«الربيع العربي» وفصول أميركية أخرى


جوزيف مسعد
لم تكن تسمية الحكومات ووسائل الإعلام الغربية للانتفاضات العربية «الربيع العربي» (يقال إنّ أول من صاغ التعبير كانت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية) مجرد خيار عشوائي أو فصلي، وإنما استراتيجية أميركية للسيطرة على أهداف هذه الانتفاضات ومراميها. فقد سبق أن شهدت المنطقة انتفاضات عدّة في العقود القليلة الماضية في العالم العربي، وفي مقدمها الانتفاضة المصرية في كانون الثاني/ يناير ١٩٧٧ ضد سياسات السادات التقشفية وما واكبها من رفع أسعار، والتي أطلق عليها السادات تسمية «انتفاضة اللصوص» وسمّاها الغرب «أعمال شغب الخبز». كذلك الانتفاضة السودانية ضد الديكتاتور جعفر النميري المدعوم من الولايات المتحدة في ١٩٨٥، والانتفاضتان الفلسطينيتان في ١٩٨٧ ــ ١٩٩٣ وفي ٢٠٠٠ ــ ٢٠٠٤ ضد الاحتلال الإسرائيلي (اللتان أدخلتا كلمة «انتفاضة» إلى لغات العالم). ومع ذلك فلم تستحق أي من هذه الانتفاضات لقب «الربيع»، باستثناء سابقة عربية واحدة وهي ما سمي «ربيع دمشق»، والتي لا تشير إلى انتفاضة شعبية، بل إلى نقاشات سياسية دارت في صالونات بين مثقفين سوريين ليبراليين من مختلف الخلفيات السياسية في فترة ٢٠٠٠ ــ ٢٠٠١ دعت إلى تحرير النظام السياسي عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد في حزيران/ يونيو ٢٠٠٠ (كما ظهرت محاولة ضعيفة للإشارة إلى تظاهرات حركة ١٤ آذار المدعومة سعودياً في ٢٠٠٥ «ربيع بيروت» لم يكتب لها النجاح). في حين تم استخدام مصطلح «الربيع» لأول مرة في مصطلح «ربيع الأمم» أو «ربيع الشعوب» للإشارة إلى الثورات الأوروبية في ١٨٤٨، فإنّ لمصطلح «الربيع» كإشارة لأنظمة ديكتاتورية تقوم بلبرلة نظامها تاريخاً أميركياً إبان الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي؛ وقد استخدم لوصف سلسلة من الإصلاحات التي اتخذت في الفترة ١٩٦٦ ــ ١٩٦٨ في تشيكوسلوفاكيا التي ألغاها في وقت لاحق الغزو السوفياتي للبلاد في آب/ أغسطس ١٩٦٨. وكان «ربيع براغ» (ويقال إنّ أول من صاغ اسمه كانت مجلة «فورين أفيرز» الأميركية) قد تكشف في نهاية المطاف بأنّه لم يطل سوى الطبقات المهنية والإدارية والتكنوقراطية (بمن فيهم مديرو المصانع وبيروقراطيو الدولة) التي انبثقت عن النظام الشيوعي التشيكوسلوفاكي بعد الحرب العالمية الثانية، على حساب الطبقة العاملة، التي عارضت هذا «الربيع» بالمطلق منذ لحظة اعتماد هذه الإصلاحات الاقتصادية. في الواقع، كان معدل النمو الحقيقي لأجور العمال التشيكوسلوفاكيين هو أبطأ معدل في أوروبا الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء في الفترة ١٩٦١ ــ ١٩٦٦. ولم يكن هذا هو واقع الحال بالنسبة إلى الموظفين التقنيين والإداريين الذين ارتفعت أجورهم في الفترة نفسها بنسبة ٤٢ في المئة أكثر من أجور العمال. في حقيقة الأمر، لم يكن ما سمي «ربيع براغ» في معظمه سوى عملية لتحرير الاقتصاد، وهو على وجه التحديد ما دعا الغرب إلى الدفاع عنه ومواصلة استخدامه إيديولوجياً حتى الآن على أنّه الربيع السياسي التدشيني الذي سعى إلى خدمة المصالح الغربية في فترة الحرب الباردة. وعلى هذا النحو، فقد كان بحق ربيعاً أميركياً أكثر منه ربيعاً تشيكوسلوفاكياً. وفضلاً عن ذلك، كان «ربيع براغ» عملية قامت من أعلى إلى أسفل، إذ بدأ من داخل النظام نفسه وقاده أعضاء وقادة الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، وأبرزهم الكسندر دوبتشيك، ولم يصل بالضرورة إلى الأسفل إلا إلى الطبقات الإدارية والمهنية وللمثقفين، ولكن ليس لغالبية الشعب. عارض العمال والنقابات التشيكوسلافاكية بشدة إصلاحات التحريرالاقتصادي التي بدأت بتقليص حقوق العمال من خلال الإضرابات، والتباطؤ في العمل، والاحتجاجات التي بدأت في ١٩٦٦، في حين كان دوبتشيك وحلفاؤه من الاقتصاديين الليبراليين يدافعون عن الفرق في الأجور وتحرير الاقتصاد ويطرحانهما على أنّهما الوسيلة المثلى لمحاربة تدني الكفاءة والإنتاج. وفي سياق الهجوم الإيديولوجي على العمال والفقراء والاحتفاء بالطبقة الإدارية فقد تم استيراد برامج تلفزيونية أميركية وبثها على التلفزة التشيكوسلوفاكية. وبينما تمثل «ربيع براغ» على مستوى الداخل التشيكوسلوفاكي بنصرة النزعة القومية والانفصالية السلوفاكية، فقد تمثل في السياسة الخارجية، بالتقرب من دول حلف شمالي الأطلسي، ولا سيما ألمانيا الغربية. وقد أخذت تشيكوسلوفاكيا تنأى بنفسها عن صراعات العالم الثالث وبتقليص مساعداتها لمصر بعد حرب ١٩٦٧ مباشرة ولنيجيريا في أثناء حرب بيافرا، وواكب ذلك نشر مقالات متعاطفة مع الصهاينة ظهرت على نحو مطرد في الصحافة التشيكوسلوفاكية (وكان الصحافي الإصلاحي ميروسلاف غالوسكا الذي أصبح وزيراً للإعلام والثقافة تحت حكم دوبتشيك قد اقترح استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل)، وهي تطورات أثلجت صدر إسرائيل ومؤيديها في ذلك الوقت. وخلاصة القول، إنه على خلاف «ربيع براغ»، فإنّ الشعوب العربية انتفضت احتجاجاً على النيوليبرالية التي زادت من إفقار الطبقات الفقيرة والمتوسطة وبددت الشبكة الاجتماعية التي حمت بعضها في العقود السابقة، وعلى الرقابة والسيطرة على وسائل الإعلام، وعلى التحالفات مع إسرائيل، من قبل الأنظمة، التي لا تحظى بشعبية، وعلى رعاية الولايات المتحدة لهذه الأنظمة القمعية وتدريبها لأجهزتها الأمنية في معظم الدول العربية، وعلى انعدام التضامن الرسمي مع النضال الفلسطيني، فضلاً عن غياب أي مساءلة ديموقراطية للأنظمة وانعدام التمثيل الديموقراطي للشعب. وقد رأت الشعوب العربية، علاوة على ذلك، أنّ انتفاضاتها قد أعادت عرى التواصل القومي في ما بينها وأنهت الانعزالية الوطنية الخاصة بكل بلد والتي مأسسها الطغاة لفصل العرب بعضهم عن بعض في نضالهم من أجل الديموقراطية. وعلى خلاف الانتفاضات العربية، فقد كان «ربيع براغ»، كما ذكرنا، عملية تدرجت من «أعلى إلى أسفل» ولم يكن ثورة شعبية، كما كانت أجندته على النقيض تماماً من أجندة الانتفاضات العربية، إذ تمثلت أجندته بتقويض الشبكة الاجتماعية التي تحمي العمال والفقراء، وتقليص الحماية المؤسسية للعمال، وإنشاء تحالفات مع الغرب، وتشجيع النزعة الوطنية المحلية المعارضة للفيدرالية القومية، ورفض التضامن مع النضالات الشعبية، وتحرير وسائل الإعلام، والفنون، وتشجيع التعبير العلني لتسهيل دخول النفوذ الغربي إلى البلاد من أجل الترويج ضد حقوق الطبقة العاملة، وأخيراً وليس آخراً، فقد أدت إلى إغداق الامتيازات على طبقة تكنوقراطية جديدة تسيطر على المجتمع. صحيح أنّ «ربيع براغ» سعى إلى هذه التغييرات تحت عنوان تحرير السياسة القومية من قبضة المستبدين من العناصر المحافظة في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي ومن الهيمنة السوفياتية التي لم تكن تحظى بشعبية، على أمل استبدال ما أصر السوفيات على اعتباره «حقوق الإنسان» بما يسميه الغرب «حقوق الإنسان»، إلا أنّ الهدف الحقيقي وراء ذلك كان ضم تشيكوسلوفاكيا إلى الهيمنة الغربية وتحقيق مصالح طبقة التكنوقراط التشيكوسلوفاكية الجديدة، بما في ذلك طبقة من المثقفين ذوي الكفاءة دون المتوسطة من عيار فاتسلاف هافل. فما سعى «ربيع براغ» إلى تحقيقه هو تسيّد هذه الطبقة. وقد قام السوفيات، الذين دعموا دوبتشيك النيوليبرالي طوال هذه العملية ضد أنطونين نوفوتني «المحافظ» والذي قام دوبتشيك بخلعه عن الحكم بدعم سوفياتي في كانون الثاني/ يناير ١٩٦٨ (كان بريجنيف قد زار براغ في الواقع في كانون الأول/ ديسمبر ١٩٦٧ بناء على دعوة من نوفوتني، لكن الأمر انتهى بانحيازه إلى دوبتشيك داعماً خلع نوفوتني)، باجتياح تشيكوسلوفاكيا في آب/ أغسطس تخوّفاً من خروج الأخيرة من حلف وارسو وانضمامها إلى حلف شمالي الأطلسي، الأمر الذي كان سيشكل خطراً كبيراً على أمن الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية (دعونا نضع في اعتبارنا أنّ السوفيات لم يغزوا يوغوسلافيا أو ألبانيا أو رومانيا عندما سعت إلى إنهاء الهيمنة السوفياتية في بلادها، إذ إنّ أياً منها لم تسع للانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي). كون ذلك كان جزءاً من لغة الحرب الباردة القديمة، فإنّه لا يعني أنّه منبت الصلة بالدعاية الغربية الحالية حول ما يجري في العالم العربي اليوم، ولا سيما أنّه يُنظر إلى «ربيع براغ» على أنه مقدمة لثورات ١٩٨٩ التي أنهت النظام السوفياتي في مجمله، واستعاضت عنه بالنيوليبرالية في جميع أنحاء القارة، وكسابقة لما سُمي «الربيع العربي». وهو النموذج النيوليبرالي ذاته الذي أصر عليه الغرب وقبل به المؤتمر الوطني الأفريقي للحفاظ على الفصل العنصري الاقتصادي في جنوب أفريقيا كشرط للسماح بإنهاء الفصل العنصري السياسي في ١٩٩٤. وليس أدل على ذلك من عمليات القتل الأخيرة التي طالت ٤٤ من عمال المناجم السود في جنوب أفريقيا وإصابة عشرات آخرين على يد الشرطة الجنوب أفريقية في الأسبوع الماضي، وهي أحدث مظاهر هذه الصفقة. لقد غدا الصراع السوفياتي/ الأميركي حول تعريف «حقوق الإنسان» الآن من مخلفات الحرب الباردة نظراً لانتصار الولايات المتحدة فيها، ولكن من الضروري أن نستعرضه بإيجاز. فبينما أصرت الولايات المتحدة على أنّ الحق في العمل، وفي الرعاية الصحية المجانية أو بأسعار مخفوضة، وفي التعليم المجاني، وفي توفر رياض الأطفال المجانية، وفي الإسكان (والتي منحها النظام السوفياتي في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية للمواطنين كحقوق مادية ملموسة وليس فقط كمجرد حقوق شكلية أو حبر على ورق) ليست حقوقاً للإنسان على الإطلاق، أصر السوفيات، وفقاً للتقاليد الاشتراكية، على أنّها كانت أساسية لحياة الإنسان وكرامته، وبأنّ ما يعدّه الغرب حقوق «إنسان»: كالحق في حرية التعبير، وفي الانتماء والارتباط الحر، وفي حرية الحركة، وحرية تكوين الأحزاب السياسية، وما إلى ذلك، ليست سوى حقوق «سياسية» و«مدنية» فقط، وعلى أية حال، فهذه الحقوق الشكلية ليست ملموسة ولا مادية، في الغرب، إلا لدى الطبقات العليا في المجتمع والتي تمتلك وسائل الإعلام أو إمكانات الوصول إليها والتي تموّل الحملات الانتخابية، وما إلى ذلك. وعلاوة على ذلك، فقد حاجج السوفيات بأنّه من الضروري أن يكون للإنسان «حقوق إنسان» من أجل أن يكون قادراً على ممارسة حقوقه المدنية والسياسية بطريقة ملموسة ومادية، وأنّ منح هذه الحقوق المدنية والسياسية شكليّ، في حين لا تُمنح فيه حقوق إنسان مادية وملموسة إنما يجرد الإنسان من جميع الحقوق على الإطلاق. وربما الأكثر أهمية في هذا الصدد هو أنّ تعريف الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لمفهوم حقوق الإنسان لم يشمل في الخمسينيات والستينيات حقوق الأميركيين من أصل أفريقي في التصويت، أو في تلقي الخدمات الاجتماعية نفسها كالبيض، أو في تجنيبهم التمييز العنصري المؤسسي والرسمي ضدهم، والتي يشار إليها في مجملها في لغة الولايات المتحدة باعتبارها مجرد «حقوق مدنية». وقد قوبل إصرار مالكوم إكس على أنّه ينبغي على الأمم المتحدة أن تفرض العقوبات على الولايات المتحدة لانتهاكاتها لحقوق الإنسان للمواطنين الأميركيين من أصل أفريقي بالازدراء، ما جعل الاحتفاء به والتقدير الرسمي له في وقت لاحق أقل بكثير مما حازه مارتن لوثر كينغ، الذي كان في نهاية المطاف راضياً على قصر نضال السود في الولايات المتحدة على مفهوم «الحقوق المدنية». بينما طمح معظم مواطني الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وفي باكورة التسعينيات الى القضاء على الأنظمة الاستبدادية للأحزاب الشيوعية الحاكمة واكتساب النمط الغربي من الحقوق السياسية والمدنية، فإنهم لم يفكروا فيها كبديل من حقوق الإنسان التي ضمنها لهم النظام السوفياتي، بل إضافة إليها. إلا أنّهم، في نهاية الأمر، خسروا كل ما لديهم من حقوق إنسان قائمة ولم يحصلوا إلا على القليل جداً من الحقوق السياسية والمدنية الغربية، ومعظم القليل من الحقوق التي اكتسبوها لم يكن أكثر من حبر على ورق ولم ترق لأن تكون حقوقاً مادية وملموسة وخضعت لتقلبات السلطة المالية والطبقية للنيوليبرالية. يعيدنا هذا إلى مطالب الشعوب العربية في الانتفاضات الجارية. فنتيجة حرمانها من «حقوق الإنسان»، السوفياتية والأميركية الطابع على حد سواء، فقد طالب معظم المنتفضين في العالم العربي بالاثنين معاً. وقد تشكلت الانتفاضات من ائتلاف واسع من الجماعات، العلمانية والدينية، والطبقات الاجتماعية المطالبة بمطالب متجانسة ومتناقضة في الوقت نفسه. دعونا نبدأ بالانتفاضات ضد الأنظمة العربية التي ترعاها الولايات المتحدة. لا تطالب الغالبية العظمى من شعوب تونس ومصر، وكذلك البحرين واليمن وحتى الأردن، فقط بالحقوق السياسية والمدنية، ولكن أيضاً بالحقوق الاقتصادية، وبالتالي تشمل مطالبهم حقوق الإنسان التي كان يمنحها الاتحاد السوفياتي سابقاً (أو ما تسميه اليوم منظمات حقوق الإنسان الغربية «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية») وما يواصل الغرب تسميته «حقوق الإنسان». وقد كانت كل من النقابات العمالية، والطلاب، والمعلمين، والجماعات النسائية، ومجموعات الشباب والفلاحين، وفقراء الريف، وأصحاب المهن من الطبقة الوسطى في المدن، والعمال، والطبقات المعدمة والعاطلين من العمل، جزءاً من هذه الانتفاضات. وفي حين حاولت وسائل الإعلام الأميركية والغربية أن تبرز المهنيين والمديرين والعناصر التي تدعم الاقتصاد النيوليبرالي من الطبقة الوسطى العليا والطبقات الغنية (بمن فيهم الملياردير نجيب ساويرس والمدير التنفيذي لشركة غوغل وائل غنيم في حالة مصر)، فقد تم إيلاء القليل من الاهتمام للإضرابات الكبيرة، والتباطؤ بالعمل، والتوقف عن العمل، والمسيرات، والتظاهرات، والمواجهات مع الشرطة وجنود الجيش من قبل العمال والمعلمين والفلاحين والعاطلين من العمل والفقراء في كل من البلدان الخمسة. تتشكل الانتفاضات في مصر وفي جميع أنحاء العالم العربي من تحالفات واسعة تطالب بمطالب شتى، كل على شاكلته: ففي حين يطالب المهنيون والمديرون التنفيذيون من الطبقة الوسطى العليا بالحقوق على النمط الغربي لتعزيز مصالحهم الطبقية، تطالب الطبقات السفلى من العمال، والمعلمين، والفلاحين، والطبقات الفقيرة في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء بالحقوق بنوعيها، السوفياتية والغربية. في مصر، ما لبث أن انضم بعض الأغنياء وأبناء الطبقة الوسطى العليا ممن شاركوا في الانتفاضة إلى المجلس العسكري الحاكم بعد سقوط مبارك لدعوة العمال والفقراء إلى وقف جميع الإجراءات والإضرابات ووقف التظاهرات الضخمة التي تؤدي إلى «تعطيل» الاقتصاد (أطلق ساويرس على نحو بارز ومستمر دعوات عامة لهذا الغرض ورفض الانضمام إلى التظاهرات في ميدان التحرير)، ولم يدعموا طلب الفقراء الرئيسي بتحديد حد أدنى للأجور، ويعارضون بشدة الطلب الأخير لطبقة رجال الأعمال المصرية التي دعمت مبارك (الإسلاميين والعلمانيين منها) والتي تظاهر بعضها بتأييد الثورة بعد إطاحته. أما في تونس، فقد عمدت الأجهزة الأمنية للنظام الجديد المنتخب الى قمع تظاهرات الفقراء المطالبة بالعدالة الاجتماعية بعنف. هذه المطالب هي أيضاً مصدر قلق كبير للولايات المتحدة. في حين قد تضطر الولايات المتحدة والأنظمة التي تتعامل معها إلى اتخاذ تدابير لإقامة أنظمة تمثيلية ومأسسة قوانين لمساءلة الحكام، فإنّ هذه يمكن التلاعب بإجراءاتها، كما هي الحال في الغرب نفسه، لضمان أنّ النخبة والطبقات المهنية والتكنوقراطية الجديدة تبقى متسيدة دائماً. أما أجندة العدالة الاجتماعية، فلا يمكن التلاعب فيها بسهولة، إذ يتطلب الأمر إعادة توزيع الثروة المالية بطرق ملموسة ومادية. وقد أبدت قيادة الإسلاميين والليبراليين العلمانيين الذين فازوا بالانتخابات في مصر وتونس (حملة قمع الثورة التي نجحت مؤقتاً في البحرين وتلك المستمرة في اليمن وسوريا استمرت بإبعاد هؤلاء عن السلطة) استعدادها لإنزال سقف أجندة الحقوق الاقتصادية في الوقت الحالي، وحتى لمحاربتها. في تلك البلدان التي لم تكن أنظمتها كاملة العمالة للأميركيين، كان الوضع فيها مختلفاً اختلافاً ملحوظاً. ففي ليبيا وسوريا، حافظت الأنظمة الديكتاتورية، التي خدمت بإخلاص مصالح الولايات المتحدة لفترة طويلة (فيما تحوّل القذافي إلى عميل مطيع بالكامل لنفوذ الإمبراطورية الأميركية في العقد الأخير) على قدر محدود من الاستقلال في السياسة الداخلية والخارجية، وهو ترتيب لم توافق عليه الولايات المتحدة. وبالتالي، وبخلاف باقي العالم العربي حيث تحركت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الغربيون بسرعة من رعاية الطغاة لرعاية الثورات المضادة لإبقائهم في السلطة أو إقامة نظام مماثل لهم يحل مكانهم (اليمن) ومن ثم انتقلت في وقت لاحق لإنشاء تحالف جديد مع الإسلاميين المنتصرين (في مصر وتونس)، تحركت لدعم الانتفاضات في ليبيا وسوريا واختطافها من أصحابها على وجه السرعة لضمان النتيجة التي تخدم مصالحها (في حالة فرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة تأمين النفط وفي حالة الولايات المتحدة أملها في نقل مقر القيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا «أفريكوم» من شتوتغارت إلى ليبيا بمجرد أن ينقشع الغبار). كان الاستيلاء على السلطة في ليبيا سريعاً وتم تنفيذ المهمة بنجاح، لكن اختلفت النتيجة في سوريا، حيث واجهت المهمة صعوبات ومشاكل بسبب اختلاف طبيعة النظام والمعارضة والائتلافات الطبقية التي تدعمهما. ما تناقشه اليوم الولايات المتحدة والأنظمة الجديدة في تونس ومصر هو إلى أي مدى يجب أن يصل مقدار التمثيل الديموقراطي ومقدار المساءلة القانونية للحكام في النظام الجديد، وما إذا كان منح تدابير معينة من التمثيل والمساءلة يمكن أن يؤدي إلى مطالب لا يمكن التنبؤ بها في المستقبل للحقوق الاقتصادية من قبل الغالبية العظمى من الشعب في كلا البلدين، والتي يمكن أن تهدد المزيد من مصالح الولايات المتحدة والنظام المحلي والطبقات المتحالفة معهما. إن الزيارة التي قامت بها رئيسة صندوق النقد الدولي للقاهرة أخيراً لمناقشة طلب مصر بالحصول على مبلغ ٤،٨ مليارات دولار يمكن أن يؤدي، كما في سابقة جنوب أفريقيا، إلى إدخال مزيد من المحظورات التعاقدية والقانونية لمنع تحسين حياة الفقراء في البلاد. ستوضح الأشهر القليلة المقبلة الترتيب النهائي لمعادلة الحكم في كلا البلدين، وخاصة في ضوء زيادة وحشد المعارضة الشعبية ضد أية تدابير مناهضة للديموقراطية في كل منهما. لقد أثارت الانتفاضات توقعات اقتصادية كبيرة من جانب غالبية التونسيين والمصريين (فضلاً عن غيرهم من العرب في جميع أنحاء المنطقة) الذين يعانون الفقر المدقع نتيجة الاقتصاد النيوليبرالي، والذين لم يعودوا خجولين من فرض أجندتهم الاقتصادية على مسرح الأحداث. وبالتالي، فإن ما يجري الآن هو معركة الفصول؛ فبينما يضغط الأميركيون لإحلال ربيع أميركي في العالم العربي والذي سيعيشه معظم العرب كصيف جاف ومقفر ترعاه الولايات المتحدة، فإن الشعوب العربية تعمل على تحويل الانتفاضات الأخيرة إلى فصل شتاء بارد على أميركا. * أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك

التعليقات

أعمق ما قرأت من تحليل لما سمي

أعمق ما قرأت من تحليل لما سمي بالربيع العربي، أرجو أن يلقى هذا التحليل صدى لدى النخبة المثقفة وان تقتفي اثره في تحليلاتها، لانه يقدم تاريخا للحيل الإمبريالية، لا تقبل الدحض إلا من أصحاب الغايات والأجندات وعميان البصيرة.

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.