احتفاء قطري (ملغى) بصهيوني ناعم!


سماح إدريس
بورك ناشطو المقاطعة في دفع دولة قطر إلى إلغاء دعوتها إلى دانيال بارنبويْم. الحق أنّ الاحتفاء القطري بهذا المايسترو الصهيوني الناعم كان سيحمل إزعاجين على الأقل. الإزعاج الأول هو ادعاء الفصل بين الفن والسياسة، عبر الإيحاء أنّ بارنبويْم مايسترو لا قائدُ كتيبة عسكريّة ــ كأن دعوة فنان إسرائيلي صهيوني وفرقتِه إلى دولة عربيّة في ظل استمرار الاستعمار الإسرائيلي لا تعتبر عملاً سياسيّاً بامتياز! المؤسف أنّ المعلّم إدوارد سعيد، وهو صاحبُ واحدٍ من أهمّ الكتب في تفصيل العلاقة بين الثقافة والإمبرياليّة، روج فكرة الفصل تلك عبر شراكته مع بارنبويم في «أوركسترا الديوان الغربي ـ الشرقي» التي تجمع موسيقيين شباب عرباً وإسرائيليين. هذا المشروع الذي يقول إدوارد سعيد إنّه من بنات أفكار بارنبويم، يندرج في منحى التطبيع مع العدو الإسرائيلي، على ما جزمت «الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل». ذلك أنّ هدف «الديوان» المعلن لا يقتصر على جمع الموسيقيين الشباب العرب والإسرائيليين في ورشات تدريب أو حفلا (وهذا بحدّ ذاته «تسييس للفن» الذي يُزعم أنه خارج السياسة أصلاً)، وإنّما يتعدّى ذلك إلى تشجيعهم على تجاوز الاختلافات السياسيّة والقوميّة ــ كأن مردّ هذه «الاختلافات» إلى محض ضعفٍ في التواصل بين الطرفين، أو إلى مجرّد فجوة ثقافيّة، أو كره تاريخي غير مبرر! إنك حين تطلب إلى عازف فلسطيني أو عربي أن يتناسى، ولو لأيّام أو ساعات، أنه خاضع للقتل والاحتلال والتشريد والتمييز العنصري، وأن يعزف مع إسرائيليين يحتلّون بيته وبيارته ولم يجهروا بموقف مؤيّد لحقوق الشعب الفلسطينيّ غير القابلة للتصرّف، فذلك هو التطبيع بعينه. يقول أحد العازفين في الديوان (اسمه فيليكس شفارتز) إن صناعة الموسيقى وسماع العازفين يعْنيان «وضعَ الخلافات، أياً كانت، جانباً، من أجل القيام بالعمل نفسه في المكان نفسه واللحظة نفسها». لكن، من قال إنّ على الفلسطينيين والعرب أن «يضعوا الخلافاتِ جانباً» من أجل الموسيقى، أو أن يُستغلّوا (بذريعة الموسيقى) لترويج صورة زائفة عن قبولهم «عيشاً طبيعياً» مع الإسرائيليين؟ مَن قال إنّ عليهم أن يفضلوا العزف مع الإسرائيليين على العيش أحراراً في أرضهم؟ وهل القتل والتهجير والتمييز العنصري محض «خلافات» يمكن أن يتمّ تجاوزها بالعزف المشترك؟ والأهمّ، مَن قال إنّ العزف المشترك هو السياسة الصائبة في زمن انتشار مقاطعة إسرائيل عالميّاً؟ في تقديري أنّ إدوارد سعيد، لو كان حيّاً وشهِد امتناع رودجر واترز، وكاساندرا ويلسون، وكارلوس سانتانا، وألفيس كوستللو، وفانيسا بارادي، وناتاشا أطلس وعشرات آخرين عن تقديم عروضهم في الكيان الصهيونيّ لفكر في تبني خيار المقاطعة الثقافية والفنية، ولربّما فكّ شراكته مع صديقه العزيز بارنبويْم! إنّ أحداً لا ينْكر أن مؤسّسة بارنبويم ـ سعيد، ومركز بارنبويم ـ سعيد للموسيقى، وكونسرفاتوار سعيد ـ بارنبويم، أفادت مئات طلاّب الموسيقى في رام الله وبيت لحم وجنين والناصرة ويافا. لكن الساذج وحده هو من يُنْكر أنّ هذه جميعاً أضرّت بمبدأ عزل إسرائيل ومقاومة التطبيع معها. وبالمناسبة نسأل: أليس ثمّة من سبيلٍ لخدمة طلاّب الموسيقى الفلسطينيين غير «الشراكة» مع الإسرائيليين؟ ألا يقوم «معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى» وهو مؤسّسة وطنيّة تابعة لجامعة بيرزيت، بتعليم الموسيقى لآلاف الطلبة الفلسطينيين؟! *** الأمر المزعج الثاني في احتفاء قطر (الملغى والحمد لله) ببارنبويم هو تبجيل أي غربي أو إسرائيلي يعترف بشيء من حقوقنا، ولو على حساب حقوق أخرى أهمّ. بعض العرب يهلّل كالأطفال لأي نقد لإسرائيل، ولو كان هدفه إزالة اللوثة «المستجدّة» عن طهارتها «الأصليّة». وبارنبويم، في هذا الصدد، مثال على «الصهيونيّ الإنساني» الذي يهجس باستعادة «نقاء» إسرائيل الأولى. استمع مثلاً إلى مقابلة مشتركة مع إدوارد سعيد، على قناة NPR في 27/12/2002. يقول إن إسرائيل «كانت ضرورة مطلقة لليهود ولم يكن ثمة أي خيار آخر (عليكم، إذن، أن ترضخوا لنتائج النكبة أيها الفلسطينيون!). وتأملْ مقالاً كتبه عن فاغنر، وفيه يقول إنّ هرتزل لم يتجاهل وجود شعب آخر في فلسطين حين طرح فكرة قيام دولة لليهود، وإنما تصوّر «حقوقاً سياسية متساوية للسكان العرب وغير اليهود» وهو ما يعني أنّ بارنبويم لا يدين المشروع الاستعماريّ الصهيوني في ذاته بل يدين «انحرافه» عن هدفه المساواتي المزعوم. وفي المقال نفسه، يقتطف بارنبويم كلمات لمارتن بوبر في المؤتمر الصهيونيّ الثاني عشر (1921): «إنّ رغبتنا القومية في تجديد حياة شعب إسرائيل في وطنهم القديم ليس موجّهاً ضد أيّ شعب آخر... إننا لا نتطلّع إلى العودة الى أرض إسرائيل... من أجل قمع شعب آخر أو السيطرة عليه». كما يأسف للفارق بين الواقع اليوم و«إعلان استقلال إسرائيل» (13 أيّار/ مايو 1948) الذي ينصّ على أنّ إسرائيل «ستكرِّس نفسَها لتنمية البلاد من أجل خير جميع سكّانها»، وأنّها ستبنى على «الحريّة والعدالة والسلام بحسب رؤى أنبياء إسرائيل» وأنّها «ستَضْمن لكلّ مواطنيها المساواة الاجتماعية والسياسية بصرف النظر عن الدين والعِرق والجندر». والسؤال البديهيّ هنا: أيمكن تصوّر استعمار ديموقراطي مساواتي؟ قد يمكن البحث عن حلّ يأخذ في الاعتبار وجود المستوطنين المدنيين بعد تجريدهم من امتيازاتهم العنصريّة ــ وهذه هي روح مطلب «الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة على كامل فلسطين التاريخيّة» بعد تحريرها من الصهيونية. لكن، في المقابل، لا يمكن إلا السخرية من التنظير لاستعمار... ديمقراطي. وإذا كان بارنبويْم يحاول أن يحمي «إسرائيل المثال» من واقعها الإجراميّ الحالي، بتأكيده حقّ الفلسطينيين في المساواة بمغتصبيهم، فإنه لا يذْكر حقهم الأهمّ: حق عودتهم إلى ديارهم. فأي مثال هو ذاك الذي يتنكّر لجذر المسألة الفلسطينية؟ إنّ بارنبويم يسعى إلى إنقاذ «سمعة» إسرائيل والصهيونية بتخيل أساس إنساني لهما، كامنٍ في خطابات هرتزل وبوبر وأمثالهما، لا إلى إحقاق الحق الفلسطيني الأهم. فهذا الأخير لا يكون في مساواة المحتل بالخاضع للاحتلال، ولا في الاكتفاء بإعطاء الفلسطينيين «دولة مستقلة» وهمية مقطعة الأوصال وفاقدة للسيادة على جزء (يزداد ضآلة) من أرضهم المغتصَبة، بل في عودتهم إلى ديارهم في أيّ مكانٍ من فلسطين. *رئيس تحرير مجلة «الآداب» وعضو في «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل ـ لبنان».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]