برلمان التلامذة في «اليسوعية»: تخيّل حياة برلمانية سليمة


حسين مهدي

ما يعجز عنه النواب والوزراء في لبنان، يقوم به التلامذة. امس، انجز معهد العلوم السياسية في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اليسوعية المرحلة الأولى من برلمان التلامذة لهذا العام، بمشاركة 35 مدرسة من مختلف المناطق اللبنانية.
يحاول المعهد من خلال هذا النشاط تجسيد حياة سياسية سليمة في واقع شاذ يسوده شلل المؤسسات الدستورية وتعطيلها.

تعرّف الطلاب على وظائف البرلمان وعمل اللجان النيابية من خلال شرح قدّمه المدير العام للجلسات واللجان في المجلس النيابي، رياض غنوم. قدّم لهم سردا لتاريخ المجالس التمثيلية من نظام القائمقاميتين حتى اليوم، شارحا صلاحيات المجلس النيابية، وأهمها التشريع، وكيف تجري المبادرة بالتشريع. تناولت أسئلة الطلاب تأثير اتفاق الطائف على عمل الحكومة والمجلس النيابي، اذ عدلّت صلاحيات رئيس الجمهورية وتحوّل لبنان الى جمهورية برلمانية. رد غنوم أن لرئيس الجمهورية اليوم صلاحيات «معنوية»، كما استوضح الطلاب من غنوم عن طريقة انتخاب أعضاء اللجان النيابية ومراعاة المحاصصة المذهبية والمناطقية أيضا، وكانت أسئلة ومداخلات الطلاب لافتة جدا عن دور مجلس الشيوخ (المفترض) في الغاء الطائفية السياسية وسبب عدم تأسيسه بعد.
الجلسات الاربع الأخرى، تناولت كل منها مشاريع قوانين او مشاريع تعديل قوانين. قالت كارول شراباتي مديرة معهد العلوم السياسية: «لن نكتفي فقط بمناقشة هذه المشاريع واقرارها في المرحلة الثانية من المشروع، بل سنحرص أيضاً على متابعتها مع رؤساء الكتل النيابية». سعى المعهد الى اختيار قضايا حدثية لطرحها على طاولة النقاش.
طرح مدير ورئيس قسم الأبحاث في مبادرة المساحة المشتركة كرم كرم مشروع قانون اللامركزية الادارية، منطلقا من الاصلاحات الواردة في اتفاق الطائف والمقسمة الى فئتين: الأولى تؤدي الى اعادة توزيع السلطة، وهي التي جرى تطبيقها «لأن السلطة الحاكمة تحكم بطريقة تؤمن من خلالها مصالحها»، والثانية لم تطبق «عمدا» وترتبط بتكوين السلطة، ومن هذه الاصلاحات ما هو مرتبط بمجلس الشيوخ، المساواة بين المرأة والرجل، اصلاحات اقتصادية واجتماعية اخرى، وابرز هذه الاصلاحات طرح اللامركزية الادارية. قدّم كرم عرضا مطولا لأهمية اللامركزية الادارية، مذكرا بالاقتراحات المقدمة من الحركة الوطنية في السبعينات، وربط كرم مفهوم اللامركزية بعدد من القضايا الآنية، منها أزمة النفايات ودور البلديات الذي انتزع منها صلاحياتها لمصلحة شركة سوكلين، رابطا ذلك بالنظام السياسي الساعي لتكريس الولاءات للزعماء في ظل غياب أي وسيط «مؤسساتي» يمكن للمواطن تحصيل حقوقه أو ايصال صوته من خلاله، فيما السلطات المحلية ضمن الاصلاحات اللامركزية تسعى لتبديل هذه القاعدة الزبائنية. وقد قدّم كرم شرحا موسعا لمضمون مشروع القانون.


في الجلسة التي تلتها، تحدث زياد عبد الصمد، المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، عن مشروع قانون الجمعيات العثماني، لناحية التعديلات المقترحة لخفض سن الانتساب الى الجمعيات من 21 سنة الى 18 سنة. البداية كانت بلفت انتباه الطلاب المشاركين الى أنهم جميعا لا يملكون حق الانتساب الى جمعيات، وعند بلوغهم الـ 18 سنة، سيتمتعون بحقوقهم المدنية دون حقوقهم السياسية. ولفت عبد الصمد الى اشكالية «العلم والخبر» التي تستغله الادارة العامة لتحويله الى ما يشبه «الترخيص»، كما ربط حق التنظيم بحق التعبير وحق التجمع السلمي.
اللافت أن كلا من كرم وعبد الصمد قد تطرقا الى الحراك الشعبي ودوره، وكذلك كانت مداخلات وأسئلة الطلاب. الطالبة داليا عطالله سألت اذا ما كان اعتماد انتخابات على قاعدة لبنان دائرة واحدة هو المدخل الواسع الى اللامركزية الادارية، زميلتها ماريا تساءلت عن جدوى التظاهرات التي جرى تنظيمها طالما لم يتغيّر شيء في الواقع المعيش بعد، وآخرون أيضا سألوا عن الحراك ودوره في احداث تغيير وأخطاء الحراك وأولوية المطالب، فيما لفت أحد الطلاب بسخرية الى تخطي بعض النواب سن التقاعد ووصولهم الى سن العجز وهم لا يزالون نوابا.
رد كرم على الطلاب بالقول أن عملية التغيير «صعبة» لا تبدأ من مكان واحد، وهي امتداد لحملات عدة انطلقت مثل حملة الجنسية، العنف ضد المرأة، هيئة التنسيق النقابية، الاصلاح الانتخابي وغيرها، ولفت كرم الى أن «الضربة النوعية» التي قام بها الحراك في أزمة النفايات اظهارها على أنها أزمة نظام سياسي، وجرت عرقلة المحاصصة عبر ابطال المناقصات، وطلب كرم من الطلاب تبني دائما القضية المحقة، وتبني الحق في التحرك لأجلها، بصرف النظر عن الأطر المحركة، حيث أن هذه الامور الثلاثة منفصلة عن بعضها بعضاً.
بعد الاستراحة، طرحت الأستاذة والناشطة في معهد العلوم السياسية، ريتا شمالي، مسألة تعديل مواد قانون الضمان الاجتماعي، لناحية ضمان حق المرأة في أن تضمن زوجها دون شروط، فمن الشروط المفروضة على ضمان المرأة لزوجها أن يكون اما فوق الستين أو ذو عاهة. وفي الجلسة الأخيرة تطرقت أستاذة القانون الدولي العام وحقوق الانسان ماري غنطوس الى مشروع قانون الحق في الوصول الى المعلومات، وأهميته في تعزيز الشفافية ومحاسبة المواطنين للمسؤولين السياسيين، وتسهيل عمل الصحافيين في النشر.
احدى الطالبات طرحت، بطريقة غير مباشرة، حرمان اللاجئين المتزوجين بلبنانيات حق الاستفادة من خدمات الضمان الاجتماعي، وكان لافتا تهرّب شمالي من الرد على هذه القضية، عندها تدخلت غنطوس شارحة حق كل مقيم على الأراضي اللبنانية بضمان اجتماعي، وخاصة أن أحد الزوجين يقوم بدفع الضرائب المتوجبة عليها للجهة الضامنة.
في ختام اللقاء، أُلّفت الحكومة ورؤساء اللجان النيابية الأربعة عن طريق القرعة، على أن يستكمل هذا البرلمان عمله في الأسابيع المقبلة قبل اتمام المرحلة الثانية من المشروع.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]