما يجري، وبدت أقواس حركتها للشام واليمن، ولحركات تحرير على حواف الخليج العربي. بدت أقواس حركة الثورة المصرية كأنها تحاصر مملكة العصور الوسطى في الرياض. ونشأت حركة الأمراء الأحرار من أبناء العائلة السعودية ذاتها، وبدت مملكة العائلة كأنها في مهب ريح، ولم تجد سنداً في بقاء بغير عون صريح من القوة الأميركية الحارسة لمصالحها البترولية، التي دعمت انقلاب السادات على اختيارات ثورة عبد الناصر بعد حرب 1973 وانطفاء شعلة الثورة العربية وانحسار دور مصر القيادي، وأفسحت الطريق لسيادة العصر السعودي الذي بدا ممهّداً ـــــ بطبع الركود فيه ـــــ لزحف العصر الإسرائيلي فالأميركي، إلى حدّ بدت معه جامعة الدول العربية مجرّد وكالة إضافية تابعة للخارجية الأميركية. في السياق نفسه، بدا التحوّل السعودي ظاهراً في صورة أنظمة الحكم، وساد الحكم بالحق العائلي مشرقاً ومغرباً، وتحوّلت الجمهوريات الناشئة إلى ملكيات، على ذات الطريقة السعودية؛ عائلة تحكم ومن حولها طائفة من مليارديرات المال المنهوب، ومن تحتها خازوق أمني متضخّم ومتورّم، وطوائف دروشة دينية وسياسية، تسبّح بحمد العرش، وتدير حملات مدفوعة الأجر السعودي لتحطيم ذاكرة الأمة، وتكفير الثورات، والتذكير بفضل خادم الحرمين، وفضل خليفة المسلمين الساكن في البيت الأبيض، الذي يذود بجيوشه وحاملات طائراته عن حياض الممالك، ويقصف الثائرين والمتمردين. بدا الحكم السعودي كأنه يريد أن يثأر لنفسه، على طريقة الإغراء بالولائم البدوية، وبمليارات فوق مليارات من فوائض البترول هذه المرة، تجتذب إليها طوائف من المتاجرين بالدين والسياسيين المترفين والإعلاميين الكتبة والكذبة. وتكوّنت إمبراطورية ضغط هائلة، جهدت في تجريب نفوذ قديم لدى جماعات الإخوان المسلمين، لكن القصة تعثرت كثيراً، واتجهت جماعات من الإخوان إلى معارضة نظم الحكم بالحق العائلي، فيما مالت جماعات أخرى إلى الالتحاق بخط المقاومة المسلحة للاستعمار الأميركي ـــــ الإسرائيلي، وخرج الذين دعمتهم العائلة السعودية في حرب أفغانستان عن طوعها، وتحولوا إلى عدو مشترك للأميركيين والعائلة السعودية معاً. كاد السحر ينقلب على الساحر، ويدفع الحكم السعودي إلى مزيد من الالتصاق بالحماية المباشرة للأميركيين، إضافة إلى الخوف من النفوذ الإيراني الراديكالي، وطرقه السالكة إلى دعم جماعات المقاومة الإسلامية على خط القتال في فلسطين وفي لبنان. ومثلما فوجئ الحماة الأميركيون بالثورات الشعبية العربية، وبعنفوانها واندفاعها الكاسح، ونجاحها المذهل في خلع عروش العائلات، مثلما فوجئ الأميركيون وأخذوا يضربون أخماساً بأسداس، فوجئت العائلة السعودية التي تكره كلمة الثورة بالخلقة، وتتخوف من دواعيها المهددة لحكم العروش والكروش. فالثورات هذه المرة أتت من حيث لا يتوقعون. لم تأت بانقلابات الضباط الأحرار، بل بحركة الناس الأحرار، وبنزح طوفاني من آبار غضب مختزنة، وبدواعي شعور عميق حارق بالمهانة، تدفقت معه الملايين الغاضبة إلى الشوارع، في ما بدا أنه حكم الأقدار الذي لن يذر عائلة تحكم بالغصب، حتى لو ظنت نفسها في بروج مشيدة، وفوق تلال من مليارات بل تريليونات المال المسروق، وفي حمى سلاح أميركي ثبت أنه لا يقدر حتى على حماية مؤخراته، ولا على حماية رجاله في لحظة الخطر. ولم يكن للحكم السعودي أن يتصرف بغير الطريقة التي يعرفها، والتي تتجنّب كل معنى للإصلاح أو التغيير، خشية الزوال، وتؤثر أن تدفع المال دفعاً للخطر، وتفضّل التوقيع على دفتر الشيكات، وكان الشيك الأول من نصيب الشعب في السعودية. فقد دفعت العائلة من حسابها ثلاثين مليار دولار في صورة معونات عاجلة، وعلى ظن أنها تهدّئ النفوس، وتتجنّب مصير عائلة بن علي في تونس. لكنّ الشعور بالقلق راح يجتاح صفوف الآلاف من أمراء العائلة السعودية. فقد قفزت الشرارة فوق الحدود، ونشبت الثورة في مصر، حيث تكتب مصائر الأمة من جديد، بأيدى الناس هذه المرة لا بأقفال الحراس. كان انتقال الثورة من تونس إلى مصر مثيراً لرعب العائلة السعودية، ونشطت الاتصالات في الكواليس، وتوالت جهود الضغط المحموم، وفتحت الرياض دفتر الشيكات ثانية، وبدا التحرك العائلي السعودي منسّقاً بالكامل مع الأميركيين مباشرة، ومع الإسرائيليين من وراء ستار. بدت حملة إنقاذ مبارك مموّلة سعودياً بالكامل، لكنّ الفشل كان من نصيبها، فهي لا تفهم لغة الثورات، وحظها من العلم محصور في أرقام الثروات. فقد خُلع مبارك رغم عرض الخمسة مليارات دولار، وصدر قرار حبسه رغم التهديد بطرد مليون مصري عامل في الديار السعودية، ودفع الفشل عائلته إلى تصرفات انتقامية مكشوفة، بينها دفع جماعات من السلفيين ـــــ المموّلين سعودياً ـــــ إلى إشعال النار في مصر. وفي المحصّلة، يبدو الفزع السعودي غريزياً، وبدواعي حفظ الملك العائلي العضوض، والمنقطع الصلة بصحيح الإسلام، وجلال تعاليمه. فالإسلام لا يسوّغ الظلم، ولا يقبل نهب الثروات، ولا جعل الحكم حكراً على شخص أو عائلة. وقد جاءت ساعة الحساب، بإرادة الشعوب التي هي من إرادة الله، وبالصمود الباسل لملايين الناس ذوي الصدور العارية، والنفوس المعبأة بأشواق استعادة الكرامة الإنسانية، وبحسّ هائل للتضحية تسيل معه دماء الشهداء بالمئات والآلاف، وبتصميم قاطع على كسب الحرية، وتحطيم نظم الحكم الديناصورية، وخاصة أن قانون المنطقة ذاته يسري هذه المرة كما في كل مرة. فقد تناسلت ثورة مصر في ثورة اليمن، وقبلها في ثورة البحرين، وبعدها في ثورة الشام، وفي ثورة ليبيا المأزومة الآن، وفي انتفاضات الأحرار من بغداد إلى مراكش، والعظة ظاهرة. فما يجري في مصر يؤثر بشدة في عواصم العرب كلها، ويخلق روحاً ثورية جديدة تنتصر لحلم بناء جمهوريات وطنية ديموقراطية، وتقيم حكم الشعوب، وتقصي حكم العائلات، ولن تكون عائلة الرياض في منأى ولا في منجاة، فالثورة الآن على الحافة السعودية، وآتية من جبال اليمن. * كاتب مصري
رأي
العدد ١٤٠١ السبت ٣٠ نيسان ٢٠١١

التعليقات

هذا قدرنا

طيب ؟ والمطلوب الآن ؟ أن نمجد ثورة الفيس يوك مثلا ؟ أتفهم كم الشعور بالغبن الذي تحمله لأن السعودية تجاوزت بل و " تحكمت " بثورات القرة الماضي .. وهاهي الآن تعيد الكرة . لكم الثورات ولنا الإنجازات .. هذا قدر الدول القائدة يا عزيزي . وتحيا المملكة العربية السعودية .

مع إحترمي لك

مع إحترمي لك, لكن(ثورة الفيس) كماتسميها انت إزدراء بها..هي من ستأتي بالتقدم لعالمنا العربي..وهي ثورة فيس بوك لأن كل وسائل الأعلام المرئية والمسموعة تحت قبض حكام متسلطين ظلمة..فإذا كان الفيس بوك يسقط الطواغيت وعملاء هيلاري كلينتون فأهلا به وأعلم أخي إذا اخطأت رياح التغيير بلدك..فسيأتي الزمن الذي سيزداد فيه تسلط آل سعود..وستلعن هذ النظام الذي صنع الإنجازات التي تتكلم عنهاالآن. وإسمحلي أقتبس من ثوماس جيفسون قوله "Dissent is the highest form of patriotism"

للاسف

للاسف لا زال كثير من العرب لا يعرفون معنى الحرية التي كفلها الدين الاسلامي للانسان والتي فطر الله عليها بني ادم وهذا الاخ يشيد بجهود العائلة المالكة ، اي جهود الاستحواذ على اموال الشعب السعودي ومن ثم توزيعة كهبات ملكية يعطي من يشاء ويصرفه عن من يشاء ، توارث الحكم في العائلة الواحدة على مر الزمن ولا حق لاحد من السعوديين فيه ،

لك الكلام ولنا الافعال

عزيزي الكاتب سمعنا مثل هذا الكلام كثير ... لكن هناك فرق كبير بين من يجيد حبك الكلام وبين من يجيد حبك الافعال عزيزي الكاتب لك حرية مطلقه في التنفيس عن نفسك بكتابة احلامك وامانيك كما لنا حرية حبك الافعال وتشكيل الواقع بما يتفق ويتناسب مع سياساتنا واستراتجياتنا.عزيزي الكاتب إذا امريكا وهي امريكا تعترف بوجود لوبي نفط خليجي برأس سعودي داخل امريكا ويؤثر في رسم سياساتها الخارجية فما بالك بدول العالم الثالث ، عزيزي الكاتب ثق تمام الثقه إن جميع الانظمة تتغير وتتبدل ويبقى الولاء دائما للملكة العربية السعودية والدليل ستجده عندما ترجع للتاريخ جمال عبدالناصر بعد ان كر وفر اضطر في الاخير لمهادنة السعودية وسار على دربه انور السادات ومن ثم حسني مبارك والحاضر خليل دليل عندما زار الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء والتأكيد على عمق العلاقه التاريخية بين البلدين وأي دوله تعادي السعوديه ستجد نفسها دوله منبوذه دوليا وذات سمعه سيئه كما هو الحال لايران والعراق وسوريا ومع هذا هذه الدول تتمنى رضا السعودية بأي حال من الأحوال ولكنها السياسه يا عزيزي الكاتب فعندما تريد دولة ما ان تصبح دولة قائدة كما هو حال السعودية فلابد من خلق دول اعداء ودول اصدقاء. انتهاء الكلام يا عزيزي الكاتب وما يصح إلا الصحيح. هذه سنة الحياة هذا عصر السعودية

مقال مبني على الاشاعات التي

مقال مبني على الاشاعات التي كثرت بعد سقوط مبارك.. اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس ... قاعدة اكل عليها الزمن وشرب في زمن الانترنت والاتصالات والفضائيات .. هذه القاعدة لا تجدي نفعاً

هههههههاي! ما شادالله وصلوا

هههههههاي! ما شادالله وصلوا المخابرات بسرعه.. عذرا ايها الكاتب الحر المجيد فأنت والله اعلم ان المخابرات في كل مكان يكممون افوانا ويتكلمون على لساننا ..عذرا..نحن قادمون انشاءالله فالظلم لايدوم ونحن الاحرار في الجزيره العربيه قادمون.

رد على (لك الكلام ولنا الأفعال)

من المعلوم والبديهي أن اللوبي الوحيد الفاعل والمؤثر في أميركا هو اللوبي الصهيوني ..أمامايقال عن لوبي نفطي خليجي فهو ترهات فكلنا يعرف أن( السعودية لا تعدو كونها خزنة مال ..وخازن لبيت المال)موّل كل العمليات القذرة لأميركا في منطقتنا والعالم . أما بالنسبة للمغالطة التي وقع بها الكاتب بخصوص (الثورات العربية)البائسة التي لم تقد بلدانها إلا الى الفوضى والفراغ وتفتيت المفتت لم تخرج أبدا عن نطاق هذه العمليات القذرة وأخص منها مايحصل في بلاد الشام . وليعلم هذا المتعالي من بلاد الحجاز أن من يحاول أشعال النار في دمشق لن يكون بمنأى عن سعيرها.

أعزائي المجاهيل

أين الخطأ فيما قيل ؟ عل اي أساس تفترضون أن ما قيل إشاعات ؟ إستناداً على نزاهة وانفتاح النظام السعودي ؟ أي تشرفنا .. على كلٍ نحنا شو فرقانة معنا ؟ ما إنتو للي قاعدين هونيك .. اصطفلوا إذا مرتاحين

بختصار الله حافظها من كل شي

بختصار الله حافظها من كل شي

كل مانريده في المملكة العربية

كل مانريده في المملكة العربية السعودية 1- تطهير المحاكم من القضاة الفاسدين 2- الوقوف مع المواطن وليس ضده 3- 66 بالمائة من الشعب لايملك مسكن 4- في المملكة اكثر من 2 مليون عاطل 5- نظام المملكة الملكي قديم جدا ويحتاج الى تحديث 6- لماذا تكون السلطة فقط للعائلة الملكية والذي يقدر بعددها اكثر من 8000 فرد 7- المملكة العربية السعودية تستطيع تعديل الاحكام القرانية لتتوافق مع جميع متطلبات الدولة التي وبكل اسف استطيع ان اقول انها دولة جاهلية 8- استطيع ان اكتب عن المملكة الى يوم القيامة ولكن هل من مجيب سعودي مغبون مدينة جدة

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
11 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.