عطش وليس جوعاً


رامي زريق
يشهد العالم منذ بضعة أسابيع ارتفاعاً حادّاً في أسعار السلع الغذائية الأساسية، وخاصة القمح، الذي يكاد يصل سعره إلى المستوى الذي كان عليه خلال أزمة الغذاء عام 2008. يتفق المراقبون على أن السبب الأساسي وراء ذلك يعود للحرائق الضخمة التي التهمت حقول روسيا في الخريف الماضي فأدّت الى تقليص الإنتاج العالمي. أما السبب الآخر فيرتبط بالمضاربات التي تدرّ أرباحاً طائلة على حفنة من المستثمرين العالميين. وكانت أزمة عام 2008 قد أدّت الى بعض الاضطرابات المحدودة في عدد من البلدان الفقيرة، منها مصر والأردن واليمن ولبنان، ما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية احتوائية كالحدّ من تصدير السلع الغذائية ودعم أسعارها. وبما أنّ الأزمة الحالية تتزامن مع اندلاع الانتفاضات العربية في تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن و«الحبل على الجرّار» بعونه تعالى، فقد لجأ العدد الأكبر من وسائل الإعلام الغربية إلى قراءة الحراك العربي على أنه ردّ فعل على ارتفاع أسعار القمح والغذاء. لا شك في أن هنالك أسباباً مركّبة للثورة الشعبية، ولا بدّ من أن تكون الأحوال المعيشية جزء منها، إلا أن الجوع وحده لن يفسر وجود الطبقات الاجتماعية الأكثر يسراً في الشارع، جنباً الى جنب مع العمال والكادحين، كما أنه لن يفسر الاحتجاجات في البحرين وفي ليبيا. مشكلة التحليل التبسيطي لتلك الوسائل الإعلامية هو أنه يحمل في طياته رائحة العنصرية الخفيّة، إذ إنه يعني أن العرب لا يحركهم سوى الجوع، وأنه يمكن إخماد ثوراتهم ببعض أطنان من الدقيق. العرب ليسوا جياعاً بل عطشانون، وما يحرّكهم هو العطش إلى الكرامة والحق والعدالة التي انتزعت منهم عبر السنين على يد طبقة صغيرة متعاملة مع الجهات ذاتها التي تريدنا أن نبقى شعوباً لا تحركها إلّا بطونها.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]