الانتفاضة العربية... ثورة على الرأسمالية؟


خليل عيسى

خبراء النيوليبراليّة يخشون الغرق في التفكير الماركسي
تتكاثر التحليلات لما يجري في الوطن العربي من ثورات على الفقر والاضطهاد الاجتماعي والفكري والديكتاتوريّة. بعضها عُرض الأسبوع الماضي في ندوة نظّمها «المعهد الاقتصادي المالي» في الجامعة الأميركية في بيروت.
«تونس والانتقال إلى الديموقراطية : العوامل الاقتصادية والسياسية» كان عنوان الندوة التي شاركت فيها أصوات تفاوتت توجّهاتها على نحو حاد. لكن بدا في النهاية أنّ مستوى التحجّر في التفكير النيوليبرالي لا يزال على حاله.
في البداية، رأى أستاذ الاقتصاد في جامعة «المنار» التونسيّة، منجي بوغزالة، أنّ الأسباب التي دفعت التونسيين إلى الاحتجاج على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي هو «الإحباط الذي نتج من فقدان الحريات العامة والعدل وفرص العمل». وأشار إلى أنّ الثورة أظهرت أنّ «الزعم السائد بأن العدالة والديموقراطية هي منتَج غربي كان مجرّد هراء. الكلّ في تونس كان يريد حياة كريمة، لكنّها لم تكن قط ثورة على الرأسمالية أو شيئاً من هذا القبيل».
والمثير للجدل في كلام الأستاذ التونسي، هو استثناء دور الشعب في تحقيق ثورته! إذ قال: «الجيش هو من دفع الديكتاتور التونسي إلى المغادرة، ولولا ذلك لم تكن الثورة لتنجح يوماً»، رغم الموجبات الكثيرة التي تزيد زخمها «الروايات عن فساد عائلة بن علي، التي كانت تنتشر كالنار في الهشيم بين الناس».
لكن الأكثر إثارة للجدل كان دعوة بوغزالة إلى «وجوب المحافظة على الاقتصاد التونسي اليوم كما كان، وإيجاد فرص العمل»، وتشديده على أنّه «يجب إفهام الناس أنّه لا يمكنهم المطالبة بكلّ شيء في الوقت نفسه»، وذلك على اعتبار أنّ «الديموقراطية ليست حلّاً سحرياً»، وأنّ «كلّ شيء سيتعلّق بالنخبة هناك».
وعلى هذا الأساس، وبرؤية «تفاؤل بالمستقبل، وخصوصاً أنّ الشباب التونسيين تعوّدوا أن يقولوا لا»، تابع الأستاذ الجامعي بالتأكيد أنّ «تونس بلد صغير ويجب أن يظلّ اقتصاده مفتوحاً، وهي حال الاقتصادات الكبيرة مثل الاقتصاد الأميركي؛ فالرجوع نحو الحمائية الاقتصادية ستكون كارثية... وما يمكن فعله في هذه الأثناء هو إنشاء برامج لمساعدة الناس في المناطق البعيدة مثل الجنوب التونسي».
غير أنّ بوغزالة فاته الكثير، الأرقام في البداية! وتالياً هو عدم تنبّهه إلى أنّه حتّى الاقتصاد الأميركي يعيش في كنف توجّهات حمائيّة خطيرة! وبالتالي لم يعد هناك وجود لوصفات ليبراليّة مطلقة، بل أصبح الأمر متعلّقاً بمصلحة الشعوب وكيفيّة تحقيقها... وهذا ما تحاول المؤسّسات النقديّة والاقتصاديّة للرأسماليّة العالميّة بصعوبة هضمه بعد تجاربها البائسة في العالم النامي.
بعد كلام الأستاذ التونسي، تبلور الاختلاف في وجهات النظر بين الموجودين. فقد انتفض أستاذ علم الاجتماع، ساري حنفي، للاعتراض على غياب الطبقة كمفهوم تحليلي من الندوة، ورأى أنّ الفقراء والعمال والمسحوقين هم من قام بالثورة في الأساس. غير أنّ ذلك لم يعجب بوغزالة؛ إذ شدّد على أنّ «من قام بالثورة هو الطبقتان الوسطى والعليا؛ لأنّهما تضمّان العمّال المهرة، وتحديداً المتخرجين من الجامعات؛ فالبطالة الأكبر كانت (منتشرة) هناك». وأكّد هذا التحليل الأستاذ في الجامعة الأميركيّة في القاهرة، جورج عوض، وقال: «لا أحب أن أستعمل تعبير الشعب أو ثورة الشعب... لا نريد أن نغرق في تفكير ماركسي، فالاحتجاجات في تونس كانت تصرخ «حرية كرامة عدالة اجتماعية». وأعتقد أنّ من المهم الإشارة إلى أنّ الحرية تصدّرت ذلك، لا العدالة الاجتماعية».
لكن هل يمكن بناء تحليل كامل لانتفاضة شعبية من خلال دراسة ترتيب الشعارات؟
أستاذ قسم الاقتصاد في الجامعة المضيفة، ماركوس تانّر، استنكر تصنيف الديموقراطية بأنها مسألة أساسية للاقتصاد. وقال: «مصر ليس لها اقتصاد حقيقي. إنّها مجرّد اقتصاد ريعي آخر». وأضاف: «يجب علينا الإتيان بنموذج تنموي آخر والعمل عليه في تونس ومصر لتحفيز الاستثمار».
وحاز هذا الكلام تقدير بوغزالة، غير أنّ الأخير رأى «أنّ المشكلة في تونس لم تكن في أكثرية أربعة ملايين عاطل من العمل غير مهرة. هؤلاء يستطيعون العمل في أيّ شيء»، بل في الفساد الموجود!
كان واضحاً طغيان نمط تفكير متحجّر على المناقشات الاقتصادية التي رفضت اعتبار «النموذج التنموي الاقتصادي النيوليبرالي» الذي ساد في تونس ومصر هو المشكلة، بل حُصر اللوم كلّه في الفساد الذي لولاه لما حصل ما حصل... ولوّن الخبير الاقتصادي الاجتماعي، وزير المال الأسبق جورج قرم الحوار بالإشارة إلى ضرورة التساؤل عن مدى تأثّر الشعوب المنتفضة بانتصارات «حزب الله» العسكريّة، ووافقه على ذلك الخبير السابق في البنك الدولي، عز الدين لاربي.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com