لا اختبارات يعوّل عليها في لبنان؟


زينب حاوي

بعدما كانت الكاميرات موضوعة ضمن مساحة محددة، ومسلّطة على أشخاص ارتضوا لأنفسهم أن يتسمروا تحت أضوائها، لنقل طرق تصرفاتهم وأحاديثهم وتفاعلهم مع المحيطين، تحت ما سمّي «تلفزيون الواقع» في إطار مفلتر بالطبع، لا ينقل بأمانة حيوات هؤلاء في ميادين مختلفة، راجت كاميرا أخرى، هذه المرة مخبأة، ومخفية.

هدفها اختبار ردود الفعل إزاء مواقف نافرة اجتماعياً. راحت تنقل هذه السلوكيات وتبني عليها أحكاماً ضمن برامج «التجربة الاجتماعية»، التي دخلت لبنان في السنوات الماضية، واستخدمت ضمن «البرامج الاجتماعية» كفقرات متلفزة، حيث استُبدلت الكاميرا الخفية التي ألصقت بالمقالب والكوميديا، بالاختبارات الاجتماعية لقضايا جدلية، تختلف حولها ردود الفعل، والسلوكيات المصاحبة، كالعنصرية، والمعاملة السيئة لكبار السن، والتحرش. هذا ما فعله «حكي جالس» (تشرين الأول/ نوفمبر 2014) على lbci، و«بلا طول سيرة» (المستقبل). في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، نشأ نزاع قانوني حين اتهمت شركة «سكوب برودكشن» الإعلامي زافين قيومجيان باستخدام فكرة التجربة الاجتماعية في برنامجه في مخالفة لحقوق الملكية الفكرية التي سجلتها هذه الشركة في وزارة الاقتصاد. استدعي قيومجيان في خطوة لافتة ومنفّرة في آن إلى «مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية والملكية الفكرية» وحُقق معه لأكثر من 3 ساعات. وفي تصريح سابق لـ «الأخبار»، قال زافين إنّ فكرة «التجربة الاجتماعية» موجودة عالمياً منذ عام 2000، ولا يحق لأحد أن يحتكرها».
وأخيراً، خرج برنامج «مش أنت» (إعداد وتقديم إيلي كيروز) على «الجديد»، وقبله «الصدمة» بنسختيه الأولى والثانية على mbc، الذي صوّر جزء منه، في لبنان كما في العراق والسعودية، ومصر والإمارات. البرنامجان يحظيان بنسبة مشاهدة عالية، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب إثارتهما حشرية المشاهد/ة في الاطلاع على ردود الفعل حيال المواقف التي يوضع فيها «المختبَرون/ات».
الأهداف المصاحبة لهذه التجارب المتلفزة على طريقة الكاميرا الخفية، هي كشف لسلوكيات الناس، وطريقة تفكيرهم، وتعميم بعد ذلك الأحكام الصادرة عنهم، في التماس تغيير ما. مثلاً، في حلقة التحرش بامرأة جميلة وجذابة في مقهى، عمّم برنامج «مش أنت» بأن ذهنية الشباب اللبناني قد تغيّرت، ولم يعدّ يسوّغ التحرش بذريعة أن المرأة الجميلة «قابلة». لكن إشكالية اختلاف المناطق وتنوّع الذهنيات اللبنانية تطرح هنا بخلاف الاختبار الذي أجري مثلاً في المترو في فرنسا حيال امرأة محجبة. نحن هنا في مكان عام منوع الأجناس والجنسيات والعقليات. عدا هذه الإشكالية، يمكننا طرح سؤال آخر حول «تلفزة» هذه البرامج، أي فلترتها وتوضيبها بشكلها النهائي، وما يهمل منها وما يختار لعرضه وانتقاء ما هو جذاب و«مثير».


لعلّ تجربة جامعة ALBA في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، دليل ربما على فشل هذه التجارب، أو أقله طريقة عرضها، وتحقيق أهدافها المبتغاة. عودة إلى هذا التاريخ بالتحديد، يوم سرِّب فيديو اختباري لطالبات هذه الجامعة في قسم «تعدد الوسائط» (multimedia)، يتحدثن الفرنسية، ويعترفن برفضهن مواعدة شاب سوري لأنه «لا يمتلك الثقافة ولا القيم»، عدا إيرادهن أحكاماً وعبارات قاسية بحق هذا الشاب، وصلت إلى حالة التحقير والعنصرية. كان هذا الاختبار الأكاديمي الداخلي يهدف إلى إخراج ما تتداوله عادة شرائح مجتمعية لبنانية محددة، من خطاب عنصري وتحقيري بحق السوريين وصور منمّطة عنهم. خطاب تفاقم مع ازدياد أعداد اللاجئين في لبنان. لكن هذا الاختبار لم يحقق هدفه بعدما تسرّب على وسائل التواصل الاجتماعي، ولاقى ردوداً عنيفة على الطالبات والجامعة على حدّ سواء. بحسب سامي مجاعص أستاذ المادة وقتها (أجبر على ترك الجامعة بعد هذه الضجة)، كان الشريط يرمي إلى «إعادة سرد هذه الكليشهات»، وكشف «العنصرية المقنّعة» بغية «خلق وعي ومساحة حوار». لكنّه «فُهم بشكل خاطئ»، وقامت إدارة «الألبا» بحذفه عن حسابها، وأقرّ الأستاذ الجامعي وقتها بـ «فشل المشروع الطلابي»، محملاً نفسه المسؤولية، ومقدماً الاعتذار إلى كل الذين «جُرحت مشاعرهم». سبب الفشل يكمن أولاً في تقديم الواقع بكل فجاجته أي إخراج هذا الخطاب العنصري بكل مفرداته وسياقه المهين، بحق الشباب السوري، وهذا الأمر لم يتحمله الناشطون بل تعاملوا معه بطريقة عكسية وخلق وقتها خطاباً عنصرياً مضاداً سورياً هذه المرة. ثانياً، لم ينتظر هؤلاء نهاية الفيديو الذي يحضر لشريط آخر يعرض لاحقاً يتضمن إجابات مغايرة عن سؤال مواعدة الفتاة اللبنانية لشاب سوري، بل ساهم التداول السريع والسطحي لهذا الفيلم القصير (مساوئ السوشال ميديا)، في اجتزاء سياقه وهدفه ودمغه ضمن الخطاب العنصري الموجه.
فشل الشريط التجريبي الجامعي، أسهمت فيه أيضاً أجواء خلّفتها حلقة «هدّي قلبك» على otv، الذي يصنّف نفسه ضمن برامج المقالب والكاميرا الخفية. ما ظهر يومها في حلقة العامل السوري، ومعاملته بطريقة مهينة، واستغلال وضعه الاجتماعي والقانوني في لبنان، لـ «اختبار» ممارسات مخزية بحقه، يتعدى بمكان برنامج مقالب، ليتحول إلى مساحة انحطاط وتجرد من أيّ إنسانية. طبعاً، هذه الحلقة بالتحديد التي ضجّ بها المجتمع اللبناني، ومواقع التواصل الاجتماعي، أجبرت مقدم البرنامج مارسيل خضرا على الاعتذار لاحقاً بسبب كمّ السادية التي وضعها في هذه الفقرة.
إزاء ما تقدّم، لا تعدو برامج «التجارب الاجتماعية» في لبنان على وجه الخصوص، عن كونها مساحة تلفزيونية أو افتراضية إلكترونية (بما أن أغلبها يحظى بنسب مشاهدة عالية على يوتيوب)، تناسب فرق المتلصصين، الذين يحبّذون الاختباء وراء الشاشة ومشاهدة غيرهم يقع في أفخاخ هذه البرامج لمعرفة ردود الفعل، وتهنئة أنفسهم بأنهم لم يكونوا ضمن هؤلاء المختَبرين/ ات. وبما أن لبنان مساحة متنوعة طائفياً وايديولوجياً حتى بين الأزقة والأحياء، يصعب تعميم نتائج مجموعة هذه الاختبارات على الشرائح اللبنانية في العموم. لذا، فهي تبقى محصورة في إطار تنفيذ إنتاج تلفزيوني «حديث» على اللبنانيين، رغم إنعاشها عدداً من المشاعر الإنسانية في نهاية المطاف، وتشكيلها مرآة نحتاجها في يومياتنا كي نوقظ الإنسان داخلنا الذي لا تهمه لا الأعراق ولا الجنسيات ولا الطبقات الاجتماعية.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | HawiZeinab@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]