طفح الكيل


رامي زريق
لقد تخطت الانتفاضة العربية حدود الوطن العربي، وانضم إليها الملايين من كل أنحاء العالم. وتماماً، كما في الوطن العربي، هناك خصوصية لكل دولة ولكل طبقة تدفعها إلى العصيان، إلا أن هناك عاملاً مشتركاً بين جميع الثورات الشعبية التي يشهدها الكوكب، هو دافع «طفح الكيل». طفح كيل الناس من القمع والاستبداد والفقر والبطالة والآفاق المسدودة. طفح الكيل من الأنظمة الأمنية من لندن إلى صنعاء، ومن العنصرية والتهميش ومن انهيار الخدمات الاجتماعية. طفح الكيل من أزمات السكن ومن دفع الفقراء إلى العيش في الصحارى الثقافية عند تخوم المدن. طفح الكيل من طبقة صغيرة من الأغنياء تتصرف كأنها تملك الكوكب بسكانه وموارده وماله وتفضل حيواناتها الأليفة على البشر. طفح الكيل من انتظار الباص الذي لن يأتي؛ لأن الشركة خُصِّصت، ومن الكهرباء التي خرجت ولم تعد. طفح الكيل من تقبيل الأيدي والتوسل لإدخال طفل إلى مدرسة لا يملك الناس قسطها أصلاً. طفح الكيل من الموت على أبواب المستشفيات الخاصة؛ لأن لا طبيب ولا ممرض ولا دواء في المستشفيات الحكومية ولا نقود في الجيب. طفح الكيل وخرج الناس إلى الشوارع بخطوة لا تراجع عنها. بإمكان هذه الجماهير أن تمارس ضغطاً هائلاً على منظومة التحكم السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية السائدة، هذا الضغط الذي قد يؤدي إلى الانهيار. وبالتزامن مع الاضطرابات الشديدة التي تشهدها الاقتصادات العالمية والأسواق المالية، نكون قد وصلنا فعلاً إلى عتبة تحول تاريخي. علينا الآن الاستفادة من هذه الفرصة والانتقال سريعاً من حالة «طفح الكيل» إلى حالة «هذه هي البدائل». ولا بد للخطوة الأولى من أن تكون الإجماع على تحديد طبيعة منظومة التحكم وأشكالها ومواجهتها بجميع الإمكانات المتاحة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com