طوت العولمة صفحة طويلة من التوازن الطبقي الذي استفادت منه خصوصاً الفئات الوسطى، وتراجعت أيضاً قوة العمال الموزعين على مجالات جديدة متشعبة لا تتيح لهم التكتل والمساومة. أسواق المال المسلحة بأحدث تقنيات الاتصال تغري كذلك أعداداً متزايدة من الناشطين اقتصادياً كي ينضمّوا إلى طابور المضاربين، أو إلى ما يمكن تسميته بالبطالة المولدة للدخل. والحركية الفائقة للعمال في ظل العولمة تخلق بدورها واقعاً جديدا لا يصب في مصلحتهم، حيث ينال الأجراء حقوقهم المادية في بقعة من العالم (الأجور مثلاً) ويمارسون حقوقهم السياسية في بقعة أخرى (الانتخاب..). هذا خفف الاحتكاك الطبقي وألغى المساحة التي يمكن ان يستعر فيها الصراع الاجتماعي، كما شتت الطبقة الوسطى وغيّر دورها، مقللاً من قدرتها على تعبئة القوى الاجتماعية الطامحة للتغيير.
ويكتسب ضمور أو صعود الطبقة الوسطى أهمية خاصة في تفسير الأزمات الراهنة، لأن امتداد هذه الطبقة وتعاظم شأنها أعطى الرأسمالية جرعة استقرار أمام عواصف القرن الماضي، ومكنها كذلك من حسم الصراع بين اليسار واليمين لصالحها. ربما ما زال للفرضية الماركسية أنصارها، إلا ان آلة التوزيع في النظام الرأسمالي عملت بذكاء في حقبة التنافس الشديد بين الشرق والغرب، حين فضلت إعطاء العمال حصة مقبولة من الناتج، على ان يقعوا بسهولة في أحضان المعسكر الآخر.
وعلى عكس ما كان يحدث في مراحل التقدم التكنولوجي بعد الثورة الصناعية، فإن النمو المترتب على الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الحالية يتم توزيعه في نطاق ضيّق وعلى عدد قليل من الأشخاص، مما يساهم في تركيز الثروة بأيد قلة وفي مجالات اقتصادية محدودة. إنّ تسرب الفوائض من أعلى إلى أسفل في الاقتصاد الرقمي يتم على نحو بطيء وضعيف، والمؤسسات الرقمية بطبيعتها لا ترتبط كثيراً بغيرها من المشاريع وتشغّل القليل من العمال. وعلى سبيل المثال تقدر القيمة السوقية لموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك بنحو الينحو 70 مليار دولار أميركي لكنه يشغّل ألفي عامل فقط، هذا بالمقارنة مع 285 ألف عامل يعملون في فروع شركة جنرال موتور المقدرة قيمتها السوقية بـ35 مليار دولار.
يصر التحليل التقليدي في الغرب على الربط بين النمو الاقتصادي وبين انبثاق الطبقة الوسطى التي تعد أساس الموجة الديمقراطية الثالثة كما يسميها صامويل هانتنغتون. لكن الاستدراك ضروري هنا: فالليبرالية التي يراها فرانسيس فوكوياما أول إيديولوجيا علمانية لها قوة الديانة، لا تعني بالضرورة استتباب الديموقراطية. لقد تزامنت ولا تزال مع أنماط من التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفي حالات عدة كانت الشرعية البديلة التي تقوم مقام الديمقراطية وتؤجل ولادتها، والاهم هو الإحباط الناتج عن تغير طبيعة الطبقة الوسطى، التي صارت اما معولمة ومعزولة عن مجتمعاتها أو متأثرة كغيرها باضطراب الهويات الصغرى وتشنجاتها، وهي في الحالتين اقل انخراطاً من ذي قبل في أنشطة اقتصادية منتجة.
الصين هي المثال الأبرز من ناحية ثانية على ضعف العلاقة بين الديمووقراطية والتقدم الاقتصادي. هناك نجحت منظومة مركزية مغلقة في شق طريق للنمو ما زال متواصلاً منذ عقدين. ويقال ان تداول السلطة في الهند، البلد المجاور، تسبب في إبطاء صعودها الاقتصادي لانشغال حكوماتها المنتخبة باحتواء السخط الاجتماعي الناشئ عن تسريع خطى الإصلاح. ربما لا تشكل الصين بديلاً ناجزاً للنموذج الغربي، سواء لصعوبة الاعتماد الدائم على الصادرات والاستثمارات الأجنبية وحدها لتحريك النمو، أو لضعف الجاذبية السياسية للتجربة الصينية، إلا أنها تتحدى بعناد الفكرة التي تقول بأن الليبرالية الاقتصادية متلازمة دائماً مع الليبرالية السياسية.
يعمل التقدم التكنولوجي المعولم على تقويض الطبقة الوسطى، والإضرار من ثمّ بفرص قيام ديمقراطيات فعالة. لكن الأكثر خطورة هو ان العولمة تقلل الرشد الاقتصادي والسياسي الذي طالما تحلت به تلك الطبقة، مع انضمام مزيد من غير المنتجين إليها. مع العلم أن التحسن الزائف في مستويات المعيشة في الغرب ناتج عن تدفق الأموال المتاحة للإقراض الاستهلاكي لا عن زيادة الإنتاج. هذا يجرد فكرة الرفاه الشامل من معناها الأصلي، ويربطها بأنماط معيشة مختلة لا تتناسب مع الترتيب الطبيعي للحاجات. وعلى سبيل المثال، يحصل الأفراد في معظم دول العالم على الخدمات الجديدة مثل الهاتف والانترنت بأسعار رخيصة، لكن كثير من هؤلاء وغيرهم يعجزون عن تأمين أماكن لائقة للسكن ولا يحصلون على تقاعد مريح أو تأمين صحي مرض. وبدلاً من ان تتكثف الاستثمارات العالمية في مجالات حيوية (أدوية للأمراض المنتشرة في البلدان الفقيرة، غذاء...)، يزداد تركزها في الأسواق الواسعة المعولمة ذات المردود العالي، مع أنها تنتج سلعا وخدمات أقل أهمية (تجميل، الإعلام الجديد، تسلية...)، والنتيجة الغريبة هي ان الأشخاص الذين يتمكنون من قضاء أوقات أكثر على مواقع التواصل الاجتماعي، قد لا يحصلون على ما يكفي من غذاء أو سكن أو رعاية صحية وتعليمية..
يوصي فوكوياما بأن تكرس الدول جهودها لإعادة توليد طبقة وسطى فعالة، لكن المشكلة ليست فقط في حجم هذه الطبقة بل في تغير دورها وتحول طبيعتها. علينا ربما ان نبدأ من مكان آخر، من تحرير الديموقراطية نفسها من هيمنة القوى المعولمة، عبر إعادة توطين الطبقة الوسطى وردها إلى سابق عهدها من الفاعلية والتوازن. لكن هل هذا ممكن في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو اليمين، أو في ظل اندثار التنافس الإيديولوجي، الذي يفقدنا أرضاً خصبة للتنوع الفكري الخلاق، أو في ظل غياب الصراع الاجتماعي الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام انعدام الرشد في المجالات كافة؟ لنراقب خط الأزمات وننتظر!
هل المشكلة في انهيار الطبقة الوسطى أم في تحوّل دورها؟
العدد ١٦٢١ السبت ٢٨ كانون الثاني ٢٠١٢
اقتصاد




لبنان:






التعليقات
اضف تعليق جديد