أماليا أبي صالح: من يذكر «الستّ بدور»... دلّوعة الجماهير؟



(هيثم الموسوي)
رنا حايك

لا تزال «بدور» تضحك. تنتزع النكتة من بين أوجاع السكري والكلى والقلب (الكبير) المفتوح... والدة الشبان الثلاثة ملتزمة بدور «البنوتة»، تعاند الزمن وتأبى أن تكبر. ترفض تحديد عام ولادتها. «في الأربعينيات»، تقول. أماليا أبي صالح، الصبية المكتنزة الخفيفة، والطفلة العفريتة، رقصت الـ«روك أند رول» في قواعد الجيش الأميركي في أوروبا، وقابلت صوفيا لورين وداليدا وعبد الوهاب، وكوّنت مع شوشو ثنائياً أمتع المشاهدين وأضحكهم لسنوات.
تفككت عائلتها باكراً، لكنّ الابنة الوحيدة لابن ضهور الشوير ميشال أبي صالح، عاشت طفولة مبهجة. انفصل الوالدان وتزوج كلّ منهما، وأماليا تلهو بـ«العربشة» على الأشجار مع الصبيان في مدرسة «زهرة الإحسان» (الأشرفيّة). هناك كان عندها صديقة وحيدة، ستتقاطع دروبهما في السنوات الذهبية لإنتاجات التلفزيون الوطني: الراحلة هند أبي اللمع. بعد انتقال والدها الذي كان موظفاً في شركة للنقل البحري إلى اللاذقية عام 1955، اصطحب معه زوجته الجديدة وأماليا، لكن إلى المدرسة الداخليّة مرة جديدة.
في مدرسة «العائلة المقدسة» في بانياس، اجتهدت أماليا في تحسين لغتها العربية. إلا أنّ هوايتها الأثيرة ظلت ـــــ رغم ولعها بالإعراب ـــــ «العربشة» على المزراب. النتيجة، رسوبها ثلاث مرات في الشهادة المتوسطة ثم انتقالها لتعلم الإيطالية على يد أستاذ خصوصي في اللاذقية، على أمل السفر إلى إيطاليا للالتحاق باختصاص السياحة. بعد الدروس الخصوصية، انتقلت أماليا عام 1961 إلى مدرسة للراهبات في منطقة إيطالية في ضواحي ميلانو اسمها بريشيا. تلك كانت الجنة. «حبيت إيطاليا واللي فيها» تقول غامزة بوجنتين متوردتين. هناك، سينقلب المصير إلى الأبد، حين يفتتن برقصها للـ«روك أند رول» رجل اسمه دينو دزيكا، صاحب فرقة فنية جوالة متخصصة في تقديم العروض الترفيهية لجنود القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا. زوجته التي كانت تشاركه أداء «النمرة»، أنهكها المرض. هكذا، وجد ضالته في خفة ظل الصبية الراقصة. رضي الوالد التقدمي بمعايير ذلك الزمن، بالتحاق ابنته في الفرقة. «كان متساهلاً جداً، ويثق بأنني أحترم وصايا بابا ميشال العشر».
فرحت الصبية بثياب البحارة التي ارتدتها، وبالأجر العالي والتصفيق الحار وبسفرها إلى جميع أنحاء أوروبا. في تلك الأثناء، وخلال إجازاتها مع والدتها في لبنان، كانت تتردد على «تلفزيون لبنان» للقاء المخرج والصديق كاري كرابتيان. عام 1964، بدأت سنوات اللهو المحلي مع مجموعة من صنّاع مجد التلفزيون الرسمي والمسرح الهزلي في لبنان. هنا، بدأت مسيرتها بمزحة، بل بمقلب أعدّه كرابتيان لصديقه، أبو سليم الطبل (الفنان صلاح تيزاني). طلب كاري من أماليا أن تشارك في برنامج أبو سليم الفكاهي «نادي الهواة» وتمثّل دور فتاة إيطالية لا تعرف العربية. ومن شدّة ما أحبّها المشاهدون، شاركت في البرنامج ثلاث مرات. مُشاهدٌ واحد، من قلب الاستديو، أحبها بنحو سيغير حياتها إلى الأبد: إنّه الممثل الراحل الظريف ابراهيم مرعشلي. قال يومها للمخرج نزار ميقاتي: «وجدتها! لكنّها للأسف إيطالية». كانت مفاجأة مفرحة حين عرف المخرج، ومعه المجلات البيروتيّة، أنّ أماليا لبنانية!
بالتزامن مع تلك الانطلاقة، كانت الفرقة الإيطالية قد تفكّكت، فاستقرّت أماليا في بيروت. صدمت بأجرها الجديد مقارنة بما كانت تكسبه في إيطاليا، إلا أنّ سعادتها كانت لا توصف: «كان الجو مرحاً وحلواً بيننا في التلفزيون وعلى المسرح». عاشقة الارتجال، كان يبهجها النقل الحي لبرنامج «حكمت المحكمة» (1965) الذي شاركت فيه إلى جانب أبو سليم... توالت مسرحياتها خلال الستينيات والسبعينيات مع فرقة شوشو، من «أستاذ شوشو» و«فرقت نمرة»، إلى «كافيار وعدس» وشاركت فيها بديعة مصابني، و«الدنيي دولاب» بمشاركة نيللي، وطبعاً «آخ يا بلدنا». هذا إلى جانب أدوار على الشاشة الكبيرة كما في فيلم «زمان يا حب» (1973) مع فريد الأطرش، و«زوجتي من الهيبيز» مع دريد لحام.
لكنَّ أماليا لم تحب السينما كثيراً. «ربما لأنني لم أحظ بالأدوار التي أردتها». هل لذلك علاقة بدور الظريفة الذي تلبّسها طوال مسيرتها؟ تتردد في الإجابة: «لا أعرف». في الواقع، لا تبدو تلك المسألة إشكالية لـ«بدور». لم تكن كذلك سوى مرة واحدة، إذ تسببت في قطيعة وجيزة مع شوشو. يومها، أدى ارتجال سخر فيه شوشو من وزنها، إلى انسحاب والدها من كرسيه في الصف الأمامي من المسرح احتجاجاً. حين عاد الثنائي الظريف إلى العمل معاً، نجحت في إقناعه بإنجاز مسرحيات للأطفال خرجت من إحداها أغنية الأطفال الشهيرة «ألف بي بوباية».
ثم كانت الحرب. وكانت أماليا التي تزوجت عام 1969 حاملاً. في 1975، توفي شوشو، فاعتقدت أماليا أن حياتها الفنية انتهت. بعد العزّ الذي لاقته مع معجبين مثل «المير مجيد أرسلان والشيخ بيار الجميّل والرئيس كميل شمعون، لن يكون هناك عز»، قالت في نفسها. لكنها عادت، بضغط من زملائها، فشاركت في مسرحيات ومسلسلات عدّة، إلى أن جاء «المعلمة والأستاذ» (1981) مع ابراهيم مرعشلي وهند أبي اللمع، فكان الكوميديا التي سترسخ في ذاكرة الأجيال.
خلال السنوات التي تلت رحيل شوشو، أدت أماليا أدواراً على المسرح، كان آخرها 10452 (٢٠٠٤) مع الأب فادي تابت. لكن طوال تلك التجارب ظلّ الرعب يعتريها قبل الصعود إلى الخشبة، رغم أن الصالة كانت تلتهب تصفيقاً في كل مرة. «بدور» دلوعة «برهوم» استاءت ذات مرة من عبد الوهاب حين اعتقدت أنه صرخ «جرابات» بعد وصلتها في إحدى الصالات، ثم ارتمت في أحضانه بعدما أوضح لها الزملاء أنه قال عنها «شربات!»... تلك هي «بدور» الطفلة «الشربات» التي تفيض حيوية وخفّة دم...


5 تواريخ

مطلع الأربعينيات
الولادة في الأشرفية (بيروت)

1961
التحقت بفرقة دينو دزيكا الترفيهية في إيطاليا. بعدها بثلاث سنوات، عادت إلى بيروت لتطلّ من «تلفزيون لبنان» مع أبو سليم في برنامج «نادي الهواة». وفي العام نفسه أدّت أول دور مسرحي لها مع شوشو في «شوشو بك عريس»

1973
انتقلت إلى الشاشة الكبيرة لتمثّل إلى جانب فريد الأطرش في «زمان يا حب»

1981
شاركت في المسلسل الكوميدي الشهير «المعلّمة والأستاذ»

2011
تكرّمها ثانوية الغزالي (العمروسية، الشويفات) في مجلتها السنوية وتخصص يوم 3 حزيران (يونيو) المقبل للاحتفاء بها

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]