سيبويه البيروتي على «بساط الريح»


نارمين الحر
لماذا بقي فنّانو الكومكس على هامش الحياة الثقافية؟ هنري ماتيوس مترجم «سوبرمان»، تناول تاريخ الشريط المصوّر في لبنان، من البدايات إلى التجارب الشابة التي جاءت «نظيفة» غالباً، وتحاشت الدين والسياسة! جولة على فناني الكومكس الباحثين عن الشرعيّة والانتشار نارمين الحر مازن كرباج يقتل بطله حيناً ويرسم كومكس من قصيدة أحياناً. وعلى الأسطح، «ملاك» جمانة مدلج تحارب الجريمة. وعلى الانترنت، مايا زنكول تربط شعرها على شكل كعكة وتروي مغامراتها، وزينة الخليل تخترع عوالمها الغريبة... حركة ناشطة تشهدها الشرائط المصوّرة بعدما شقّ كومكس الراشدين طريقاً له في لبنان. وقد بات لدينا اليوم مجلّة متخصصة، هي «السمندل» التي تحتضن عدداً كبيراً من التجارب الشابة (راجع الكادر). مع ذلك، تبقى حال كومكس الراشدين ضبابية. هناك غزارة في الإنتاج، لكنّ النشر يأتي إما بمبادرة من الفنان... أو مموّلاً من جهة خارجية غربية، ما يطرح أسئلة عن مدى انتشار ثقافة الكومكس. «لن نضمن استمرارية الكومكس ما لم نراكم التجارب. نحن لا ذاكرة لدينا الآن» يقول جاد خوري مؤلف وناشر «كرنفال جاد» أول كومكس محلي للراشدين في لبنان انطلق عام 1980. ويوضح هنري ماتيوس، مترجم وباحث الكومكس الذي عمل طويلاً في هذا المجال في لبنان: «بدأ كومكس الراشدين خلال الحرب الأهلية، وانتشر خلال الاجتياح الاسرائيلي في الثمانينيات. وكان امتداداً لازدهار سوق شرائط الأطفال المصوّرة في الستينيات». خلال قراءته العدد السابع من مجلة «بساط الريح» الصادرة حينذاك عن المؤسسة التي كان يملكها زهير بعلبكي، نشأت علاقة حب بين ماتيوس والكومكس. ولم تنتهِ بتأليفه موسوعة «منشورات الشريط المصوّر (كومكس) اللبنانية» التي صدرت أخيراً بالتعاون مع وزارة الثقافة. خلال تصفّح الموسوعة، نلاحظ أنّه منذ الستينيات حتى 1975 ــــــ سنة الحرب الأهلية ـــــ كان في لبنان ما يقارب 23 مجلة كومكس. وفي أوائل السبيعينيات، ظهرت سلسلة مترجمة موجّهة الى الكبار، هي «قصص الحب المصوّرة» التي نشرتها «دار الرائد». وعرّفت السلسلة نفسها بأنّها «قصص عاطفية كتبت بالكلمات والرسوم اليدوية... تصوّر علاقة المرأة بالرجل». واللافت أنّ الكومكس شهد ازدهاراً خلال الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، إذ بلغت الإصدارات 45 مجلة. يعيد ماتيوس الازدهار الى أنّ «شرائط الأطفال مثّلت عالماً آمناً ومضحكاً بعيداً عن الدماء»... فيما جاءت شرائط الراشدين المتهكّمة بمثابة بيان احتجاج على «الاقتتال الطائفي والاجتياح الاسرائيلي» على حد تعبير جاد خوري. آثار الحرب كانت بادية في صفحات «كرنفال جاد» عام 1980: في إمارة تحكمها أميرة، ينقلب المهرجان الصاخب الى عرس دموي ويراقب البطل ـــــ جاد ذاته ـــــ استشراء الجنون والقتل. ويُتهم بذنوب لم يقترفها. وينتهي به المطاف متقوقعاً أمام البحر. وبالتزامن مع «كرنفال جاد»، نشر خوري سلسلتي «أبو الشنب» و«ألف ليلى وليلى» في جريدة «النهار»، وشكّلا أول تعاون بين جريدة وفنان كومكس، ثم أوقف شريطا الكومكس سنة 1982. بعد الحربين الأهلية والإسرائيلية، شهدت مرحلة السلم في التسعينيات انخفاضاً في إصدارات كومكس الأطفال والناشئة، مقابل انقطاع كومكس الراشدين المترجمة والمحلية، ما عدا «بيروت ديرويت» التي كتبتها ورسمتها ميشال ستاندجوفسكي، ونشرت في جريدة «لوريان لوجور» الفرنسية. ومن أسباب هذا الانقطاع «تدهور قيمة العملة اللبنانية، وغلاء استيراد الورق والظروف السياسية في لبنان، ووضع المواطنين النفسي» على حد تعبير هنري ماتيوس. مع بدء الألفية الجديدة، عاد كومكس الراشدين إلى الواجهة. يعزو أحد مؤسسي «السمندل» عمر خوري ذلك إلى الحركة التي أنتجها صدور «برسيبوليس» للإيرانية مرجان ساترابي عام 2006. إلا أنّ الحركة المستجدة اليوم تبقى أقل من حركة الكومكس خلال الحرب. هنا، غاب عنف الحرب والدم عن الرسوم الجديدة التي تعاملت مع استعادة الحرب انطلاقاً من الذاكرة الشخصية، كرسوم لينا مرهج في «مربة ولبن». بينما توجّهت شرائط أخرى إلى قضايا اجتماعية، أو اخترعت عوالم أخرى بعيداً عن الواقع كأعمال زينة أبي راشد. لكن ما يجمع هذه الشرائط تركيزها على القيمة الفنيّة، قصص مصوّرة جاءت احتجاجاً على الاقتتال الطائفي والاجتياح الإسرائيلي ومهادنتها، وابتعادها عن الخطوط الحمر: لا إباحية ولا اصطدام مع الدين أو السياسة. وإذا استثنينا المشكلة التي سبّبها العدد التاسع من «السمندل» مع الأمن العام ـــــ لأنّه تناول بنحو عابر رمزاً دينياً، فاتهم بإثارة النعرات الطائفية (!) ـــــ ليس هناك حظر لأعمال كومكس في لبنان كما حصل مع كتاب مجدي الشافعي «مترو» الذي منع في مصر. من جهته، وجد جاد خوري وسيلة للإفلات من لعنة الرقابة اللبنانية، إذ ينشر رسومه في موقعه الخاص الذي «لا يدخله أحد إلا بموافقتي». لكن ماذا عن نظرة دور النشر اللبنانية إلى الكومكس؟ قليلة هي الدور التي بدأت تولي أهميةً لهذا الفن. تشك سناء قنديل من «دار الفارابي» في إمكان توافر سوق عربية للكومكس. لكنّ مايا زنكول التي تنشر أعمالها على موقعها الالكتروني قبل أن تطبعها في مجلدات «أملغام»، ترى أنّ «معظم الدور المحلية تعتقد أنّ لا سوق للكومكس. لقد جنيتُ أرباحاً من كتابي الأول، وها أنا أنشر أملغام ـــــ مجلد 2». لكنّ بعض الدور اللبنانية قرّرت خوض «المغامرة»: «ها هي «دار الآداب» تبادر إلى طباعة قصتي التي نشرت أسبوعياً على الصفحة الأخيرة لجريدة «الأخبار»» يقول مازن كرباج. ولعلّ تجربة كرباج مع «الأخبار» هي التجربة الحديثة الوحيدة. امتناع الدور عن إصدار كومكس محلي، «قد يحصر إنتاج الكومكس في الطبقات الميسورة» تقول جنى طرابلسي، فنانة الكومكس وأستاذة التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية في بيروت. «ملاك» الصادرة سنوياً تكلّف مؤلفتها وناشرتها جمانة مدلج ثلاثة آلاف دولار، الّا أن مايا زنكول وجدت الحل عبر ديموقراطية النشر على الانترنت، إذ تنشر مايا أعمالها إلكترونياً «مجاناً» قبل ضمّها في كتاب. ويقر عمر خوري بضرورة ترجمة الكومكس الى جانب النشر المحلي، «كي نواكب النقلات الأدبية والفنية في عالم هذا الفنّ الخاص». وحين يتطوّع كرباج للقيام بالترجمة، ينبهه هنري ماتيوس الذي ترجم «سوبرمان» في السبعينيات، بأنّ «سيبويه لن يعرف ترجمة الكومكس الى العربية. فالأمر يحتاج الى حرفية وروح». «على الناس أن يتعرّفوا إلى الكومكس» يعلّق ماتيوس الذي ينصح فناني القصص المصوّرة «بالعناد والصبر اللذين هما ما تحليت به خلال العمل في «بساط الريح» و«سوبرمان»»... ولا ينسى أنّ يوجّه تحية إلى التجارب الحديثة، ولو أنّه يحبّ الكومكس الكلاسيكي! الكومكس المعاصر بين «السمندل» ومازن كرباج برزت خلال السنوات الأخيرة تجربتان محليتان فريدتان في مجال الأشرطة المصوّرة. الأولى حملت توقيع مازن كرباج، والثانية تنجزها مجموعة «السمندل». كرباج أصدر عام 2000 أوّل كتاب أشرطة مصوّرة له بالتعاون مع جامعة الـALBA، وحمل عنوان journal 1999، وكان عبارة عن يومياته في العام المذكور... ومنذ ذلك الحين أصدر عشرة كتب منها «24 قصيدة» و«لعبة سكرابل». منذ انطلاق «الأخبار»، أسهمت رسومه الكاريكاتوريّة في تشكيل الهويّة البصريّة للجريدة إلى أن جاء عام 2009، وخصّصت الجريدة صفحتها الأخيرة لقصّة مصورّة من توقيعه. هذه السلسلة ستصدر قريباً في كتاب، بينما ينشر كرباج أعماله حالياً في مجلة الكومكس الفرنسية Lapin. هنا، يخوض تجربة فريدة: الكومكس الشعري، إذ يرسم قصائد مختارة منها لوالدته لور غريّب، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش. ويسرّ كرباج إلينا أنّه أنجز «شريطاً مصوراً يتبنى نصاً لخالد صاغية (مدير تحرير «الأخبار»)... سيترجم العمل إلى الإيطاليّة لكني لم أخبر صاغيّة بعد». ويقول الناشر جاد خوري إنّ الكومكس «طريقة التعبير الوحيدة التي يعرفها مازن». إلى جانب ذلك، أخذت «السمندل» منحىً جماعياً، أقرب إلى «المنبر» بحسب خوري. بدأت قصّة «السمندل» حين رسم عمر خوري قصّة «طارق الخرافي» (2006)، ولم يجد مساحةً لنشرها. من هنا، جاءت فكرة تأسيس مجلة كومكس لبنانية. وتعاون حاتم إمام، وفادي باقي (فدز)، ولينا مرهج، وعمر خوري، وطارق نبعة، على إصدار «العدد 0». المجلّة التجريبيّة المخصصة للبالغين، تتضمّن قصصاً باللغات العربية والفرنسية والانكليزية، وتصدر كل ثلاثة أشهر. تصرّ «السمندل» على أن تكون بمتناول الجميع، وتصدر كلّ عدد من أعدادها في منطقة مختلفة. العدد التاسع صدر أخيراً من مخيّم شاتيلا في بيروت. تميل «السمندل» نحو التجارب وورش العمل، وفي هذا الإطار سيرافق العدد العاشر كتيّب يحمل مجموعة من أعمال هواة شاركوا في الورش المختلفة. ليس لدى السمندل مصدر معيّن لتمويلها، نشرت أول أربعة أعداد مع مؤسسة Xanadu لزينة الخليل، وحالياً يُموّل كلّ عدد من مصدر مختلف. وبرأي ماتيوس «يمكن اعتبار هذه المجلّة أوّل تجربة عربيّة ناضجة لكومكس الراشدين». برزت خلال السنوات الأخيرة تجربتان محليتان فريدتان في مجال الأشرطة المصوّرة. الأولى حملت توقيع مازن كرباج، والثانية تنجزها مجموعة «السمندل». كرباج أصدر عام 2000 أوّل كتاب أشرطة مصوّرة له بالتعاون مع جامعة الـALBA، وحمل عنوان journal 1999، وكان عبارة عن يومياته في العام المذكور... ومنذ ذلك الحين أصدر عشرة كتب منها «24 قصيدة» و«لعبة سكرابل». منذ انطلاق «الأخبار»، أسهمت رسومه الكاريكاتوريّة في تشكيل الهويّة البصريّة للجريدة إلى أن جاء عام 2009، وخصّصت الجريدة صفحتها الأخيرة لقصّة مصورّة من توقيعه. هذه السلسلة ستصدر قريباً في كتاب، بينما ينشر كرباج أعماله حالياً في مجلة الكومكس الفرنسية Lapin. هنا، يخوض تجربة فريدة: الكومكس الشعري، إذ يرسم قصائد مختارة منها لوالدته لور غريّب، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش. ويسرّ كرباج إلينا أنّه أنجز «شريطاً مصوراً يتبنى نصاً لخالد صاغية (مدير تحرير «الأخبار»)... سيترجم العمل إلى الإيطاليّة لكني لم أخبر صاغيّة بعد». ويقول الناشر جاد خوري إنّ الكومكس «طريقة التعبير الوحيدة التي يعرفها مازن». إلى جانب ذلك، أخذت «السمندل» منحىً جماعياً، أقرب إلى «المنبر» بحسب خوري. بدأت قصّة «السمندل» حين رسم عمر خوري قصّة «طارق الخرافي» (2006)، ولم يجد مساحةً لنشرها. من هنا، جاءت فكرة تأسيس مجلة كومكس لبنانية. وتعاون حاتم إمام، وفادي باقي (فدز)، ولينا مرهج، وعمر خوري، وطارق نبعة، على إصدار «العدد 0». المجلّة التجريبيّة المخصصة للبالغين، تتضمّن قصصاً باللغات العربية والفرنسية والانكليزية، وتصدر كل ثلاثة أشهر. تصرّ «السمندل» على أن تكون بمتناول الجميع، وتصدر كلّ عدد من أعدادها في منطقة مختلفة. العدد التاسع صدر أخيراً من مخيّم شاتيلا في بيروت. تميل «السمندل» نحو التجارب وورش العمل، وفي هذا الإطار سيرافق العدد العاشر كتيّب يحمل مجموعة من أعمال هواة شاركوا في الورش المختلفة. ليس لدى السمندل مصدر معيّن لتمويلها، نشرت أول أربعة أعداد مع مؤسسة Xanadu لزينة الخليل، وحالياً يُموّل كلّ عدد من مصدر مختلف. وبرأي ماتيوس «يمكن اعتبار هذه المجلّة أوّل تجربة عربيّة ناضجة لكومكس الراشدين». نارمين...

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]