لا معنى لثورة تتجاهل قضية فلسطين


ابراهيم الأمين
أن تقول إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة الأميركية والغرب والسوريون والعرب، إن ما جرى في الجولان في 15 أيار الماضي وأول من أمس، ما هو إلا سعي من النظام السوري إلى حرف الأنظار عن مشكلته الداخلية، ففي ذلك إشارة هي الأقوى إلى أنّ كل أصحاب هذا الرأي هم فعلياً من الذين يتوافقون، من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون، على إفراغ كل الانتفاضات والثورات العربية من مضمونها السياسي الوطني. يطلب منا هؤلاء أن نصدّق أن التغيير إنما يقتصر على مسائل تتصل بالوضع الداخلي، وبالتالي، فإن أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن هناك فصلاً فعلياً بين المسألة الداخلية وبين المسألة الوطنية، بينما هم ظلوا، ولا يزالون يعتبون على النظام السوري لأنه لم يطلق رصاصة باتجاه الجولان، وبعضهم يقول إنه لم يتحرك منذ 44 عاماً. يتناسى هؤلاء أن سوريا هي التي خاضت حرب تشرين عام 1973، وأن خيانة أنور السادات ومسارعة الولايات المتحدة وإسرائيل الى إشعال الحرب الاهلية في لبنان، كانتا تستهدفان في مكان ما محاصرة سوريا وعزلها ودفعها الى تقليد السادات. ومشكلة اصحاب هذا الرأي، أنه عندما وافق الحكم في سوريا على إتاحة المجال، ولو سلمياً، لأبناء فلسطين أو للسوريين من أبناء الجولان التعبير عن حقهم بالعودة الى أرضهم المسلوبة، والتحرك من خلال تظاهرات ومسيرات العودة، حتى صار الأمر عيباً: احترنا يا قرعة منين بدنا نبوسك! الواضح أن هناك حاجة فعلية إلى إعادة النظر في كل المعايير. وأن هناك حاجة إلى أن نغادر العقل الكلي، الذي يعتمد صورة واحدة ونسقاً واحداً في مقاربة كل ما يحصل من حوله. فلا يحاول أحد أن يأخذ مسافة قليلة الى الخلف لمراقبة المشهد من زاوية أخرى. وبات المتحمسون للانتفاضة السورية، كيفما قامت، لا يهتمون لكيفية حصول الأمر، ولا لمن يتولّى قيادة الشارع، ولا لمن يسعى، وباشر الاستثمار، ولا الى موقف أعداء الأمّة مما يجري: ألا يكفي ترحيب الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنذ اليوم الأول، بالانتفاضة السورية لتكون مدعاة للقلق؟ بينما ظل الأميركيون والغربيون يعملون بكل قوة لحماية أزلامهم في مصر وتونس وربطوا تدخلهم في ليبيا واليمن بأن يكونوا شركاء كاملين في اي تغيير سوف يحصل. لكن السؤال الأساسي يتعلق بأصحاب هذا الرأي، وخصوصاً منهم الذين يعلنون أنهم ينتمون إلى معسكر المقاومة للاحتلال الأجنبي وللاستعمار الاقتصادي والتبعية الثقافية للغرب، وهو: هل تريدون فعلاً تغييرات تقتصر على حقوق خاصة بالأفراد والجماعات على طريقة فرقة «بدي عيش» المنتشرة منذ عام 2005 بين لبنان ورام الله ومصر والأردن ودول الخليج؟ وبالتالي، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تعترضون على فكرة أن الإصلاحات التي تنوي الأنظمة المستهدفة تنفيذها غير كافية؟ المشكلة مرة جديدة، هي في أن عملاء أميركا وإسرائيل من حكام ومثقفين وإعلاميين، جهدوا منذ لحظة اندلاع النار في جسم البوعزيزي، إلى رفض وجود أي مضمون سياسي وطني للانتفاضات العربية. وساروا في الركب الأميركي نحو بناء ثورات مضادة تقوم على أن تنشغل كل دولة، وكل شعب بمشاكله الداخلية، وألّا يفكر في أي أمر آخر من حوله. وهو فخ وقعت فيه قوى كبيرة، منها حركة «الإخوان المسلمين» المقبلة على انقسامات لم تعرفها في تاريخها بسبب السياق الانتهازي الذي تسلكه في كل العالم العربي وتريد تعميمه حتى على فلسطين. وهو الفخ الذي يشغل مصر مثلاً، في انتخابات نيابية يعتقد الانتهازيون أنهم سيرثون بموجبها الحكم القديم. ثم لا يلبث هؤلاء أن يقبلوا بكل السياسات التي كانت قائمة سابقاً. فلا تكون هناك مشكلة في مصر مع استمرار كامب ديفيد وصفقة الغاز لإسرائيل، إذا ما أتيح اتخاذ قرار بمنع الاختلاط في المدارس. ثم لا يهتمّ هؤلاء، وخصوصاً المحرّضين على ثورة عمياء في سوريا، إذا ما كانت النتيجة حرباً أهلية مديدة، وتقسيماً وناراً تحرق الأردن ولبنان وتأتي على قوى المقاومة في دربها. ثم يطلقون كذبة ويصدقونها: أصلاً الغرب لا يريد سقوط هذه الأنظمة لأنها لا تمثّل خطراً عليه؟ ولو كانت هذه الخلاصة صحيحة، فما الذي يدفع الولايات المتحدة وكل دول الغرب وكل دول العرب ـــــ أميركية وإسرائيل وتركيا وأجهزة عالمية الى الانشغال 24 على 24 في متابعة ما يجري في سوريا؟ المشكلة هنا، هي في رفض المحتوى السياسي للثورات. وفي رفض العلاقة الحكمية بين أي تغيير داخلي وبين هوية الفريق الذي يحكم. فهل يعقل أن نقبل بحكم جديد في سوريا تكون نتيجته عزلها باسم حقوق شعبها، والانتقال الى مشكلات داخلية تؤدي الى حروب أهلية بديلةً من القمع الحالي؟ منطقتنا وبلادنا لديها مشكلات كبيرة بدأت بعد قيام اسرائيل. وكلما تعمقت ازمة هذا الكيان، ازداد الضغط على الحكومات والأنظمة والشعوب عندنا. ومن لا يرد أن يرى أن هناك من سقط وهناك من صمد، يكن من الفئة التي تصحّ فيها الدعوة الى الهجرة والتنظير عن بعد. أما وقائعنا الحالية فتقول إن مسيرات العودة فتحت الباب أمام معركة جديدة، ستكون أكثر قساوة، وبكلفة باهظة أيضاً، لكنها ستعيد الاعتبار الى المعنى السياسي الحقيقي لكرامة المواطن العربي، وليس لهذا المعنى من معبر آخر سوى المقاومة!

التعليقات

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.