فؤاد عجمي: ليكودي من جنوب لبنان


أسعد أبو خليل
ليست ظاهرة الصهاينة العرب جديدة. فـ«الهاشميّون» في الأردن كانوا يقايضون على أغلى أرض مقابل الجنيهات، وحزب الكتائب بدأ بتلقّي دفعات نقديّة من إسرائيل منذ الخمسينيات. لكن موانع سياسيّة وسطوة الأيديولوجيّات ردعت كثيرين أو دفعتهم إلى الحيّز السرّي. وعليه، كان شارل مالك مولجاً بالدفاع عن قضيّة فلسطين في الأمم المتحدة فيما كان يبني صداقات سريّة مع الصهاينة. لكن ظاهرة فؤاد عجمي تستحق الشرح أسعد أبو خليل* ولد فؤاد عجمي في جنوب لبنان وتلقّى تعليمه في بيروت. يتحدّث عن فرق بين أهل المدينة وأهل الجنوب «الطارئين». وهم طارئون عند البعض حتى لو وُلدوا في بيروت ولم يقطنوا في الجنوب. غادر إلى الولايات المتحدة عام 1963 بعد الدراسة الثانويّة ليتعلّم في كليّة بشرق أوريغون قبل أن ينتقل إلى جامعة واشنطن في سياتل (وهي الجامعة التي درس فيها ميخائيل نعيمة في بداية القرن العشرين) للتخصّص في العلوم السياسيّة. ليس للجامعة مركز دراسات شرق أوسطي وإن كانت سمة مناهجها ليبيراليّة. تأثّر هناك بالأستاذ الفلسطيني الناشط، حنا ميخائيل (يروي عدنان بدر في كتابه الأخير قصة اختفائه الغامض). الذين عرفوه في تلك الأيام، مثل الرفيق نوبار هوفسبيان الذي زامله في الجامعة، يذكرونه قوميّاً عربيّاً ناصريّاً متحمّساً، لكن بصمت وحذر. كان يحرص على تلقّي أعداد مجلّة «الهدف»، دون أن ينخرط في نشاط منظمة الطلاب العرب. بدأ بالتعليم في جامعة برنستون، وهي الخاضعة لسيطرة صهيونيّة متعصّبة في «دائرة الشرق الأوسط» التي ساهم فيليب حتّي في تأسيسها. تسلّمها برنارد لويس بعد وصوله إلى أميركا عام 1974. لكن ميول عجمي لم تكن صهيونيّة آنذاك. كان الراحل إدوار سعيد يجد فيه مدافعاً فعّالاً عن القضيّة الفلسطينيّة. لكن سؤالي لمن عرفه يؤكّد أنه لم يكن كغيره من أبناء جيله من المتحمّسين للقضيّة. لم يكن قاطعاً في مواقفه وكان عنده للصلح (مع العدوّ) «مطرح». لم يتظاهر، ولم يحضر اجتماعات، ولم يوقّع على عرائض. كان كمن امتهن تجنّب استفزاز الصهيونيّة في أميركا. كانت كتابات عجمي ضبابيّة وإنشائيّة الطابع، إلى أن أصدر كتابه الأول «المحنة العربيّة». أذكر أن أستاذي الفذّ في جامعة جورجتاون، حنا بطاطو، قال لي عن الكتاب: تقرأه كاملاً وبالكاد تجد فكرة جديدة ثاقبة. لكن الكتاب مكتوب بأسلوب الصهاينة يستشهدون بكلامه كما يستشهد المسلم بالآيات القرآنيّة إنشائي أخّاذ، وخصوصاً لمن ملّ الكتابة الأكاديميّة التي لا تصل إلا إلى زملاء المهنة. كان واضحاً أن عجمي تأثّر بالأدب العربي وبالأسلوب الإنشائي فنقله إلى الكتابة باللغة الإنكليزيّة بنجاح، وخصوصاً أنه نقل إلى القارئ الأجنبي (الدارس والمتابع) نقاشات ومماحكات ومناظرات دارت باللغة العربيّة بعد حرب 1967. الكتاب صدر عام 1981، لكنه أذن بتحوّلات وتغييرات كان المذكور يحضّر لها. فالكتاب شدّد على النقد الذاتي للعرب، وعلى أن الجروح والندوب العربيّة هي من صنع الذات، لا من صنع الغير المُستعمر. لا ترد إسرائيل في الكتاب، ولا ترد الولايات المتحدة إلا كـ«كومبارس». لكن الكتاب لقي رواجاً لأسباب سياسيّة وتعليميّة: سياسيّة لأنه برّأ الولايات المتحدة وإسرائيل من تهمة صنع الويلات في بلادنا، وتعليميّة لأنه أمدّ القارئ غير المتمكّن من اللغة العربيّة في جامعات الولايات المتحدة بتقرير وصفي (وبأسلوب إنشائي سهل) عن مداولات بين المثقفين العرب. والكاتب يجهد ليحاول أن يبدو غير مُقيِّم، وإن كان المسعى سياسيّاً في مغزاه ومراميه. وقد عاد في التسعينيات وقلّد كتابه الأول بعنوان «قصر أحلام العرب»، لكن المُنتج كان مملاًّ ولم يأت بجديد، ولا حتّى في الأسلوب. مارس عجمي التعليم الجامعي في جامعة برونستون لكنه لم يحظَ بالتثبيت. تزامن ذلك مع خلوّ سدّة كرسي مجيد خدّوري في كليّة الدراسات الدوليّة العليا في جامعة جون هوبكنز (وهي مدرسة تتخصّص في التدريب الدبلوماسي أكثر من التحضير الأكاديمي). كان خدّوري يفضّل أن يخلفه إيلي سالم (تلميذه السابق الذي أعدّ أطروحة عن الخوارج) وكان المنافس النهائي لعجمي على المنصب، لكن علاقات عجمي في جامعة برينستون ساعدته في الاستعانة بوسائط مفيدة. بقي في هذا المركز الذي لا يكلّف صاحبه كثير عناء مثل المراكز الأكاديميّة في الجامعات الأخرى. استطاع أن يقطن في مدينة نيويورك وأن يزور الجامعة مرّة أو مرتيْن في الأسبوع لإلقاء محاضراته أمام طلابه، وشكا لي طلابه أنه يعمد إلى دعوة أصدقائه من الصحافيّين والدبلوماسيّين (من الصهاينة) للمحاضرة أمامهم، دون أن يحضر هو أحياناً. بعد دخول لبنان في دائرة السياسة الداخليّة الأميركيّة عام 1982 إثر التدخل العسكري الأميركي إلى جانب حكم أمين الجميّل الكتائبي، برز عجمي ملتحياً كمُحلّل للظاهرة الشيعيّة في لبنان. أذكر ذلك لأن وسائل الإعلام الأميركيّة كانت تسعى للاستعانة بأميركي من أصل لبناني شيعي لشرح ما يجري في لبنان للجمهور الأميركي بلغة إنكليزيّة مفهومة. كنت طالباً أعد أطروحة الدكتوراه آنذاك، وقبلت دعوة من شبكة «إن.بي.سي» للمساهمة في تغطية الحدث عبر الظهور في بعض برامجها الإخباريّة كمُحلِّل، وهو قبل دعوة من شبكة «سي.بي.إس»، التي كانت خاضعة لإدارة لورانس تش، وهو صهيوني متعصّب. لمع نجم عجمي وبدأ بعمليّة الصعود بالنسبة للصهاينة، أو الهبوط، بالنسبة لنا. ما عادت فلسطين على خاطره، لا بل إنه بدأ بمناشدة الإدارة الأميركيّة عبر الـ«نيويورك تايمز» لترك الفلسطينيّين وشأنهم من خلال سياسية «الإهمال غير الخبيث». وهذه السياسة في الثمانينيات كانت وصفة من أجل إتاحة المجال لإسرائيل كي ترتكب المجازر. بدأ عجمي بالتعبير عن التماهي مع المصالح والمواقف الصهيونيّة. يبدأ ذلك عبر الاستسهال لأوصاف الإرهاب في الحديث عن التنظيمات الفلسطينيّة وفي التحفّظ أو الامتناع عن إطلاق أوصاف على حروب إسرائيل وجرائمها (من يلاحظ أن جهاز الدولة في لبنان، أو ما يُتّفَق على وصفه اعتباطاً بالدولة في لبنان، يلجأ إلى إطلاق أوصاف الإرهاب على تنظيمات فلسطينيّة، فيما يمتنع عن وصف جرائم إسرائيل بالإرهاب؟) لاحظ أصدقاء عجمي ومعارفه من العرب، بمَن فيهم إدوار سعيد، أن تغيّراً حصل في مواقفه، وبعد مراسلة نقديّة بينه وبين سعيد، انقطعت العلاقة بينهما، كما أخبرني في ما بعد الراحل سعيد. كتب له عجمي رسالة طويلة في 21 أكتوبر 1985. دافع في رسالته عن صداقته مع الأستاذ في هارفرد، نداف صفران (الذي حارب عام 1948 في صفوف الهاغاناه)، وختمها بالإشارة إلى «كلمات فراق وداعيّة». كانت الرسالة بمثابة موقف رسمي بالاستقالة من كل المواقف التي تمتّ إلى مصالح الشعب العربي. وصفه سعيد بـ«العم عبده» في استعارة من شخصيّة «العم توم» في كتاب «كوخ العم توم». ولكن لا يمكن إنكار بعض العناصر التي ساعدت عجمي في البروز. لا شك بأن طلاقته وفصاحته بالإنكليزيّة، بالإضافة إلى استعداده، أو لنقل رغبته، في مدّ الخطاب الأميركي بمقولات دعم من «واحد من أهله، وهو يشهد»، كلّها ساهمت في إعطائه دوراً يتناسب مع مصلحة السياسات والحروب الأميركيّة في الشرق الأوسط، وخصوصاً في العهود الجمهوريّة. وكلام ألبرت ميمي عن تقليد المُستعمَر للمُستعمِر، لا ينطبق هنا. لأن عجمي جهد كي ينسى الغربي أنه كان هو في لحظة ما غير غربي. كان يقسو في أحكامه على العرب، ويصفهم بأوصاف مهينة ومُحقِّرة لا ترد عادة في كتابات الأكاديميّين. كثيراً ما يواجهني زملاء أميركيّون (وأميركيّات) بالسؤال: ما مشكلة هذا الرجل؟ كان لا يستطيع إكمال جملة في الحديث دون تذكير الأميركي (الأبيض) بأنه أميركي (أبيض؟)، خلال التشديد على عبارات من نوع «نحن الأميركيّين»، أو «إن جنودنا في العراق» أو «إن هؤلاء العرب»، أو «نحن وهم»، إلخ. جهد كي ينسى المُشاهد لكنتَه واسمَه وسحنتَه، في مجتمع لم ينجُ أو يُشفَ من العنصريّة السافرة نحو العرب، والمُبطّنة نحو غيرهم من الأعراق غير البيضاء. كان يظهر أمام لجان الكونغرس (الصهيونيّة، طبعاً) ويسخر مِن (ويهجو) كلّ العرب. قال مرّة في الثمانينيات أمام لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس النوّاب ردّاً على سؤال عن «النفسيّة» الشيعيّة إن «الشيعة انتحاريّون والسنّة قَتَلة». ضحك هو، وضحك معه أعضاء الكونغرس. بقيت تلك العبارة وتلك الصورة راسخة في ذهني. وبدأ عجمي في الثمانينيات بالإعداد لكتابه عن موسى الصدر (الذي نُشر عام 1986 في أميركا، قبل أن يصدر في طبعة عربيّة مُترجمة في بيروت وبمقدّمة من نبيه برّي). وأذكر أن رئيس تحرير «ميريب» طلب منّي يومها كتابة مراجعة للكتاب. رأيت فيه محاولة للجمع بين ما سمّاه إدوار هرمن في كتاب له «صناعة الإرهاب» أي الدوائر والمراكز والمؤسّسات التي تستفيد من إنتاج دراسات الإرهاب، والصناعة تلك موالية تماماً لإسرائيل، أي إنك لا تجد خبير إرهاب واحداً في الغرب ممن يتعاطف مع نضال شعب فلسطين، أو ممن يقبل بإطلاق صفة الإرهاب على أعمال إسرائيل في قتل المدنيّين الجماعي وبين الاستشراق المعاصر المُبتذل. وقد بالغ عجمي في كتابه في تصوير دور موسى الصدر، وهناك مشاكل منهجيّة وحقائقيّة في الكتاب، لكن الأبرز فيه هو النعرة العنصريّة ضد الشعب الفلسطيني، والنبرة اللئيمة في الحديث عنه وعن منظّماته في لبنان. ينسى اللبنانيّون (واللبنانيّات حتى لا ننسى تلك التي أعدّت أطباقاً لأرييل شارون) أن المنظّمات الميليشياويّة اللبنانيّة قامت بكل ما يتهمون المنظمات الفلسطينيّة بفعله لا بل أسوأ. أما إسرائيل، فكان دورها غائباً، أو هامشيّاً. الأعداء والمُخرّبون هم دائماً عرب في ذهن عجمي. وهو لم يؤيّد حركة أمل، إلا في مواقفها في حرب المخيّمات، مع أن قادة في الحركة ساعدوا عجمي في إعداده للكتاب كما روى. لكن عجمي أعلن جهاراً موقفه الجديد عندما خطب مع هنري كيسينجر أمام حفل لجمع التبرّعات لمنظمة إسرائيليّة تدعم المستوطنين في القدس. ثم توالت العروض. دعوات لإلقاء خطب ومحاضرات أمام تجمّعات ومنظمات ومراكز أبحاث صهيونيّة مقابل مبالغ سخيّة، بالإضافة إلى عروض مفتوحة للكتابة في «النيويورك تايمز» و«فورين آفيرز» و«يو إس ورلد أند نيوز ريبورت»، والأخيرة على يمين حزب الليكود وتجد في أرييل شارون اعتدالاً مضرّاً بمصلحة إسرائيل. وبدأ بالتأييد لا بل التأجيج لحروب أميركا وإسرائيل. وعندما أخذ جورج بوش الأب بالتحضير لغزو العراق عام 1991، استدعى مجموعة صغيرة من الكتّاب والأكاديميّين. روت لي ما حدث إحدى المدعوّات. قالت إن عجمي كان أكثر حماسةً من بوش في الدعوة للغزو وفي إطلاق الأوصاف على العراقيّين. قالت إن بوش امتعض من أسلوبه في الحديث ومن عدم أتاحته المجال أمام زملائه وزميلاته للإدلاء بدلوهم. طالبه بالتوقّف كي يتحدّث الآخرون. وباتت مواقفه صريحة. اقترب من قوى اليمين الأميركي المتطرّف، وكان الخبير المُفضّل لدى دوائر صنع القرار، وخصوصاً في الحزب الجمهوري. الصهاينة يستشهدون بكلامه كما يستشهد المسلم بالآيات القرآنيّة. وعندما تسلّم بول وولفويتز (الذي تحمّس ميشال معوّض لالتقاط صورة معه في حفل لمؤسّسة الماما معوّض) منصب عميد كليّة الدراسات العليا في جامعة جون هوبكنز، ازداد التصاق عجمي بالمحافظين الجدد وبات واحداً منهم. أي إن واحداً من المحافظين الجدد كان مفيداً للظهور كواحد من العرب لإثبات ما يلصقه المحافظون الجدد من اتهامات بحق العرب، ومن تشنيع ضد شعب فلسطين. وتوازى ذلك مع الكتابة في المطبوعات الصهيونيّة مثل «النيو رببلك» و«يو إس وورد أند نيوز ريبورت»، ومع عضويّة مجلس إدارة تحرير مجلّة «ميدل إيست كوارترلي»، التي أسّسها المتطرّف اليميني الليكودي دانييل بايبس (كما يشاركه العضويّة في المجلّة المذكورة، لبناني آخر، هو حبيب شارل مالك). وعندما يحسم الرجل موقفه، تزول الممنوعات وتتبخّر المحظورات، حتى العاطفيّة منها أو النفسيّة. كما أن احتفاء الصهيونيّة به ازداد، إلى أن تلقّى دعوة في أوائل التسعينيات من جامعة هارفرد (والجامعات النخبويّة في أميركا هي أكثرها تطرّفاً في الصهيونيّة). أذكر تلك الحادثة. كنت أزور المفكّر الفلسفي العراقي (الراحل) محسن مهدي في مكتبه في مركز دراسات الشرق الأدنى في الجامعة عام 1991. وقد درس مهدي في جامعة شيكاغو على يد «ليو شتراوس» الذي كان يقدّر الفارابي لأن ابن ميمون اعتبره «المعلّم الثاني». تخصّص مهدي في فلسفة الفارابي وكتب أطروحة عن «فلسفة التاريخ عند ابن خلدون»، وقد تكون من أعمق ما صدر من دراسات عن ابن خلدون. وعندما تقاعد هاميلتون غيب في جامعة هارفرد خلفه مهدي في المنصب عام 1969، وتسلّم مهدي إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة. وفي عصر الحروب والهزائم والويلات في العالم العربي، صمت محسن مهدي ولم يعلّق بكلمة على أحداث عالمه السابق. لم يوقّع على عرائض ولم يلق خطباً ولم ينضمّ إلى التنظيمات العربيّة الأميركيّة التي فرّخت، وخصوصاً بعد هزيمة 1967. انكبّ على الدراسة من دون اهتمام سياسي مُعلن. ولكن عندما لقيته في أوائل التسعينيات، كان الأستاذ الهادئ الطباع غاضباً ومُستنكراً، على طريقته. ووجدت فيه أيضاً اعتراضاً قويّاَ على الحرب الأميركيّة في العراق التي كانت قد جرت للتوّ. ثم انتقل ليحدّثني في موضوع العرض الأكاديمي لفؤاد عجمي من جامعة هارفرد. حدّثني مهدي فقال إن مؤسّسات وقوى صهيونيّة في الجامعة كانت وراء تقديم العرض لعجمي. وقد دعاه أستاذ اللغة الإنكليزية، مارتن بيريتز، الذي كان مالكاً لمجلّة «النيوريبلك» الصهيونيّة المتطرّفة، لإلقاء محاضرة في صفّه، وتناوب الصهاينة في الجامعة على إغداق المدائح على شخصه. كتبت جريدة الجامعة، «هارفرد كريمزن»، مقالة عن الموضوع. وقد أعطاني مهدي نسخة من العدد وفيها تصريح لـ«أستاذ معروف» رفض الإفصاح عن اسمه يندّد فيه (بلطف) بفكرة تعيين عجمي. قال عنه إنه معروف إعلاميّاً وليس أكاديميّاً. قال لي مهدي إنه هو الأستاذ الذي رفض الإفصاح عن اسمه، لكنه طلب منّي التكتّم على الموضوع (ولم أعتبر نفسي في حلّ من التعهّد إلا بعد وفاة مهدي عام 2007). وأضاف مهدي (المحافظ سياسيّاً) في حديثه معي إنه لا يمانع أن يمارس عجمي نقداً قاسياً ضد العالم العربي، لكن عدم توازيه في لا بل حرصه الشديد على التمنّع عن نقد إسرائيل والولايات المتحدة يرسم علامات استفهام سياسيّة عن حقيقة النقد والناقد وإخلاصهما، وعن طبيعة الغرض السياسي وهواه. رفض عجمي عرض جامعة هارفرد. وضع شروطاً على الجامعة أصابت بعضهم فيها بالغثيان والامتعاض الشديد. كان يصرّ على البقاء في منزله في نيويورك، بينما تحرص الجامعة على تواصل ما بين الأستاذ والطالب. كما أن عجمي رفض أن يدرّس صفوفاً غير الدراسات العليا، وهناك من أخبرني أن عضواً في الإدارة أفهمه بلطف أن حَمَلة جوائز نوبل في مختلف المجالات يعلّمون صفوف السنة الجامعيّة الأولى. ظنّ صاحبكم أن الحظوة الصهيونيّة دليل عبقريّة، مثلما خُيّل لأنور السادات أن احتفاء الصهيونيّة به دليل على عظمة تاريخيّة في شخصه. وبقي عجمي في جون هوبكنز يحظى بدلال مميّز من صديقه العميد، وولفويتز. لكن عجمي كاد أن يفقد صوابه بعد انتخاب بوش عام 2000. أصبح قريباً من السلطة بعد وصول زملائه من المحافظين الجدد إلى مواقع القرار. والسلطة، كما أسرّ تروتسكي في أذن لينين بالألمانيّة على ما ورد في مذكّرات الأوّل عن الثورة الروسيّة، تديرُ الرأس. وزايد عجمي على مزايدي اليمين، وأصبح مستشاراً لكوندوليزا رايس، وحظي بلقاءات عديدة مع بوش، بحضور راعيه برنارد لويس. والاثنان يرتبطان اليوم بالنصيحة التي عزّزت اقتناع جورج بوش بضرورة غزو العراق. هما اللذان أسرّا له بأن العرب لا يفهمون إلا لغة القوّة. كنت في زيارة قبل أسبوعيْن لجامعة ماساتشوستس، وتناولت طعام الغداء مع البروفسور (المتقاعد) نصير عروري. قلتُ له: كنّا قبل عشرين عاماً نشكو من فؤاد عجمي، وكنّا نتحدّث عن ظاهرة شخص واحد فقط. أما اليوم، ففي كلّ جامعة أميركيّة هناك فؤاد عجمي، من دول عربيّة مختلفة، وهناك فيهم فلسطينيّون. أصبح إنتاج ظاهرات فؤاد عجمي غزيراً بعد 11 أيلول. يسعون وراء أوراق عجمي وبرنارد لويس هما اللذان أسرّا لجورج بوش الأب بأن العرب لا يفهمون إلاّ لغة القوّة اليانصيب. يودّون لو تتكرّر معهم (ومعهنّ) تجربة الحظوة الصهيونيّة والجاه السياسي والظهور الإعلامي والقرب من السلطة في الدوائر الأميركيّة. أوقفت مرّة واحداً من هؤلاء، وكان قد بدأ بمحاكاة عجمي. أوضحت له أن أميركا لا تريد أو تحتمل أكثر من فؤاد عجمي واحد. هي فقط تريد من يقول ما تريد، لكن باسم «واحد من أهله، ليشهد». ثم أعلمته أنه لا يتمتّع بموهبة عجمي الإنشائيّة. ثابر الرجل، لكنه سرعان ما اختفى عن الأنظار، رغم كتابات هنا وهناك تدين «الإرهاب الفلسطيني». لا يزال عجمي يكتب في الإعلام الصهيوني. كتب أخيراً في الـ«وول ستريت جورنال» مدافعاً عن حكومة صديقه نتنياهو، مُطالباً بمنع الضغط على إسرائيل لوقف المستوطنات. قال إن إسرائيل قدمت تنازلات في السابق من دون نتيجة. وكتابه الأخير عن العراق يكاد أن يكون مجموعة خطب بوش في حقبته: أصبح الرجل عاجزاً عن الكتابة غير الدعائيّة الفظّة. لكن عجمي ينسجم مع العصر العربي (الرسمي) الحالي. جريدة «الشرق الأوسط» استضافت نائباً من حزب «إسرائيل بيتنا» ليوجّه رسالة إلى العرب عن خطر إيران ووداعة إسرائيل. فؤاد عجمي مرآة لحكام العرب. تسيبي ليفني، وزيرة العدوان على غزة، دُعيت للمحاضرة عن الديموقراطيّة في قطر. وآل سعود يتمّمون إجراءات شهر العسل بل سنة العسل مع إسرائيل. فؤاد عجمي ظاهرة ستتكرّر. والتقليد، كما يقول مثل إنكليزي، أكثر أنواع الإطراء إخلاصاً. * أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com) ملاحظة: ستصدر مجموعة مقالات الكاتب في «الأخبار» في كتاب عن دار الآداب بعنوان «البوح الغاضب» بعد شهريْن.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | asadabukhalil@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]