«حرب» رواتب في غزة... و(لا) منح قطرية وإيرانية



موظف في غزة يعرض ما تبقى من راتبه بعد الخصومات التي وصلت إلى 40% من الرواتب (آي بي ايه)

لم تكد غزة تنجو من سيناريو الحرب اللائحة في الأفق، ولا من مواجهة أمنية ربما تعقب اغتيال مازن فقها، حتى تجددت أزماتها وولدت الأولى أخرى. «مشكلة رواتب موظفي غزة» صارت اثنتين: الأولى قديمة تخص حكومة «حماس» السابقة، والثانية بالأمس، بعدما أعلنتها رام الله «حرباً» على موظفيها في القطاع

عبد الرحمن نصار, يوسف فارس

غزة | رغم الأحقية الظاهرية في خطاب حكومة «التوافق» الفلسطينية عن «حكومة ظلّ» تسيّر قطاع غزة بعيداً عن إدارتها الكلية، ومن ثمَّ خطوة حركة «حماس» بإعلان تشكيل «لجنة لإدارة وزارات غزة»، فإن الإجراءات الأخيرة لرام الله لم تطاول موظفي «حكومة غزة السابقة» هذه المرة، وإنما ضربت قطاع الموظفين الغزيين بأكلمه، وهو الذي يشكل عماده موظفون، إما ينتمون إلى «فتح» وقريبون منها، وإما كوادر مهنية، أقلّه أنها بعيدة عن «حماس» ومناصرتها.

في موعد استلام راتب الشهر الجاري، فوجئ الموظفون الذين يتقاضون أرزاقهم على قيد السلطة في رام الله (عددهم قرابة 58 ألفاً) بمجموع خصومات لم يشبه هذه المرة خصم بند المواصلات أو المخاطرة كما حدث مع فئات أخرى في السنوات السابقة، بل جاءت النسبة عالية جداً ووصلت في بعض الرواتب إلى 40% تحت دعوى «الأزمة المالية الخانقة»، وذلك بعد التقليصات الأوروبية المبنية على أنه لا داعي للدفع لغزة ما دامت خارج إطار السلطة.
وتدافع «الوفاق» عن نفسها، بالقول على لسان المتحدث باسمها، يوسف المحمود، إن «الخصومات على طاولت العلاوات وجزءًا من علاوة طبيعة العمل دون المساس بالراتب الأساسي... ثمة حصار مالي علينا، وأيضا تمرد على المحكمة الدستورية، وكذلك بسبب تفعيل حماس اللجنة الإدارية التي استولت على أموال الجباية والإيرادات». لكنّ المنطق الذي تتحدث به رام الله (خصم العلاوات) هو مشكلة صنعتها السلطة بأيديها عام 2007، حينما قررت بعد إعلان رئيسها، محمود عباس، حالة الطوارئ في غزة، أن على الموظفين الذين يتقاضون رواتب منها أن يجلسوا في بيوتهم.
ذلك القرار خلق حالة من التناقض، قائمة على مبدأ أن من يذهب إلى مقر عمله يُفصل منه، وهؤلاء احتوت «حماس» عدداً منهم وضمّتهم إلى موظفيها الذين يعانون غياب الرواتب وتقطّعها في قصة أخرى، فيما من يلتزم بيته يُصرف له راتبه. بعد سنوات، تبين لحكومة رام الله أنه يجب خصم المواصلات والبدلات والنثريات، وحالياً العلاوات، كونهم ليسوا على رأس عملهم، كما كانت قد قررت سابقاً اتخاذ إجراءات بحق من سافر خارج البلاد لإكمال الدراسة أو للهجرة.
اليوم، تحت طائلة القرار الأوروبي الناتج في جزء كبير منه عن تصريحات السلطة نفسها اتجاه غزة طوال سنوات، وضمن تنفيذ التهديد الذي توعد به عباس غزة عموماً، و«حماس» خصوصاً جراء تشكيلها «اللجنة الإدارية»، اكتشف الموظفون على أبواب الصرافات الآلية ما سموها «مجزرة الرواتب». وهذه «المجزرة» تأتي أيضاً بعد شهر واحد من طرح مشروع التقاعد المبكر على موظفي غزة. وعملياً، إن بقاء 60 أو 70% من الراتب يساوي قيمة ما سيحصله بعد التقاعد فعلياً!
أيضاً، تأتي هذه الخطوة بعد وقت قصير على لقاء جمع وفدي «حماس» و«فتح» في بيروت، في مقر مدير قوى الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وبرعاية من الرئيس نبيه بري، كان ممثلاً فيه عن الأولى: موسى أبو مرزوق وعلي بركة وأسامة حمدان، وعن الثانية: عزام الأحمد وفتحي أبو العرادات والسفير أشرف دبور، وهو ما ينفي أن إشكالية تعرقل المصالحة سبب رئيسي في ما حدث.
وكانت الحكومة البريطانية، مثلاً، قد أعلنت مطلع العام الجاري نيتها وقف المساهمة في دفع رواتب غزة، وذلك لأن «بعض موظفي السلطة في غزة لم يتمكنوا من العمل منذ سيطرة حماس»، رغم أن عمر انقطاع هؤلاء عن العمل تجاوز عشر سنوات. كما كان مسؤولٌ في «المفوضية الأوروبية» في القدس المحتلة، أعلن أخيراً أن الاتحاد الأوروبي تبنى للعام الجاري سياسة دعم مالي جديدة بشأن غزة بالتنسيق مع السلطة، مع العلم بأن عن فاتورة رواتب السلطة، لمجمل 180 ألف موظف، تصل إلى 38 مليون دولار شهرياً، وفق بيانات وزارة المالية.
من يُسمون «المستنكفين» وفق وصف «حماس» لهم، نظموا وقفات عفوية أمام البنوك، رافعين شعارات مثل «غزة ليست جنوب أفريقيا»، و«لا لسياسية الفصل العنصري»، قائلين إن الرئيس يتعاطى مع غزة من زاويتين: «حماس» و(محمد) دحلان، أي الأمور التي تهدد شرعيته. وكان لافتاً أن الخصومات لم تطاول الموظفين الجالسين في بيوتهم جبراً، بل حتى موظفي «تلفزيون فلسطين» وجامعة الأقصى، الذين هم على رأس عملهم.


أتت تداعيات الحدث سريعة، بل تصدرته اللجان التنظيمية في حركة «فتح» نفسها، إذ أعلنت تقديم استقالة جماعية من المهمات الحزبية. وبدأ ذلك أمين السر لإقليم الشمال حاتم أبو الحصين، الذي قدم استقالته، تبعه نائب أمين السر لإقليم الوسطى سعيد الصطفاوي، كما أعربت قيادات وازنة ومستشارون مقربون للرئيس عن رفضهم ما حدث لكن مع تحفظهم على نشر أسمائهم. وبينما طالبت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، عباس، بالتراجع عن هذه الخطوة، لم يتأخر محمد دحلان عن التقاط خيوط الأزمة، ففتح النار على غريمه، قائلاً في بيان، إن «ما ارتكبه عباس وزمرته جريمة كبرى استهدفت لقمة عيش أبناء غزة... لنجبر هذا الطاغية الفاسد على التراجع».
بالعودة إلى لقاء بيروت الأخير، كانت النقطة الأبرز «بحث المبادرة القطرية لحل أزمة موظفي غزة» التابعين لحركة «حماس» قبل أن تضاف إليها أزمة موظفي غزة المحسوبين على قيد السلطة، علماً بأن مصدراً في «فتح» كان قد حضر الاجتماع أكد أن «المبادرة القطرية تتضمن إنشاء صندوق لموظفي قطاع غزة»، دون الإفصاح عن تفاصيل أخرى. لكنه أشار إلى أن ذلك مرهون بنتائج مباحثات في سويسرا عُقدت قبل عدة أشهر، وكانت تدور حول «إنشاء صندوق عربي يرعى رواتب الموظفين الذين عينتهم حماس لعدة أشهر قبل أن تتم تسوية أوضاع الموظفين ثم إدراجهم في السلك المالي للسلطة».
في المقابل، كان نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، قد تقدم بطلب من القطريين لتقديم منحة للموظفين قبل شهر رمضان المقبل، فيما رجحت المصادر أن تستجيب الدوحة لهذا الطلب كما العادة، خاصة أنها كانت قد قدمت منحة مالية سابقة إلى موظفي «حماس» عبر المبعوث الأممي الأسبق طوني بلير، لكن مصادر وازنة في غزة نفت ذلك أيضاً.
من جهة ثانية، تنقل مصادر سياسية مطلعة أن السبب الرئيسي لهذه الأزمة هو إثارة الناس في وجه «حماس» عبر إشعارهم أن ما يحدث هو رد فعل «منطقي» على قرار الأخيرة تشكيل لجنة إدارية للقطاع، خاصة أن ثمة طلباً قُدّم إلى الإيرانيين بتمويل هذه اللجنة (بما يشمل رواتب الموظفين)، في ظل الدعم الذي يلقاه رئيس المكتب السياسي في القطاع، يحيى السنوار، من مجمل «محور المقاومة»، لكن مصادر إيرانية وأخرى في «حماس» نفت، في أحاديث إلى «الأخبار»، أن يكون هناك قرار إيراني بالعودة مجدداً إلى دعم القطاع الحكومي في غزة.


إعدام عملاء في غزة قريباً

تفيد مصادر فلسطينية قريبة من المقاومة بأن «حكومة غزة» قررت البدء بتنفيذ أحكام إعدام بحق عدد من المتخابرين مع إسرائيل. ويتقاطع ذلك مع تأكيد النائب العام في غزة، إسماعيل جبر، البدء بتنفيذ حملة إعدامات بحق عدد من المتهمين بالتخابر خلال الأيام المقبلة. وقال جبر في تصريح وصل «الأخبار» إن الأحكام ستنفّذ بحق متهمين صادرة بحقهم أحكام نهائية، وهم تقريباً أربعة أشخاص، قد يتبعهم آخرون.
هذا القرار يأتي ضمن التبعات والشكوك الدائرة حول دور العملاء في عملية اغتيال القيادي في الجناح العسكري لحركة «حماس»، مازن فقها، قبل نحو عشرة أيام، ويتزامن أيضاً مع فتح وزارة الداخلية في القطاع «حملة لتوبة العملاء»، شبيهة بالتي أعلنت قبل أربع سنوات، علماً بأن المتحدث باسم الوزارة، اياد البزم، قال إن التحقيقات في اغتيال فقها «بيّنت وجود تورط مباشر للعملاء».
وفق المصادر الأولى، أُجّلت عملية تنفيذ الإعدامات لأسباب أمنية، فضلاً عن أن تنفيذها سوف يجلب انتقاداً متكرراً من رام الله في هذا الشأن، خاصة في الوقت الذي تساهم فيه الأخيرة إلى جانب إسرائيل في تكوين صورة مهولة لغزة بعد فوز يحيى السنوار في انتخابات «حماس» الداخلية.
إلى ذلك، من المقرر أن يعقد رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل، مؤتمراً صحافياً خلال أيام، للإعلان رسمياً عن المسودة النهائية للوثيقة السياسية للحركة. ووفق مصادر تحدثت إلى «الأخبار»، سيجتمع مشعل مع عدد من الصحافيين والكتّاب للإجابة عن تساؤلاتهم حول الوثيقة، ولشرح أبرز البنود فيها، وذلك بعد أيام من جدل إعلامي كبير صاحب تسريب أجزاء منها.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]