عصام عطا الله: جنازة في الميدان



نشطاء يحملون نعش عصام عطا (ماجي اسامة - الأخبار)

خاص بالموقع | آخر تحديث 1:31PM بتوقيت القاهرة
هشام صفي الدين - القاهرة
تئنّ ياسمين وتميل يمينا ويسارا وهي تجلس على كرسي خشبي يتوسط الطريق الترابي أمام مشرحة زينهم في إحدى أحياء القاهرة الفقيرة.
"غِبت ولا تعبت يا عصام." تُمسك ياسمين أخت عصام بمنديلها الأسود. تنهمر الدموع. "مش حا يرنّ تلفوني تاني يا عصام وتقولّي إزّايِك يا حبيبتي." يعلو صوت الأخت فيتبعه نحيب الأم نعمة الجالسة على كرسي آخر وسط الطريق. في باحة المشرحة الخارجية يجتمع لفيف من الناشطين والحقوقيين الذين أتوا مع الأهل لإستلام جثة الشاب عصام علي عطا الله البالغ من العمر 24 عاما.

العائلة من منطقة الدرب الأحمر وسكان منطقة البساتين وعصام، كما تشير أمه، كان ماسح أحذية (جزماجي) ليس له في السياسية لا طول ولا باع صادف أن وُجد في المكان والزمان غير المناسبين يوم 25 شباط حين ألقي القبض عليه على أثر مشادة في منطقة المقطم كان شاهدا عليها. لُفقت له بحسب رواية بعض الناشطين تهمة الإستيلاء على شقة ووُضع تحت الحراسة المشددة في سجن طُرّة. وقد أصدرت بحقه إحدى المحاكم العسكرية حكما بالسجن لمدة سنتين لم يمض منهما سوى سبعة أشهر قبل أن يتوفى تحت ظروف غامضة، ربما تعذيباً. وإذا صح أنه عُذب يكون بذلك أوّل حالة وفاة عرف عنها تتم تحت التعذيب على يد المجلس العسكري الذي تولى السلطة بعد تنحي حسني مبارك وهو ما دعا البعض الى نعته بخالد سعيد جديد أو خالد سعيد ما بعد الثورة. تختلف الروايات أيضا حول ما أدى الى وفاته: ضُبط مع شريحة تلفون أدخلتها له أمه في إحدى زياراتها له، أو أدعى أحد حراس السجن الذين لهم دين عند عصام أن الأخير يتاجر بالمخدرات داخل السجن. اختلاف الروايات حول دوافع التعذيب يقابله اتفاق حول حصول التعذيب: إدخال خراطيم في فتحات جسده وضخ مياه مخلوطة بالصابون بحسب رواية منقولة عن مساجين رفاق له. ويقول البعض الذي يشكك في رواية التعذيب أنها تشير الى محاولة غسل معدته من كمية مخدرات ابتاعها لتهريبها داخل السجن.
د. عايدة سيف الدولة الناشطة في مركز النديم لضحايا التعذيب تقول أنها ومحام وطبيب لم يُسمح لهم بمعاينة الجثة إلا بعد انتهاء عملية التشريح التي تمت في ظروف غير مقبولة: "تم التشريح في مكان لا يصلح لأن يكون مطبخ حتى."

وتؤكد الناشطة منى سيف من هيئة "لا للمحاكمات العسكرية" استمرار حالة الإهمال والقمع والإلتفاف على القانون من قبل المجلس العسكري وتشير الى العدد الهائل (حوالى عشرة آلاف) من المعتقلين الذين مثلوا أمام محاكم عسكرية منذ اندلاع ثورة 25 يناير. وتقول سيف أن القمع لا يطال فقط من ينتقد المجلس بل أصبح أداة في يد من لهم حذوة لدى الشرطة العسكرية ويريدون التشفي من أحدهم وبالتالي أصبح ذوو الخلفيات الإجتماعية المتواضعة كعصام الأكثر عرضة للهذا النوع من الظلم. هكذا تحول عصام الضحية الى شهيد عند الشباب المتواجد أمام المشرحة الذين بدأ صبرهم ينفد وأصواتهم تعلو: "يا عصام يا ولد دمك حرر بلد" ثم يُبدوا استعدادهم بالتضحية هم أيضا فيصيحون "يا نجيب حقُهم يا نموت زيهم".

سقف المطالب يرتفع مصحوب بإيمان زائد بضرورة التصعيد ويلمح البعض الى فشل الطرق السلمية و احتمال اللجوء الى العنف: "يا طنطاوي اتلمّ اتلمّ لنخليها دم في دم" و "خدنا إيه من السلمية الشهدا بقوا بلطجية" و"كنا شباب مسالمين حنورّيكو غضب الحاقدين." يقفز أحدهم ويصيح "ليبيا ليبيا هي الحل، ثورة كاملة هي الحل." تسأل عن كيفية الإمتثال بليبيا فيؤكد ان الجيش المصري هو من يستطيع ان ينقلب على المجلس ولو بالسلاح.

بعد أكثر من عدة ساعات من الهتاف والطرق على باب المشرحة بين الحين والآخر، تخرج جثة عصام مسجاة في تابوت خشبي قاني اللون غبر مسقوف. يبحث أحدهم عن علم مصري ليرفرف به الى جانب النعش الذي يحمله الشباب على الأكتاف وينطلقون به كي يحققون وصية الأم: المرور والصلاة على جثمان عصام في ميدان التحرير قبل دفنه. تنطلق المسيرة المتواضعة لتخترق زحام القاهرة الخانق. تعصر السيارات المتلاصقة أجساد رافعي النعش حينا ويمرون على حافة أحد الجسور حينا إخر. مشاة وسامرو مقاهي الأرصفة وبائعون ومشردون يراقبون المشهد الطارىء بالكثير من الفضول والإستغراب والقليل من الحماس. يتقدم المشيعون عبر شارع قصر النيل نحو التحرير وقد حل الظلام. هناك في التحرير آلاف من المتظاهرين. يخترق النعش الحشود ليستقر في مسجد عمر مكرم الملاصق للميدان. هناك يتحول عصام الى شهيد لقضية جديدة. ينادي إمام الصلاة بالجموع وهو يتحدى المجلس العسكري: "إحنا مستعدين لتقديم مليون شهيد حتى تحكم مصر الشريعة الإسلامية."

ويب خاص بالموقع

التعليقات

أبيض وأسود - 1

من ابداعات زياد الرحباني في برنامج "بعدنا طيبين... قول الله" خلال الحرب، ان شخصا كان يشكو لصديقه انه عندما يستعمل الكاميرا الجديدة التي اشتراها، وهي ملونة، تأتي الصور كلها بالأبيض والأسود. فكان جواب الصديق ان المتقاتلين قد أحرقوا "الأخضر واليابس" في البلاد، وبالتالي من الطبيعي ان تأتي الصور بالأبيض والأسود رغم انها "مبدئيا" (بالاذن من البيان الوزاري) كاميرا ملونة!! ولذلك نقول: مجنون من يعتقد ان الأنظمة التي قامت وستقوم في دول "الربيع العربي" (الذي يعشقه جماعة "الريجنسي")، كانت او ستكون أفضل من الأنظمة التي سبقتها. فعندما يكون العالم كله سائرا الى الوراء، فمن الغباء الاعتقاد بأن البلدان المتخلفة يمكن ان تقوم فيها أنظمة أفضل من التي سبقتها. فالتقدم العلمي الهائل، وخصوصا في مجال الالكترونيات والاتصالات، لم ينعكس على أي مظهر آخر من مظاهر الحياة. الولايات المتحدة الأميركية كانت في خمسينات وستينات القرن الماضي أفضل بما لا يقاس، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا واخلاقيا مما هي عليه اليوم. في السياسة، كان يمكن مثلا ان يأخذ الرئيس الأميركي موقفا ضد العدوان الثلاثي على مصر، دون خوف من اللوبي اليهودي. ولم يكن الرئيس يقبل بأن يكذب على العالم كله لكي يبرر غزو العراق مثلا. في الاقتصاد، كان الميزان التجاري يحقق فائضا. ولم يكن ثمة دين عام بالتريليونات. في الحالة الاجتماعية، لم يكن هناك ملايين من المشردين (Homeless). وكان الضمان الصحي يشمل جميع المواطنين دون استثناء. وكان المواطنون يحصلون على تعويض البطالة من دون شروط تعجيزية... الخ في الحالة الأخلاقية (المنعكسة على السياسة والاجتماع والأمن والاقتصاد)، لم يكن المبدأ الاقتصادي الأساسي ان غاية جمع المال تبرر الوسيلة مهما كانت وضيعة وغير انسانية.

أبيض وأسود - 2

ولم تكن الجرائم ترتكب من أجل 10 دولارات. وكان الأميركي يترك سيارته غير مقفلة عندما يوقفها في الشارع او في موقف السيارات. وكان ينام وابواب منزله مفتوحة. أما اليوم فلا بد من استخدام عشرات الاقفال واجهزة الانذار في كل مكان... الخ (هل تذكرون ما كانت وسائل اعلامنا تنقله الينا من ان بائع الصحف هناك يترك بضاعته في الشارع فيمر الناس ويأخذون ما يريدون ويضعون الثمن في علبة غير مقفلة؟ وهل تذكرون انه حتى الكلاب هناك تقف بالصف؟؟) واذا كنا قد ذكرنا الولايات المتحدة بالذات فلأنها اعتبرت وتعتبر أغنى وأقوى دولة في العالم، وأكثرها حرية وديمقراطية. وما ينطبق عليها ينطبق على سائر دول العالم وان بدرجات متفاوتة. وثمة مظاهر عامة لا بد من ذكرها ايضا: في الصناعة والزراعة انحدر مستوى الجودة بشكل رهيب. فعمر السيارات والبرادات والغسالات وكل ما شابهها لا يقاس اليوم بما كان ينتج في السنين الخوالي. واللحوم والحبوب والخضار والفواكه فقدت الكثير من طعمها وحتى رائحتها. في الفنون العامة، انحدر مستوى الأدب والسينما والموسيقى والغناء... الخ، حتى ان بعض الأغاني ليست سوى مجموعة من السباب والشتائم لاغير... وفي بلادنا العربية بالذات كان التسامح الديني، وقبول الآخر، واحترام الاختلاف، من السمات الواضحة والعامة. أما اليوم فانحدرنا الى الطائفية فالمذهبية حتى وصلنا الى حد الاقتتال بين أبناء المذهب الواحد بسبب اختلاف المدارس فيه!! يمكن الاسترسال الى ما لا نهاية له في شرح هذا الواقع. ولكننا نختم بالقول: اننا لا نستغرب ان تكون الحال في مصر اليوم كما كانت قبل "الربيع العربي" ان لم يكن أسوأ. وحالة عصام عطالله ودهس الأقباط بالدبابات خير مثال.

هل هذه الحرية التي نادت بها

هل هذه الحرية التي نادت بها الثورة في مصر وهل ازلام المجلس العسكري ارحم من ازلام مبارك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
8 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.