سيّد درويش
أُغنيتك نفدت، يا عم، ولا أَعرف من هذه التي تَصْدح مكانك
ذكِّرني برحلتنا أَواخر ذلك الصيف
إلى جبل التُرَّهات
كانت مِصْر مرفوعةً على الرّماح مثل مُصْحفٍ وأَنا مشدوهٌ بأُغنيتك
أَترى ها هي الأُغنيات تَنْفَدُ
ولا فلوكة واحدة توقّفت لي
ولا صيّاد لوَّح!
وما عاد يهمّني إن كان هذا شاطئ حيفا أم بحر الإسكندرية
إن كان صحيحاً أَن الأُغنيات نفدت.
*********************
نوم في غزة
سأَنام يا فادوس مثلما ينام الناس والطائرات تضرب
والهواء يتمزّق
كاللحم الحي
سأَحلم إذن بالخيانات
مثلما يحلم الذين ينامون والطائرات تضرب
سأَستيقظ في الظهيرة لأَسأَل الراديو- مثلما يسأَلُ الناس:
هل توقف القصف وكم صار عدد الذين قتلوا؟
لكن مأَساتي يا فادوس
أَن الناس نوعان:
الذين يلقون عذاباتهم وخطاياهم على قوارع الطرق ليناموا
والذين يجمعون العذابات والخطايا على هيئة صلبان ويسيرون بها في شوارع بابل وغزة وبيروت
وهم يصيحون: هل مِنْ مَزيد
هل مِنْ مَزيد
قبل سنيتين كنتُ في شوارع "الضاحية الجنوبية" أَجرُّ صليباً بحجم العمارات
لكن، من يحمل اليوم صليباً عن ظهر مُتْعَبٍ في أورشليم؟
الأَرضُ ثلاثة مسامير
والرحمةُ مِطْرَقَة
إضرب يا رب
إضرب مع الطائرات
هل مِنْ مَزيد؟
(كانون الأول/ ديسمبر 2009)
*********************
صيف 2010
كنّا متحلِّقين حول والدنا الذي يموت في "المركز العربي لجراحة القلب". كان صيف 2010 مُجْرِماً، ولم تنفعنا المراوحُ ولا المُكيِّفات. كنّا مضروبين بالوداع والممرِّضات والزوّار.
آخذُ تاكسي من "الدُوّار" بعد ثلاث ساعات مِنْ منتصف الليل:
"الدوّار الثاني.. نزلة مطعم كوكب الشرق".
كنّا مضروبين بهذا الجبل الشاهق من المجاملات، تحمله وحدك- وأنا أنظر إليك وأتعب.
كأن ذلك كان بالأمس، كأنه الآن ويدي على جبينه: "الله هو الشافي..الله هو المعافي" وتترقرق الأرض مثل قطرةٍ في العين. وحولنا كان اللصوص يرفعون أبراجهم. وأصرخ في مناماتي: إلى أين يتمدّدُ هذا الضريح من الحجر الأبيض. عمّان اسمكِ طويل مثل مشنقة يتدلى منها "مستقبلي". أكاد أضحك من مستقبلي. هذه كلمة أجنبية لا أعرف كيف جرؤتُ على لفظها. "مستقبلي" مثل عاهرة عجوز تقول "شبابي"، مثل هؤلاء المضيَّعين ولا يعرفون بأنهم ضُيِّعوا.
وكانت فلسطينُ منحنيةً على ماكنة "سنجر" تخيط أكفاناً وأقمطةً. تطرق. تطرق، وكأنها لا تسمع أصواتنا.
الحياة طائرة ورقية وستأخذها العاصفة.
وسنبقى بعد العاصفة.. نمرّ من قرب الدوار الخامس.
*********************
عامل مياومة
في الصباح سأَنزل إلى "الدُوَّار" وأَجلس بينكم
وأنتظر
أَكنتُ طوال حياتي سوى عامل مياومة ينتظر؟
أَنا مصري أَيضاً
أَنظر من هذا القاع إلى جدتي كليوبترا تهدي إفريقيا لعشيقها مارك أنطونيو
ثم أَعود لأنظر في الوحل
أَنا مصري أَيضاً
تفكَّرتُ طويلاً في عمارة الهرم الأكبر
قبل أَن أَنزل إلى الدوّار وأجلس بينكم..
نفسي أَقصر من هذه السيجارة التي تحترق في يدك
مع ذلك سأَنتظر
قلبي مطفأ أَكثر من شمس الظهيرة
ومع ذلك سأَنتظر
أَحلب الأَمل من ضروع هذه الشاة السوداء التي تسمونها اليأس
وأَعرف كيف أَنتظر.
أَنا مصري أَيضاً.
*********************
الساعة الأولى
قَدٌ من حلب أم موشحٌ من الأندلس
أم عتابا من قريةٍ مهجّرة
هي ما سيعود المريضَ في الساعة الأولى من السنة الجديدة؟
هذه حيفا؛ مرح يديّ الإله في الطين..
لا تقل لها وداعاً
أنت من يستعيدها الآن
وكلّ أوان
آمين.
*********************
إلى معطوب لوَنَّاس
الطريق مِنْ حيفا إلى القُدس اسطوانتك الأَخيرة
وأَنا أَسوق في الظلام
محمولاً على صوتك يا معطوب لوَنَّاس..
المتوسِّطُ عن يميني ولا أَعرف أَية عُرَبٍ صوتيةٍ تَدفع مركبتي
ولا أَعود أُفكِّر
إلا بفردوسكِ الدامي أَيتها الجزائر السَّراب
أَنفاسي المخنوقة أيضاً، ضد هؤلاء وهؤلاء.
أَتظنهم حقاً يميّزون بين هضبات "تيزي وزُّو" وسهول "حوران"؟
الطريق من القدس إلى حيفا اسطوانتك الأخيرة
وأَنا أَسوق في الظلام.
* شاعر ومغن جزائري أمازيغي اغتيل عام 1998.
*********************
سأَقف يوماً
سأَقف يوماً وأَقولها
أَنا الكرديُّ سأَقف يوماً
وأَقولها أَنا الأَمازيغيُّ صوتك
سأَقف يوماً أَنا العربيُّ الذي تعرفه
سأَقف يوماً وأَقولها:
ها قد انصرفوا يا صلاح الدين*.
* "ها قد عدنا يا صلاح الدين" عبارة يقال أن جنرال الاحتلال الفرنسي "غورو" قالها لضريح صلاح الدين الأيوبي- الواقع شمال المسجد الأموي- بعد احتلال دمشق عام 1920.
*********************
* سليمان الحلبي (1)
نتذكّر يدك ونحن نسمع عن هؤلاء المُساقين لمصافحة قاتليهم.
كنتَ في الرابعة والعشرين والشّمس فوق سوريا أَمرتك أَن تتقدّم
[ما قيمة اليد حين لا تحمل قلب صاحبها؟]
وها أَنت تحمل النصل وتنهال على "كليبر".
.. وبينما كانوا يقطعون يدك
كانت الشّمس فوق سوريا تقول لك: اثبت يا ولدي.
ماذا أُخبّرك عن مائتي سنة مضين بعد إعدامك؟
ماذا أُخبّرك عن مصير يدك؟ وعن هؤلاء المساقين لمصافحة قاتليهم؟
* شاب من حلب، اغتال عام 1800 قائد ما يسمى الحملة الفرنسية على مصر، أحرق الاحتلال الفرنسي يده وأعدمه بطريقة وحشية. القصيدة تحية صغيرة ليد سليمان الحلبي.
*********************
* ناجي
كلّما انتصرنا
- تلك الانتصارات الصغيرة التي لا يحسبها العالمُ انتصاراتٍ-
أَرفعكُ في البال ولا أَعرف ما الذي يفيضُ في عينيّ.
وعندما نهزم -وكثيراً ما نهزم هذه الأيام-
لا أَحد سواك يضع يده على كتفي.
* ناجي العلي
*********************
* الطنطورة
البحر أَصغر من مُسْتَحَم طفلٍ في الثانية
كان "يبطبط" منذ قليل في مستحمه الأزرق
-صورة فوتوغرافية للسعادة الكاملة-
وشخاتير حمراء في غسق يشقّه نور ليلة القَدْر
إِنها الطنطورة صباح يوم القيامة
تلعب عند شواطئها شخاتير من الدم.
* قرية الطنطورة/ قضاء حيفا على شاطيء المتوسط، ارتكب جيش الاحتلال مذبحة فيها في 23 أيار 1948.
*********************
بيت عراقي في عمّان
سليمة مراد "تخدّر" الشاي..
كنّا أَيامها نتسّقط أخباراً من سائقي حافلات على "خط بغداد/المخيلة"
كان الوقت صعباً ونحن نهبط ونصعد
تلك الأدراج الإسمنتية التي نَخَبَها الزّمن (وليس حروباً أهليةً).
"خدري الشاي خدريه.. عيوني إلمَن أَخَدره؟"
وفي ليلة من الليالي "شَمرت" سليمة إبريق الشاي
وكسرته
.. بينما كان سائقو حافلات على خط بغداد ينقلون الطوب لأَبراج بابل الجديدة
"خدري الشاي خدريه.. عيوني إلمَن أَخَدره؟"
......
......
"غلاسات" الشاي.. ميّتة في العتمة.
*********************
بنت جبيل
كانت استعاراتي وصوري وكناياتي نائماتٍ في الأسرة، مكسوراتٍ ومريضات.
وأَنا لا أَلوي على شيء
قُبيل الفجر مكسوراً أَمام التلفزيون، أُحاول أن أُصلي للذين يدافعون الليلة عن "بنت جبيل".
[كيف يصلّي الذي لا يؤمن بشيء؟]
بعد قليل يُسْفِر الفجرُ عن القتلى
وأَذهب أَنا للنوم مكسوراً أَمام حجم الدين الذي أَحمله
للذين رفعوا الفجر يوماً آخر على "تلّات" "بنت جبيل".
(تموز/ يوليو 2006)
*********************
نوم في غزة (2)
كيف أَنام يا فادوس والطائرات تضرب
والهواء يتمزّق
كاللحم الحي
الساعة الآن الخامسة والثلث
وبعد قليل يطلع الفجر يا رب- لا مهاجرين ولا أَنصار
أَننقر له بالدفوف:
"طَلَع الموتُ علينا من ثنيّات الوداع
وجب القتلُ علينا ما دعا للحرب داع"
[من أَي أَصقاع يجيء هذا النشيد المريض؟]
لا أَستطيع احتمال اليقظة
وأَجبن عن مواجهة كوابيسي
كيف أَنام يا فادوس والطائرات تضرب
والهواء يتمزّق
كاللحم الحي.
(كانون الأول/ ديسمبر 2009)
*********************
إليهم
قولي لي من ذلك النمر الصغير
وكيف كان يثب في الهواء
وهم يطاردونه من "المُصرارة" إلى "الشيخ جرّاح".
وقولي لي من ذلك الشَّهم النحيل
الذي تكالبت عليه دورية كاملة على "حاجز قلنديا"
دون أن يستطيعوا صرعه على الأرض.
ومن تلك البنت
التي وقفت أمام الجرّافة التي سوتها بالتراب
مثل شجرة لوز في آذار.
قولي للذين يقولون أننا هُزمنا!
*********************
اعتراف متأخر
طالما كنتُ الحجر الذي أَهمله البناؤون
ولما جاؤوا نادمين متهالكين -بعد خراب العمران- وقالوا:
"أَنت حجر الزاوية".
لم يكن قد بقي هناك ما يُبْنى.
النكران كان أَهونَ من اعترافهم المتأَخر.




لبنان:




التعليقات
اضف تعليق جديد