الحلم الريعي ضُرِب في الخليج ... وممالك النفط تهرب إلى الأمام



الخبير الاقتصادي الجزائري أحمد هنّي


ثمة تناقضات ترتبط بوضع مختلف الشرائح الخاضعة للاضطهاد (عن الويب)

في هذه المقابلة مع «الأخبار»، يتحدث الأستاذ في الاقتصاد الذي شارك في حكومة مولود حمروش الإصلاحية في الجزائر بين عامي 1989 و1991، أحمد هنّي، عن التقارب الروسي ــ السعودي في مجال الطاقة، وعن التناقضات الداخلية في ممالك النفط في الخليج. يقوم مؤلف كتاب «الرأسمالية الريعية: من مجتمع العمل الصناعي إلى المجتمع الريعي» (2012) وكتاب «المتلازمة الإسلامية وتحولات الرأسمالية» (2008) أيضاً بتحليلٍ بنيوي لنماذج تطور السوق النفطية وحقيقتها

لينا كنوش

■ كيف تحللون التناقضات الداخلية التي تشهدها الممالك النفطية في الخليج والتي بلغت ذروتها في الأزمة بين الرياض والدوحة؟
يُعتبر ذلك نوعاً من الهرب إلى الأمام إزاء التناقضات التي أضحت حادة جداً. من ناحية الأرقام، بعدما وصل معدل الدخل الفردي في السعودية إلى ذروته العليا عام 2012 برقم بلغ 24.888 دولاراً أميركياً، انخفض إلى 24.650 دولاراً عام 2013 وإلى 24.400 دولار عام 2014 ليصل إلى 20.400 دولار عام 2015.

وفي نهاية عام 2015، تحولت الحكومة إلى حكومة تقترض، وترافق ذلك مع تخفيض معدل تصنيف الدين السيادي للسعودية من قبل وكالات التصنيف الائتماني التي انتابها القلق جراء الوضع المالي للبلاد، ما أدى إلى عرقلة الاقتراض من الخارج. في المقابل، تم تقدير ثروة الملك سلمان الشخصية بحوالى 18.5 مليار دولار.
من جهة ثانية، توجد تناقضات ترتبط بوضع مختلف الشرائح الخاضعة للاضطهاد، إذ يبقى النظام السعودي نظاماً غير شفاف ولا ينشر سوى القليل جداً من الأرقام الإحصائية. ولذلك يخوض المحللون مغامرة في تحليل أوضاع البلاد، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد السعوديين الذين يعيشون تحت خط الفقر يبلغ ما بين 12 إلى 25 في المئة من السكان، وغالباً ما يتم الاكتفاء بالمعلومات المتناثرة في الصحافة الخاصة، لنعلم أنه في عام 2013 كان هنالك ما بين 2 إلى 4 ملايين سعودي لم يتعدّ دخلهم السنوي ستة آلاف دولار، بينما قارب متوسط الدخل حوالى 20 ألف دولار.
تترافق تلك العناصر المادية مع القمع السياسي الشديد الذي تعانيه أقلية في شرق البلاد، حيث يوجد الجزء الرئيسي من الحقول النفطية. إن الارتياب من هذه الأقلية والشكوك بأهدافها الانفصالية يفسران هذا الهوس في العداء لإيران...
كذلك، توجد خلافات استراتيجية داخل النخب الحاكمة ذاتها، تتمثل بسوء استعمال الريوع النفطية والإدارة الاجتماعية البالية (وضع النساء وقمع الإبداع الثقافي والآراء المعارضة) والتحالفات الخارجية مع المعسكر الغربي وإسرائيل. وعلى سبيل المثال، في نيسان 2014، قدم رئيس الاستخبارات السعودية منذ حزيران 2012، بندر بن سلطان، «استقالته» بسبب الخلافات بشأن الاستراتيجية الأمنية للمملكة.
إنّ القمع الشامل الذي أصاب النساء والكتّاب والصحافيين والمثليين، على خلفية تفاقم الفقر والأزمة المالية المترافق مع المطالبة بالمساواة لأوضاع (السكان) في المنطقة الشرقية، وضع الملكية المطلقة أمام المعضلة الآتية: التحديث وتنفيس الضغط الداخلي أو الهرب إلى الأمام... تحت ذرائع شتى، منها الإرهاب، مع علمها بأن وسائل الإعلام المهيمنة لديها الرغبة الشديدة في هذا النوع من الأعمال، أكثر من الإضاءة على الصراعات التي تهز المجتمع في شبه الجزيرة والتي تبدو أنها تهدد حكم سلالة بني سعود.

■ شهدنا تقارباً بين السعودية وروسيا في الشأن النفطي، حيث يتعاون البلدان من أجل استقرار الإنتاج وضمان أسعار المنتجات النفطية. هل يُعدُّ ذلك تقارباً استراتيجياً، وإلى أي مدى يمكن أن يصل؟
لقد توجّب على الدول المنتجة للنفط أن تواجه في السنوات الأخيرة انخفاض الأسعار إلى النصف. تأثرت وسائل هذه الدول في المدفوعات الخارجية بشكل شديد، ولا تشكل السعودية استثناءً، وتمثَل رد فعل هذه الدول بتقليص حجم المستوردات وتخفيض قيمة العملة الوطنية. لكن أحد التناقضات التي أصابت السعودية تحديداً هو اختفاء مظاهر الثراء الذي تمّ تعميمه بين السكان.
لقد تلقى الحلم الريعي ضربة قاسية. وكما قلت سابقاً، فإضافة إلى الفقر، وجدت الدولة نفسها في وضع مالي صعب ولم يعد بمقدورها الاقتراض من الأسواق. هذه المشاكل المشتركة (حتى بين دول أكثر عدداً من السعودية) مثل روسيا والجزائر وإيران وفنزويلا، أدت في الماضي إلى اجتماعها وتأسيس منظمة «أوبك» المشتركة بين بعض منها، من دون أن يؤدي ذلك إلى تقاربها سياسياً واستراتيجياً.


أنا لا أجد فرقاً بين الوضع الحالي والوضع الذي ساد في الماضي. ما عدا ذلك، يبدو أنّ هناك خلافات جدية في الرؤيا الاستراتيجية بين السعودية وروسيا وبين السعودية وإيران، وخاصة في سوريا. ولا ننسى أنّ روسيا تعتبر نفسها مهددة من خاصرتها القوقازية من قبل حركات إسلامية... مدعومة من السعودية.

■ هل يمكن لاستراتيجية تخفيض الإنتاج من خلال حشد الدول المنتجة للنفط (وهي بحاجة إلى التصدير من أجل تأمين مصادر للدخل)، أن تكون قابلة للحياة وأن تحتملها هذه الدول على المدى البعيد؟
ليس بالضرورة أن يكون الرد على انخفاض الأسعارعن طريق خفض الإنتاج، فقد فضلت السعودية بشكل دائم زيادة كميات الإنتاج من أجل تعويض انخفاض الأسعار. ويأمل ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من خلال خطته حتى عام 2030 اجتذاب الرساميل والمستثمرين الأجانب من أجل إعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات الخارجية. هنالك دول أخرى أيضاً ترى الرد بزيادة كميات الإنتاج. أما الحكومة الجزائرية مثلاً، فهي تعمل على تشريع استغلال الغاز الصخري. إننا نرى بشكل متزايد مدى هشاشة الاقتصادات القائمة على الريع المتوقف على التوافقات الدولية ومحدودية هذا النموذج.

■ هل هناك نموذج بديل ذو صدقية من أجل إخراج الاقتصادات العربية من التبعية؟
ليس هناك من نقص في نماذج التطوّر الاقتصادي، لكن السبب الذي يجعل من الدول النفطية العربية دولاً ذات اقتصادات تابعة هو وجود أنظمة سياسية احتكارية وإقصائية وتسلطية واستبدادية، التي رغم اسئثارها بالثروات، لا تستثمر في تراكم رأس المال الإنتاجي، وتكبح في الوقت ذاته التراكم الخاص الذي لا تسيطر عليه.
أيّ مبادرة فردية، سواء كانت اقتصادية أو فنية أو علمية، معرضة للقمع. إنّها أنظمة ذات تراكم محدود إن لم يكن مشوّهاً. لا يوجد إذاً تراكم منتج عمومي ولا حرية للتراكم الخاص المنتج. يراكم رجال الأعمال ثروات خاصة وليس رؤوس أموال منتجة تحرّك عجلة الاقتصاد. لا يقوم هؤلاء الأغنياء بتمويل أي نشاط في مجال البحث العلمي ولا الإبداع الأدبي أو الفني. لذلك فإن الدول العربية تحتل المراتب الأخيرة في إنشاء المدارس والمراكز الثقافية.
في الخلاصة، إضافة إلى التناقضات المادية المتعلقة بـ(عدم) التقاسم العادل للثروات، تتنوّع وتتعدد الاحتجاجات وتتوسع المطالبات بحقوق جديدة، سواء على صعيد الوصول إلى الثروة ووسائل الاتصالات، أو على صعيد العادات والقيم أو ضع الجنس واللغات، لذا يبدو أنّ البديل هو إما نظام مغلق أو أنظمة أكثر انفتاحاً وغير إقصائية.

■ في هذا السياق من الصراعات الإقليمية وإضعاف الدول، أليس من الواجب إرساء قواعد للتعاون الاقتصادي بين الدول العربية أو نوع من منظمة إقليمية يتم من خلالها إعادة بناء القواعد الإقتصادية الوطنية؟
ليس هناك من إضعاف للدول، بل تبدّلٌ لدورها، فقد أصبح الأمن أولوية بعدما كان ضمنياً، كما تعززت أجهزة الدول بشكل ملموس، لكنها لم تعد موجهة إلى الجانب التعليمي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
من هنا، ينبع الإغواء التقسيمي لدى فئات من السكان (كان قد) تمّ إهمالها ولا ترى حضوراً للدولة إلا من خلال السيطرة البوليسية. وهذا برأيي سبب النزعة التقسيمية.
أما بخصوص التعاون الذي أثاره سؤالك، فيبدو لي أن الطبقات المسيطرة والحاكمة في الدول العربية، وخصوصاً الفاعليات الاقتصادية، غير مستعدة للقبول بعلاقات تفترض حداً أدنى من المنافسة مع جيرانها. هنا أيضاً تبقى الأنظمة مغلقة، والعلاقات مع الخارج العربي وغير العربي يعكس احتكارها من قبل الجماعات التي تستفيد من هذا الأمر حالياً. وتفضل الجماعات المهيمنة والحاكمة العلاقات مع الدول الأجنبية ذات العملات القوية (الدولار واليورو والجنيه) حيث بإمكانها توطين ممتلكاتها وعمولاتها.
ولقد أوضحت «وثائق بنما» التي نشرت أخيراً تورط المسؤولين ورجال الأعمال العرب في هذه الشبكات. بالتالي لا يمكن للدول العربية أن تقدم أياً من تلك المزايا.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]