«الثورة العربية الكبرى» في مئويّتها: تمرّد خونة ومخدوعين سهّل ضياع فلسطين



المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل، يلتقي الأمير عبدالله بن الحسين خلال زيارته الثانية إلى الأردن عام 1921 (مكتبة الكونغرس)
زياد منى

في الثامن من شهر حزيران عام 1916 انطلقت من الحجاز نحو شماليّه، قطعان أعراب، من أكلة القمل من أعشاشه في شعور رؤوسهم، كما صوّرهم فيلم لورانس العرب، الذي يعتز به أحفاد كبير السحرة والعمالة الحسين بن علي، مرجعًا لما تسمى الثورة العربية الكبرى.

وبالمناسبة، فإن والدة مليك الديار الأردنية الهاشمية أنطوانيت غاردنر كانت من ضمن فريق العمل، على ما يقال.
المراجع الرسمية العربية ذات الصلة، المختلفة التوجهات السياسية والفكرية، تصور ذلك التمرد على أنه ثورة على ظلم العثمانيين ومحاولاتهم تتريك العرب، وما إلى ذلك. كما يرى آخرون فيه تتويج نهوض قومي عربي ضد الأتراك، لكن عبر خطاب قومجي حماسي يفتقر إلى أي أدلة.
في الواقع إن ما كتب حتى الآن عن ظروف ولادة «الفكر القومي العربي» تفتقر إلى أسس نظرية عن كيفية حدوث ذلك ومكان ذلك ومسبباته، وأسسه الاقتصادية، ولا يتجاوز، في أحسن الأحوال، حديث الأبراج العاجية والصالونات المختلط هواؤها بدخان السجائر وفناجين القهوة السادة وغير ذلك من ملذّات حياة البعض. لكننا في حاجة إلى مراجعة وثائق الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في تلك العملية.
لنترك هذه المسألة المعقدة، حيث وجب الحديث فيها، علميًا، على نحو منفصل، ونركز أنظارنا على تلك «الثورة» المزعومة، علمًا بأن مقالي هذا يعتمد مراجعًا مجموعة من المؤلفات الحديثة الصدور، سبق لي أن عرضت بعضها في ملحق «كلمات» ضمن «الأخبار»، وفي منابر أخرى.
قلنا: إن المراجع العربية الرسمية، الخاضع محتواها لإملاءات فكرية وحزبية، وأوامر أنظمة ذات علاقة، تقول: إن الملك المؤسس، ثاني كبير السحرة والخيانة والعمالة، عبد الله بن الحسين، ممثلاً لوالده الحسين بن علي، توجه إلى القاهرة للقاء المندوب السامي البريطاني هناك، اللورد كتشنر ومن بعده هنري مكماهون، ليقترح عليه التحالف ضد تركية في الحرب العالمية الثانية مقابل مملكة عربية تضم المناطق الخاضعة للحكم العثماني/التركي في شرق البحر المتوسط، ذكر حدودها في ما تعرف باسم «مراسلات الحسين مكماهون»، علمًا بأن «ملك العرب» هذا، كما يحلو لبعضهم تسميته لم يعدّ أقاليم جنوب المتوسط في شمالي أفريقيا عربية، لذا لم يضمّهم إلى مملكته التي لا تساوي قيمتها نقطة حبر في بيان إعلانها.
يحق للمرء الآن السؤال عن أسباب اتصال الحسين بن علي بالإنكليز، وهل كان يمتلك جيوشًا وقادة عسكريين ومعلومات استخبارية لازمة لمواجهة الجيوش التركية في الحجاز وبلاد الشام، أو «بر الشام» كما كانت المنطقة تعرف؟ إجابتنا التي تعتمد المراجع ذات الصلة، تؤكد أنه لم يملك أياً من تلك المقوّمات الضرورية.
في الوقت الذي تشير فيه المراجع الرسمية إلى الحسين بن علي، بصفة الشريف، أي المتحدر من العائلة النبوية، فليس من المفهوم كيف يقبل هو طرح التمرد على الخلافة الإسلامية بالتعاون والتنسيق مع قوة يُفترض أنها «كافرة عدوة الإسلام»، وفق خطابهم هم وقبول تعيينه هو خليفة المسلمين بدل السلطان العثماني، مع أنه «تواضع» من بعد وقبل لقب ملك العرب!
بريطانيا بدورها واجهت مشكلة كبيرة في الحرب العالمية الأولى، حيث كان عليها محاربة ألمانيا والدولة العثمانية (المسلمة) المتحالفة معها، ما عنى أن انخراطها في حرب ضد الدولة الإسلامية سيعرّض وجودها الاستعماري في الهند [درة التاج الاستعماري البريطاني]، لأخطار حقيقية، وخصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من الهنود المسلمين في قواتها، وخشيتها من مشاركتهم في أي ثورة (حقيقية هذه المرة). لذا نجد بريطانيا تحاول العثور على مخرج من أزمتها المستعصية هذه بمحاولة التحالف مع الجناح المؤيد لبريطانيا داخل الدولة العثمانية وتقويته كي تنهي تحالفها مع برلين، وثمة تفاصيل كثيرة عن الموضوع يمكن للبحاثة العثور عليها في المراجع ذات الصلة.
محاولات بريطانيا هذه أخفقت، وخصوصًا بعدما أمر ونستن تشرتشل بغزو قواتها البحرية مضيق البوسفور في نيسان عام 1915، انتهت بكارثة عسكرية لها، والعملية هذه معروفة باسم «معركة غاليبولي»، وبالتركية «تشنكالي سفاسي»، التي انتهت بمقتل نحو ستين ألفا من قوات الحلفاء البريطانيين والفرنسيين والأستراليين والنيوزيلانديين، ونحو نصف مليون مصاب. كما ان مكالبة بريطانيا حلفاءها في الدولة العثمانية بقبول التنازل عن اسطنبول لمصلحة روسيا، وفق اتفاقية سايكس-بيكو، حسمت رفض ذلك الجناح السير مع لنجن وقوى الجناح العثماني الذي فضل التحالف مع برلين.
بريطانية كانت تعمل دومًا على أكثر من اتجاه؛ على سبيل المثال، لندن كانت تتخذ من سياسات الباب العالي القمعية تجاه الأرمن والمسيحيين على نحو عام ذريعة للتدخل أكثر فأكثر في شؤون اسطنبول الداخلية، لكن عندما اندلع انقلاب جمعية الاتحاد والترقي التي فرضت نظامًا عَلمانيًا، وأحلّت المواطنة بدلاً من الانتماء الديني والمذهبي، أصيبت لندن بالحيرة لأن ذلك كان يحقق بعض مطالب الغرب تجاه الباب العالي، لكنه أفقدها في الوقت ذاته أي ذريعة للاستمرار في تدخلاتها تلك.
بالعودة إلى المراجع ذات الصلة، نجد أن معضلة بريطانيا تجاه خوض حرب على دولة إسلامية، أنتج فكرة إثارة تمرد عربي، حيثما أمكن، على الباب العالي، يمنحها غطاءً لخططها الاستعمارية في شرق المتوسط. ولندن كانت تحتفظ بعلاقات وطيدة مع حركة آل سعود والوهابيين التكفيريين، الذين لجأوا إلى الكويت إبان حملات محمد علي وابنيه إبراهيم باشا وطوسون، مع أنه يقال إن الأول كان ابن زوجه. لكننا لن نلتفت هنا إلى علاقات لندن بآل سعود ذلك أن أكثر من مرجع تحدث فيها، وفي مقدم الذين تناولوها الجاسوس البريطاني كم فلبي، بل سنركز على جذور التحالف الأعرابي البريطاني.
ما يهمنا الآن علاقات لندن بالباب العالي في تلك المرحلة التي أُرِّخ لبعض جوانبها في مراسلات كبير مترجمي القنصلية البريطانية في اسطنبول، واسمه جرلد فتسمُريس، وهو إيرلندي كاثوليكي خدم التاج البريطاني عن طيب خاطر، حتى إبان ثورة شعبه على حكم لندن الاستعماري. أما علاقات الود بين لندن باسطنبول، فلم تكن من الأمور الجديدة، وتعود بجذورها إلى القرون الأوروبية الوسطى عندما استعانت ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى بالسلطان العثماني مراد الثالث في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي فرضه باب الفاتيكان عليها. التحالف استمر قرونًا، لكنه خفت بعض الشيء بعد غزو بريطانيا مصر واحتلالها عام 1882.
فرنسا من جانب آخر احتفظت هي الأخرى بعلاقات جيدة مع الباب العالي، أيضًا منذ تلك العصور، عندما طلب الملك الفرنسي فرنسيس الأول مساعدة القوات العثمانية (المسلمة!/ الكافرة!) إبان حكم السلطان سليمان القانوني في مواجهة خصومه الأوروبيين [المسيحيين] عام 1536. علاقات الدولة «السنية» بمختلف القوى الأوروبية البرُطسطنطية قديمة وعريقة، ذلك أن الهولنديين الذين ثاروا على الحكم الإسباني عام 1570 رفعوا شعار « Liver Turcx dan Paus / الأفضل تركي من أن تكون بابويا [أي تابعًا لبابا الفاتيكان]».
في الواقع قامت تحالفات عدّة بين السلطنة العثمانية المسلمة [السنية] من جهة وقوى أوروبية برُطسطنطية، ضد قوى أوروبية كاثوليكية؛ أما الكاثوليك فقد تحالفوا مع الدولة الشيعية ضد البرُطسطنط!
أما مسألة انطلاق التمرد الأعرابي على الباب العالي، فلم تكن في الأصل فكرة الحسين بن علي، ولا أبنائه، ولا قيادات سورية، بل نتاج توافق أنغلو-فرنسي جرى عبر مراسلات مطولة وكثيرة توجت في نهاية المطاف بمؤتمر عقده الطرفان في فرنسا يومي 30 و31 كانون الأول/ ديسمبر 1915 وحضرته مجموعة من أهل الاختصاص الفرنسيين قادهم م غو (M. Gout) رئيس قسم الأمور الإسلامية في وزارة الخارجية، والبريطاني هنري مكمَهون، وقرروا قيام بريطانيا بحثّ عملائها في الحجاز على الاستعداد للتمرد العسكري. كما اتصل ممثلوها بخديوي مصر المخلوع، حلمي باشا المقيم في منفاه السويسري، فبارك هذا التحالف الذيلي، ربما طمعًا في استعادة منصبه الشكلي في مصر الخاضعة للاحتلال البريطاني. أما فرنسا، فقد تكفلت بحثّ عملائها في سوريا على التحالف مع أذناب لندن والمشاركة في التمرد المزعوم، وتفاصيل هذه التحركات متوافرة في الوثائق الرسمية ذات الصلة.


لكن كل ما سبق لا ينفي إطلاقًا أن بعض الأفراد السوريين كانوا وطنيين شرفاء، شاركوا في التمرد جهلاً بحقيقة المخطط الاستعماري وعلاقات كبير السحرة وأبنائه الذيلية مع الاستعمار البريطاني. بل نزيد ونقول: أين فيصل بن الحسين بن علي، العميل والكاذب الذي وقّع ما يسمى «صلح باريس»، الذي منح فلسطين للصهاينة، ووقع اتفاقًا آخر مطابقًا مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن، من عميد شهداء بلاد الشام يوسف العظمة! لكن أين الثرى من الثريا؟!
وثائق الاستخبارات البريطانية تؤكد أن قوات الأعراب التي دخلت الحجاز، كانت بقيادة بريطانيا واعتمادًا على المعلومات الاستخبارية التي كانت تجمعها منذ ما قبل الحرب انطلاقًا من مصر والكويت، ومن خلال علماء الآثار والرحالة، رجالاً ونساءً، وغيرهم من الجواسيس الذين كانت ترسلهم إلى شرق المتوسط.
إضافة إلى ذلك، فإن القوات البريطانية، ومن ضمنها قوات من أستراليا ونيوزيلاندا وغيرهما، هي التي أنجزت احتلال بلاد الشام بقيادة الجنرال أللنبي صاحب المقولة المنسوبة إليه، واضعًا بسطاره المغبرّ على قبر الناصر صلاح الدين في الجامع الأموي في حاضرة الأمويين: «ها قد عدنا يا صلاح الدين - الآن انتهت الحروب الصليبية»، وصولاً إلى الحدود السورية التركية الحالية، تنفيذًا لاتفاقية سايكس بيكو، وثمة مؤلفات حديثة وقديمة تؤرخ لذلك الاحتلال وتفاصيل المعارك على نحو شبه يومي.
بالعودة إلى كبيرهم، الحسين بن علي الذي جلبه السلطان العثماني إلى اسطنبول، فالمراجع ذات العلاقة تذكر أن ترجمان القنصلية البريطانية في حاضرة العثمانيين، الآنف الذكر، هو من اقترحه واليًا على الحجاز. الترجمان كان هو الممثل الحقيقي للندن في العديد من عواصم العالم، منذ العصور الأوروبية الوسطى، وثمة مؤلفات مخصصة لهذا الموضوع. أي إن مسألة اختيار الحسين بن علي والتمرد الأعرابي، المسمى «ثورة» كانت مشروعًا بريطانيًا خالصًا، شاركت فيه فرنسا وروسيا القيصرية، إتمامًا لاتفاقية سايكس - بيكو لاقتسام تركيا وشرق المتوسط، أو ما يعرف بجزيرة العرب.
نهاية الحسين بن علي معروفة، إذ حاول التمرد على لندن التي صنعته، فألقت به في السجن بعدما تمرد على أوامرها وأعلن نفسه «ملك العرب». أما أبناؤه «البررة» من العائلة الشريفية، فلم يكترثوا لمصير والدهم وتمسكوا بولائهم المطلق «للأم الحنون» بريطانيا، ولسياساتها الاستعمارية في المشرق العربي ومشاريعها الصهيونية، والأحفاد وأبناء الأحفاد نراهم على الدرب ذاته سائرون إلى يومنا هذا؛ فأنظمة سايكس بيكو هذه، من «عبر الأردن» إلى مشيخات أعراب العمالة والعمولة في الخليج الفارسي ليست سوى قسم من دوائر وزارة الخارجية البريطانية.
أما أبناؤه، علي وعبد الله وفيصل فقد تولى أولهم ولاية الحجاز، بعدما أرغم والده السجين على التنحي، وجرى تقسيم سوراقية إلى سوريا والعراق، ومن ثم تقسيم فلسطين، وفق المفهوم التوراتي السائد. فيصل عُيّن ملكًا على العراق الذي جرى استحداثه اصطناعيًا. أما المليك المؤسس، عبد الله بن الحسين، وكان محتقرًا في العائلة التي كانت تطلق عليه نعت عنصري هو «جوز العبدة›»، إشارة إلى زواجه بابنة إحدى جواريه السوداء البشرة واسمها ناهدة، فعُيّن أميرًا «تحت التجربة لمدة ستة أشهر على شرق فلسطين [الذي أطلق عليه الاسم التوراتي «عبر الأردن»]. وأنيطت به مهمة منع أي حركة معادية للصهيونية في فلسطين، والقضاء على أي حركة سورية في «عبر الأردن» معادية للاحتلال الفرنسي هناك». وعندما قُتل، ربما بمعرفة الاستخبارات البريطانية، بعدما نفذ واجباته في تسهيل اغتصاب الحركة الصهيونية قسماً من فلسطين وتشريد أهلها، نعاه الاستعماري القبيح ونستن ترتشل بالقول: «… فقد اليهود صديقاً وشخصاً كان مؤهلاً لتذليل المصاعب»، أي احتلال الصهاينة فلسطين وطرد أهلها منها والعمل على محاولة محو الاسم فلسطين من الذاكرة الجمعية.
ثمة أمور وتفاصيل كثيرة ذات علاقة بتلك الأحداث الجسام التي ما زلنا نعاني آثارها إلى اليوم. لكن طبيعة عملنا هذا، والمجال المتاح له، لا يسمحان بالاسترسال أكثر من هذا. غير أننا نود الإشارة، ولو باختصار شديد، إلى أمور ذات علاقة، وإن كان لا يبدو أن بعضها مهم على نحو حاسم.
ثمة مسألة أخرى وردت في النسخة الأصلية لمذكرات أحد الشهود الفلسطينيين على صراعات العائلة الشريفية، وتهمة الجنون التي أُلصقت بالملك طلال. فقد ذكرت المذكرات، قبل تنقيحها ونشرها بما يرضي نظام عمّان، أن طلال كان يتهم زوجه زين التي أجبر على الاقتران بها، بخيانته مدّعياً أن أحد أبنائه ليس منه. كما ذكرت تلك المذكرات، أن مجرد ذكر زين أمامه كان كافيًا لاستثارته ولانفعاله، وهو ما حرص بعض أعضاء العائلة على فعله لتسهيل تمرير إلحاق تهمة الجنون بطلال العروبي عدو الإنكليز.
العلاقة الذيلية لهذه العائلة ببريطانيا، وولاؤها المطلق للندن وسياساتها ومشاريعها الاستعمارية، كانا يتسيدان كل الأمور. فعندما قررت لندن عزل الملك طلال عن عرش «عبر الأردن»، الذي عرفته لندن باتجاهاته العروبية المعادية للإنكليز، كما يظهر في المؤلف الفذ «الملك عبد الله وشرق الأردن» لماري ولسن [وهو مؤلف معتمد رسميًا فقط بنسخته الإنكليزية لدى حكام عمّان، ومسجل مرجعًا على موقع المغفور لذنوبه الحسين بن طلال. لكن ترجمته العربية ممنوعة، إذ صادرت السلطات الأردنيّة مئات النسخ التي أرسلها الناشر إلى الأردن]. وقامت بإبعاد شقيقه نايف إلى لندن، لمنع توليه الحكم والإفساح في المجال أمام ابنه الحسين «ابن زين، سليل الخيانة والتآمر» وفق حُكم خالد الذكر جمال عبد الناصر، والبقية معروفة. ومع أن جلالة مليك البلاد الحسين تزوج أولاً [الشريفة] دينا عبد الحميد، إلا أن والدته زين أجبرته على طلاقها فتزوج من بعدها الإنكليزية أنطوانيت غاردنر، والدة عبد الله الثاني ملك الأردن الحالي، لكن فقط بعدما أخذ إذنًا من الرئيس جمال عبد الناصر!
نصل الآن إلى مسألة المراجع والمعارف الضرورية واللازمة لإعادة كتابة تاريخ المشرق العربي، ومعرفة تفاصيل الأحداث والترتيبات التي سبقت ما تسمى «الثورة العربية الكبرى». فالمراجع المتخصصة بتلك المرحلة قليلة، وكثير منها مكتوب بأفكار مسبقة، وبعضها يفتقر إلى شمولية المعرفة اللازمة لمعالجة المواد ذات الصلة، لكن من المؤكد أنّ على الباحث الجدي والاستقصائي، في هذا الموضوع، الاطلاع على مجموعة كبيرة من المراجع الإنكليزية والفرنسية والعثمانية والتركية والألمانية والروسية، ثم العربية، إن توافرت. وعلى الباحث الاعتماد أولاً، وقبل كل شيء، على الوثائق الأصلية، ومنها وثائق مختلف الحكومات الغربية وتقارير القناصل لحكوماتهم، وتقارير الاستخبارات، والرسائل الخاصة المتبادلة بين القناصل وزملائهم وأصدقائهم. إضافة إلى ذلك، من الضروري للباحث أن يكون على معرفة بالأوضاع في أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى، والعلاقات التي كانت تربط بين التحالف الثلاثي، أي بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. كما وجب معرفة موازين القوى داخل حكومات الدول الأوروبية المؤثرة، ومشاكلها وعلاقاتها؛ على سبيل المثال مشاكل بريطانيا في إيرلندا، ونمو الحركة الاستقلالية التي قادت إلى الحرب الإنكليزية - الإيرلندية وانتهت بتقسيم البلاد واستقلال الجزء الجنوبي من الجزيرة عن لندن.
ومن الأمور الأخرى الواجب تتبعها الحركة الماسونية ودور الماسونيين الإنكليز والفرنسيين، والعثمانيين الأتراك والعرب واليهود… ذلك أن بعض قيادات «جمعية الاتحاد والترقي» كانوا ماسونيين مثل طلعت بي، ومنهم من كان أيضًا من دونمة سالونيكي، علمًا بأن علاقات العثمانيين في «جمعية الاتحاد والترقي» بالمنظمة الصهيونية العالمية وصلت إلى تنسيق غير مسبوق.
كما انّ من الضروري الاطلاع على موازين القوى العسكرية للقوى الغربية الرئيسة المشاركة في الحرب، وهذا يتضمن طبعًا الولايات المتحدة الأميركية.
ربما أفضل ما ننهي به مقالنا هذا، هو التأكيد على أنها لم تكن ثورة ولا عربية، والكبير فيها فقط كمية الخداع والتضليل والكذب والتآمر والخيانة. انظر قصيدة الأديب العراقي معروف الرصافي في الحسين وأبنائه، لتعرف رأي الشارع العربي في تلك الثورة المزعومة التي سهلت اغتصاب الصهاينة فلسطين، وقادت عرب المشرق وبلادهم إلى ما هم عليه الآن.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]