عبد محفوظ: أخرج ساحرات «ديزني» من الخزانة



(مروان طحطح)

في مشغله في وسط بيروت، يتنقّل بخفّة بين الأقمشة الملوّنة. لم يدخل المصمّم الخمسيني عالم الموضة من باب الدراسة. لقد أغوته هذه اللعبة منذ الطفولة. ومن لبنان، انطلقت رحلته نحو العالميّة ليلبس أبرز نجمات هوليوود

ليال حداد

اتّفقنا على اللقاء في مشغله في وسط بيروت. هناك وسط الجدران البيضاء والأقمشة الملوّنة، يتنقّل عبد محفوظ بكثير من الخفة، ليوزّع مهمات اليوم على مساعداته. يساعد الشابة المصرية التي حضرت من الإسكندرية لتختار فستان زفاف من تصميمه ... أما هاتفه الذي لا يكفّ عن الرنين، فيجيب عليه بنبرة محبّبة، تخفي التعب الذي راكمه في العقود الأخيرة.
لا يزال الرجل الخمسيني رياضياً. على الأقلّ هذا ما توحي به بنيته المتناسقة والرشيقة. ورغم ضغط العمل اليومي والسفر الدائم، يحافظ مصمّم الأزياء اللبناني على ابتسامة خجولة. لا يخفي عبد محفوظ رغبته في بعض الراحة بعدما دخل سوق العمل عندما كان مراهقاً.

يطمح اليوم لأن يسلّم ابنه حسّان التركة، ويتجّه نحو تقاعد باكر. لكنه يدرك جيداً أنّ ذلك لن يحصل قريباً. شغفه بالأزياء، والأقمشة والألوان سيقوده إلى طرق عدّة «أريد أن أدخل باريس» يقول بكثير من الثقة. عاصمة الموضة إذاً هدفه التالي، بعدما وصل إلى العالمية من بوابة ميلانو في عام 2001. لكن يبدو أن الساحة الإيطالية لم تعد تكفي عبد محفوظ. وخلال عرضه الأخير في روما، تأكّد من ذلك مرّة جديدة، يقول.
لم يمض محفوظ حياته باحثاً عن مهنة المستقبل، بدا كأنّ تصميم الأزياء قدره الذي لن ينجح في الإفلات منه. داخل منزل الطفولة المتواضع في كورنيش المزرعة (بيروت)، شاهد عبد الطفل، أمّه وشقيقاته يعملن خلف آلات الحياكة. أغوته لعبة دمج الألوان واختيار الأقمشة. مع ذلك، فقد ذهب في اتجاه آخر. في عام 1975، ترك الدراسة والتحق بالخدمة العسكرية، قبل أن يقرّر دراسة الإلكترو ـــــ ميكانيك في أحد المعاهد التقنية. لكن حلمه بقي في مكان آخر «منذ طفولتي، عاهدت نفسي على أنني سأصبح شخصاً مهماً». تحقّقت نبوءة محفوظ، وأصبح مصمماً عالمياً، ألبس أبرز نجمات هوليوود مثل ليندسي لوهان، وأدريانا كارامبو، وجوليانا رانسيك، وتصدّرت تصاميمه أغلفة المجلات العالمية.
لكن قبل العالمية والـ Red Carpet، والأضواء، بدأ حياته المهنية مع شقيقته الكبرى خيريّة. نحن في عام 1981، وعبد الشاب المندفع يحاول تقسيم وقته بين مساعدة شقيقته والعمل الميكانيكي. تدريجاً، تطوّر عمل هذا الثنائي إلى أن اتّفقا في عام 1995 على أن يترك عمله ويكرّس وقته لتصميم الأزياء، وإطلاق تصاميم خاصة مع خيريّة. لكنّ هذا التعاون لم يكتب له النجاح. وبعد عام واحد، قرّرا الانفصال. لم تستوعب الشقيقة الكبرى أحلام عبد. أراد العالمية، وفضّلت هي عدم المخاطرة. هكذا حمل طموحه وبدأ العمل وحيداً ليبدأ بعرض مجموعاته في لبنان.
مرة جديدة، عاد هاجس العالمية يلاحقه. من مشغله في الحمرا (بيروت)، انطلق إلى ميلانو في عام 2001. وقف عبد محفوظ إلى جانب مصممين عالميين. عرض مجموعته التي لاقت ترحيباً كبيراً، وجعلته ضيفاً دائماً على البوديوم الإيطالي. لكن الشهرة التي أخذته إلى أبرز العواصم العالمية، أعادته في كل مرة إلى لبنان، «لن أذهب من هنا، حتى في أصعب السنوات، لم أترك لبنان». لكنّ لبنان الذي يحبّ، لم يقدّم له أو لغيره من المصممين الكثير: «النقابة لا تقوم بعملها جيداً، وهو ما يمنع إقامة أسبوع للموضة في بيروت». يتحدّث عبد محفوظ عن اجتماعات أجراها بمشاركة إيلي صعب، وجورج حبيقة، وباسيل سودا للنهوض بالنقابة، ونقل هذه الصناعة إلى مستوى آخر. لكن الجهود ذهبت أدراج الرياح.
بعيداً عن هموم النقابة، وأسابيع الموضة، لا تزال متعة عبد محفوظ الكبرى حتى اليوم هي التفرّغ للزبونات اللواتي يحضرن من مختلف الدول العربية: الكويت، مصر، سوريا، الأردن، السعودية، الإمارات ... تثق النساء العربيات بذوقه، يقتنعن بكل النصائح التي يقدّمها لهنّ. أما المرأة اللبنانية، فتوجّه إليها أخيراً مع انتقاله من الحمرا إلى وسط بيروت، وافتتاح متجره للألبسة الجاهزة في عام 2010.
لا يخفي الرجل «أسرار المهنة». يخبرنا كيف تصنع الموضة في العالم، ويكشف لنا تفاصيل معرض Première vision الذي يقام سنوياً في باريس. هناك يجتمع أبرز مصممي العالم، يعطون رأيهم في الألوان والأقمشة والتصاميم، لتخرج من هذا المعرض الباريسي «موضة الموسم» التي تعمّم على مختلف دول العالم.
يغوص المصمم الشهير في تفاصيل هذه الصناعة، تبرز ملامح الرضى على وجهه حين يستعيد مشواره الطويل «الذي جعل عائلتي فخورةً بي». نعود إلى العائلة إذاً. لا يتحدّث عبد محفوظ كثيراً عن حياته الشخصية. يخبرنا أنّ له ولدين: حسّان الذي بات صلة الوصل بين دار الأزياء والجهات العاملة في أميركا وأوروبا، ثمّ تأتي نادين التي تزوّجت أخيراً. أما زوجته، فقد تطلّقا منذ سنوات طويلة «لم تكن هي المرأة التي أريد أن أقضي بقية حياتي معها».
عبد محفوظ، اسمه وحده كفيل برسم ابتسامة حالمة على وجه أي امرأة. يدرك ذلك، مع ذلك، لا يزال متواضعاً. يتحدّث عن زملائه اللبنانيين بإعجاب: إيلي صعب، جورج شقرا، نيكولا جبران، طوني ورد، جورج حبيقة، زهير مراد ... جميع هؤلاء أوصلوا اسم لبنان إلى العالمية، تماماً كما فعل هو. لكنه يرفض أن يصنّف نفسه من بين أفضل المصممين اللبنانيين، حتى لو اعترف اختصاصيو مجلات الموضة بذلك.
في الخامسة والخمسين من عمره، لا تزال أحلام المصمّم العالمي كبيرة. يترك مكتبه ويأخذنا إلى قاعة عرض مجموعته الأخيرة. يبدو المكان أشبه بخزانات أميرات ديزني. فساتين جميلة، وألوان ربيعية متناسقة ومتدرّجة: الأصفر، ثمّ «الشمّامي»، ثم الأزرق، والزهر، والفضي ... لا يدّعي عبد محفوظ وجود أسرارٍ خلف تصاميمه الجميلة، بل ثلاثي يكاد يكون مقدّساً: الفن والذوق وجسد المرأة. مزيج هذه الأقانيم الثلاثة يقود عمله ليخرج في كل موسم بأربعين فستاناً جاهزاً. انتهت المقابلة، نغادر المشغل، ليعود عبد محفوظ إلى عمله. هل قال إنّه تعب؟ تبتسم موظّفات الدار الراقية ... شغف هذا الرجل أقوى من التعب.


5 تواريخ

1956
الولادة في كورنيش المزرعة (بيروت)

1985
الانطلاقة الأولى
في عالم الموضة

2001
عرض مجموعته في ميلانو
لينطلق بعدها إلى العالميّة

2010
افتتح متجره للألبسة الجاهزة
في وسط بيروت

2012
عرض مجموعته الأخيرة
لربيع وصيف 2012 في روما

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]