تواضع أخيراً العديد من مواطني بلاد الأرز، بينما زاد آخرون من عجرفتهم وفوقيّتهم وشوفينيّتهم، مصرّين على إظهار غباء يزيد من دون سقف. المتواضعون هم الذين يتحدثون عن التغييرات في المنطقة العربية، وكيف تلهمهم وتدهشهم، وأن الأمور سارت في منحى مفاجئ، ولم يكن أحد ليتوقع أن تسقط تونس في يد الثوار، ويتغير نظامها، فكيف بالأحرى مصر.
المصرّون على إظهار المزيد من الغباء هم أولئك الرياديون في اللبنانوية، الذين ينطلقون من مقولة بسيطة «العرب مجرد جهلة، وعلينا أن نقطف من ثقافة الغرب ونلقّنها للشرق المتخلف». ومن هذا المنطلق لا بد من أن تكون ثورتا مصر وتونس وغيرهما تستمد رياحها من لبنان وثوراته المجيدة. طبعاً، في لبنان وعند الحلقة السياسية التي تحكم البلاد، سواء أكانت في المعارضة الحالية أم في السابقة، فإن تقويم الثورات يجري عبر عدسة مكبّرة محلية، تأخذ تلقائياً المؤشرات الطائفية والإقليمية في الحسبان، قبل أن تقوّم ما يحصل على الأرض، وهو أحد أسباب التمايز بين ثورة وأخرى.
هذه العدسة المكبّرة تلحظ ارتباطات القوى المحلية بالأنظمة المهددة بالزوال، كما تلحظ الأحقاد المبيّتة تجاه شعوب دون أخرى، وقس على ذلك من عوامل تحليل فئوية محلية تحكم على الثورات والشعوب وترى مصالح الناس من خلال علاقات القوى بالأنظمة المتهاوية واحدة إثر أخرى.
أما في لبنان، فالثورة ممنوعة، رغم أن النّهب منظّم فيه منذ شرع الرئيس أمين الجميّل في حملة مباركة لانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية عام 1984، وبدأت ثروات بعض السياسيين مثل المرحوم سعد الدين الوزان تزيد بنحو غير منطقي، حتى بالنسبة إلى نموذج النهب القائم آنذاك، ومنذ أن فاحت رائحة صفقات تسليح الجيش في أجواء البلاد في تلك المرحلة. والثورات كانت ممنوعة بعد الحرب الأهلية أيضاً، حتى لو صودرت الأراضي الخاصة خلافاً للدستور كما حصل في الوسط التجاري، وحتى لو صُرفت مليارات الدولارات على قطاعات مضى على تمويلها عقدان من الزمن ولم ينجز منها أي شيء.
والثورات ممنوعة أيضاً في خضمّ النزاع الأهلي الحالي، سواء نُهب 11 مليار دولار أو قُطعت الكهرباء عن مناطق كاملة، أو رُفع سعر المحروقات، أو الأقساط المدرسية، فالتحركات العمالية ممنوعة، فكيف بحراك شعبي؟
الثورات ممنوعة لأن تقاسم السلطة يحصل على أساس زعماء الطوائف المدنيين، برضى كامل من ممثلي الرب الروحيين، سواء أكان في دار الإفتاء الحافظين لأمور الدنيا والدين، أم في البطريركية المارونية حيث يعطى مجد لبنان لرأسها ويُوزّع على المؤسسة الدينية، كما في المجلس المذهبي الدرزي، أو في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
الثورات ممنوعة في لبنان، لأن الشعارين الرئيسين لثورة ممكنة، وهما إسقاط النظام الطائفي والمحاسبة المالية الكاملة ووفق السرقة، لا يلقيان موافقة أي من المراجع الدينية، ويتعارضان مع مصالح السياسيين، وبالتالي فلا بد من انتظار توافق المراجع الدينية الحكيمة مع المراجع السياسية حتى يقوم بعض الناس ضد بعض آخر.
قيام ثورة يتطلب موافقة مؤسسات الإغاثة والرشى الاجتماعية، كي لا يجد المواطن، أو بالأحرى ابن الطائفة، نفسه خارج عطاءات قياداته المذهبية، وينطبق ذلك على السنّة والشيعة والموارنة والأرثوذكس إلخ، وبالتالي يعود إلى منزله غير قادر على شراء أدوية لأطفاله أو والدته.
الثورات ممنوعة لأن السنيّ الذي ألقت به سياسة إعادة الإعمار في عرمون وبشامون وخلدة والناعمة، فاقداً السكن في مسقط رأسه، بعدما صار مسقط الرأس حكراً على الأثرياء وأبنائهم، هذا السني مقتنع تماماً بأن العدو الفعلي الذي يمنعه من الحياة الحرة اللائقة ليس إلا الشاب الشيعي الذي أتى من الجنوب أو البقاع وسكن في الضاحية الجنوبية لبيروت.
والثورة ممنوعة لأن الشاب الشيعي الذي أتى من الجنوب أو البقاع، وصرف أهله ثمن الأرض التي باعوها لتعليمه قبل أن يقبّل أيدي هذا وذاك للحصول على وظيفة متدنية الراتب، هذا الشاب مقتنع بأن من يحاول أن يذلّه ويطرده من منزله ويحط من قيمته الإنسانية ويعيده إلى تهميش عاشه والداه، هذا الشخص ليس غير السني الذي أُبعد من جنة العاصمة بيروت.
الثورة ممنوعة لأن المسيحي الذي يسكن في الزوق ويحصل كل يوم على جرعة إضافية من مسببات السرطان، والذي غادر عكار أو الجنوب أو قريته في الجبل، وقدّم طلبات هجرة الى كل السفارات وينتظر اتصالاً ليرحل عن بلاد الأرز، هذا المسيحي يرى أن الشابين الشيعي والسني، وأحياناً ينضمّ إليهما الشاب الدرزي العاطل من العمل، يراهم يحاولون سرقة أرضه منه، وهو يفضّل الهجرة على أن يرى مسلماً يقطن في منطقته، أو أن ينتظر إشارة بدء الهجوم على الأغراب، يعطيها البطرك لسمير.
لهذه الأسباب نتضامن مع ثورات الآخرين، لكن لا ثورة في بلادنا.
زمن الثورات إلا في لبنان
العدد ١٣٤٢ الجمعة ١٨ شباط ٢٠١١
سياسة




لبنان:






التعليقات
الشعب المتأخر
المواطن اللبنانين هو المواطن العربي الاخير .
يعني الطش.
يعني ما بيفهم حقوقه.
يعني مستهتر بمستقبل اولاده كرامة لعيون الزعيم الحرامي.
يعني مواطن لو بحث زعيمه ليجد مثيل له لن يجد مواطن مطواع كاللبناني.
مطلوب تغيير نظام الطوائف
من المعيب أن يزعم اللبنانيون التحضر والتقدم وهم يتعاملون على أسس طائفية. حتى اللصوص وقطاع الطرق ورجال الأمن ولصوص السياسة والمقاولون جميعا يصنفون طائفيا.
الشعب الذي إستطاع وضع حد لغطرسة الإسرائيلي يستطيع الإطاحة بالدكتاتورية الطائفية. وإلا فإن بيروت لن تكون بمنأى عن الحريق الذي ينتشر سريعا في هشيم الدكتاتوريات.
ليكن هناك "فايسبوك" للشباب الذين لن يتحدوا ما لم تلغى الطائفية.
معظم اللبنانيين يا أستاذ
معظم اللبنانيين يا أستاذ فداء لهم نفس تفكيرك ولا يريدون الطائفية ولكنهم بحاجة الى الشخص الشجاع المبادر لكي يقودهم الى أول المشوار وأنا أحمل الاعلام مسؤلية كبيره تجاه المبادرة بالمطالبة بالغاء الطائفية وفي الطليعة جريدة الأخبار لما تتمتع به من مصداقيه وثقة الناس فلما لا تكونو المبادرين؟ ولماذا المسيحي اللبناني عندما يسافر الى البلاد العربية يكون صداقات متينه مع مواطنين تلك البلاد تكون أقوى من رباط الأخوة بينما في لبنان يزرعوا الخوف في قلوب الناس بعضهم من بعض. يا كتاب جريدة الأخبار انطلقوا وأسسوا حزب اللاطائفيين.
الشعب يريد بناء نظام
لبنان بحاجة الى ثورة ليس لاسقاط النظام بل لبنائه.
الشعب.. يريد... بناء.. نظام
مختلف
هذا مقال يصلح أن يكون دعوة للتصالح الطائفي....مقال محايد منطقي......شكرا لك
إلى السيد فداء عيتاني ...
إلى السيد فداء عيتاني ... للمرة الأولى أرى نفسي معارضاً لما تقوله ..
لطالما كان لبنان السباق في ثوراته على الستعمار والتدخلات الخارجية من جهة والنهب الحاصل والتسلط الداخلي من جهة أخرى
- ألم يكن لبنان أول بلد ثار ضد الإنتداب الفرنسي ونال استقلاله
- أليس لبنان البلد الوحيد الذي تحرر من إحتلال إسرائيل (بإستثناء شبعا وتلال كفرشوبا )
- أليس لبنان البلد الوحيد الذي لايزال عصي على العدو ال إسرائيلي
- إذا أردت التكلم بالأرقام .. فإن مجموع الناخبين الذين صوتوا لل68 نائب الذين سموا ميقاتي يفوقون الأخرين بحوالي مليون ناخب ... فإن لإستقالة هؤلاء النواب ثورة سلمية ضد تسلط ال حريري على هذا البلد ... وربما يعود ذلك إلى اننا في بلد ديمقراطي ... بعكس تونس ومصر حيث يأخذ كل رئيس على 99% من أصوات الناخبين ... نتمنى أنا لا نصل إلى هذه الحالة عندها ترى ثورةً من تلك التي تحدث في تونس ومصر
- نتمنى أن تتشكل الحكومة قريباً .. عندها نجرب فريقاً لم نراه قط في سدة الحكم بستثناء وزارة الطاقة وإتصالات حيث برأيي الشخصي وبرغم كل المضايقات من الحريري قد أبدعوا ... ولكن في حال فشل هؤلاء نبقى عندها أن نثور على الجميع
كل ما تفضّلت به صحيح ولكنك
كل ما تفضّلت به صحيح ولكنك اغفلت موضوع بالغ الاهمية وهو اساسي فالخلاف الموجود على الساحة اللبنانية الآن تخطى ما تفضلت به .الخلاف هو خلاف سياسي خلاف خيارات استراتجية حتى على مستوى الافراد لم يعد الموضوع السني الشيعي المسيحي يقاس بتلك المعايير والآّ لكنّا اتحدنا وكانت هناك ثورة
الشعب اللبناني يريد اسقاط النظام الطائفي
شاركونا في صنع لبنان جديد حضوركم وحواركم يهمنا
http://www.facebook.com/lebrevolution
اضف تعليق جديد