حبيب الشرتوني: «الرجل الخطير» عائد



اعتصام تضامني مع الشرتوني في بيروت (مروان طحطح)
أسعد أبو خليل

حبيب الشرتوني: أنتَ وحدك «الرجل الخطير»، ولا رجل خطيراً غيرك في هذه الربوع. هناك ابطال ومقاومون ومقاومات، لكنك من صنف خاص كونك خرقت الزمن ــ لا بل عطّلته تعطيلاً. ليس هناك من استحق اللقب والألقاب غيرك، أو أكثر منك. أنت طوّعت التاريخ بيديك، وقاومت مرتيْن: الاحتلال، ثم جلّاديك الذين ما طوّعوا عقلك أو عزيمتك. سيشمئزّ أعوان إسرائيل في لبنان من الحراك الجاري من أجل عودتك مشفوعاً بفعل البطولة وإرادة مؤيّديك. حبيب الشرتوني: أنا وغيري تحرّرنا من الأسر الإسرائيلي بفضل ساعديك (المصنوعين من «حجر وزعتر»).

حبيب الشرتوني: ليس هناك من يستحق موطئ قدم في لبنان، أكثر منك. في بلد غير لبنان، كان سيُطلق اسمك على جادات وشوارع وحارات ومراكز، لكنّهم ينعتونك بأوصاف القانون الجنائي أو لا يجرؤون على لفظ اسمك. اعتذروا من حبيب الشرتوني لأنّه سيعود إلى بلد يضج ببشاعة تماثيل بشير الجميّل ورفيق حريري وصورهما.
اعتذروا من حبيب الشرتوني لأنّكم لم ترفعوا (بعد) تماثيل مرمريّة له في الساحات العامّة. لكن لماذا يُحدث اسم حبيب الشرتوني كل هذا الهلع؟ اسمك زلزل، يا حبيب، وسيزلزل دعائم كل بيوت الكتائب وكل مقارّ القوات اللبنانيّة في مسخ الوطن. تهتزّ جدران بيوت الكتائب عندما تقترب منها على بعد أميال، يا حبيب. تماثيل قادة الكتائب ترتعش لذكر اسمك.
حبيب الشرتوني حصرمة بعين أعوان إسرائيل في لبنان، وفي خارجه. بين العدوّ الإسرائيلي وحبيب الشرتوني حساب عسير. لم تغفر دولة العدوّ للشرتوني فعل البطولة. لكن الشرتوني لم يكن ليتوقّع ان تتعمّم عقيدة التحالف مع إسرائيل وأن تعتنقها فئات عريضة من الشعب اللبناني. هناك في لبنان من بات يعتبر أن خدمة العدوّ هي جزء من التكريس الفعلي للهويّة الطائفيّة (هل كانت هي تلك تبريرات زياد الحمصي الذي حظي بدعم نقولا فتّوش العلني ــ أي أنّ نقولا فتّوش يسعى وراء تأييد أي كان ولو كان عميلاً محكوما لإسرائيل؟ ).
ماذا فعل حبيب الشرتوني؟ هو فعل فيما كان غيره نياماً. هو قام فيما كان غيره جالسين. هو تحفّز فيما كان غيره مصاباً بالخمول. هو انتصب فيما استلقى غيره. هو صرخ، فيما صمت الآخرون. هو أطلق فيما امتنع الآخرون. هو طار فيما التصق الآخرون بالأرض الوعرة. هو قفز فيما استكان الباقون. هو جابه وقاوم فيما استنكف آخرون. حبيب الشرتوني رفض زمن الاحتلال الإسرائيلي ورفض كل مترتّباته واستهدف حليف إسرائيل الذيلي الأكبر فيما كان مجتمعاً مع أعوان ومؤيدين آخرين للعدوّ في بيت التعامل المركزي مع إسرائيل في الأشرفيّة. حبيب الشرتوني عنوان لمرحلة في لبنان: هي مرحلة الاحتلال في مواجهة المقاومة. حبيب الشرتوني عجّل في التاريخ، وقدّم مرحلة على أخرى.
القصة معروفة ولا تحتاج إلى جهد الشرح. اجتاحت إسرائيل لبنان وككل اجتياح احتلالي، اعتمدت على أعوان محليّين من عملاء الاحتلال الأجنبي وكان بشير الجميّل في مقدمهم، وقرّر نبيل العلم وحبيب الشرتوني (والحزب الذي بدلاً من أن يزهو بزهرته يخجل بها) ان يتخلّصوا من بشير الجميّل هذا. في كل احتلال أجنبي تقوم حركة مقاومة الاحتلال بالتخلّص من أعوان الاحتلال وعملائه. لم يفعل الشرتوني والعلم كما فعل مقاومو الاحتلال النازي في فرنسا ضد المتعاملين والمتعاملات. لم يقم حبيب الشرتوني بدوس نساء تعاونت مع الاحتلال تحت الأقدام حتى الموت، كما فعلت المقاومة الفرنسيّة في باريس بعد التحرير. لم يقتصّ الشرتوني من نساء، كما فعلت المقاومة الفرنسيّة بعد التحرير (يُقدّر انّ ثلث المدنيّين الذين تعرّضوا للقتل على يد المقاومة الفرنسيّة بعد التحرير في مقاطعة «بريتاني» كانوا من النساء). لا، حبيب الشرتوني قصد ان يقطع رأس أفعى التعامل مع العدوّ. سجّل (وسجّلي) أن محطة «إم.تي.في»، التي لا تنفك عن نقل دعاية العدوّ الصهيوني بحذافيرها، تريد ان تعثر على حبيب الشرتوني. وسجّلي أنّ «إم.تي.في» تريد ان تستخدم الإنتربول لمعرفة مكان الشرتوني. لتسهيل مهمة الـ«إم.تي.في» الجيمس بونديّة، أتطوّع بالمساعدة: حبيب الشرتوني موجود في لا مكان، وفي كل مكان. حبيب الشرتوني شوهد هنا وهناك. حبيب الشرتوني، غادر ولم يغادر. حبيب الشرتوني ذهب وعاد ثم ذهب ثم عاد. حبيب الشرتوني موجود وغائب. هذا لا يعني ان الـ«إم.تي.في» لن توفّر جهداً للعثور على حبيب الشرتوني لأنّ بشير الجميّل ــ أسوأ لبناني على الإطلاق ــ هو «شهيد» بنظرهم. خلت الشهادة من معناها الحقيقي عندما أُسبِغت على أمثال رفيق الحريري وبشير الجميّل.
قد يأتي يوم تحتلّ فيه صورة حبيب الشرتوني أغلفة كتب التاريخ الرسميّة في لبنان. قد يأتي يوم تزدان فيه شوارع لبنان بتماثيل لحبيب الشرتوني فيما تختفي منه صور بشير الجميّل ورفيق الحريري وتماثيلهما. قد يأتي يوم تصدر فيه الدولة اللبنانيّة طوابع تذكاريّة عن حبيب الشرتوني. قد يأتي يوم يحفظ فيه تلاميذ المدارس أمثولات عن حياة حبيب الشرتوني الذي طبع مرحلة كاملة بساعديه الصخريّين. مثل حبيب الشتروني أمام جلّاديه وصبر وتحمّل فيما لم يصبر ميشل عفلق في أوّل امتحان إلا ساعات، وفيما يندر ان يصبر منا على العذاب الذي لقيه الشرتوني من قتلة القوّات اللبنانيّة.
حبيب الشرتوني على كل شفة ولسان (وعلى صفحات الـ«فايسبوك») لكن اسمه ممنوع من التداول في لبنان. حبيب الشرتوني هو مقاوم أكبر (أو «سوبر مقاوم») في دولة تخجل بمقاوميها. حبيب الشرتوني بعيد عن وطنه (وإن كان لم يغادره قط). لبنان ممنوع عن حبيب الشرتوني الذي ساهم بتحريره، أو الذي أسهم بالبدء بعمليّة التحرير. ليس هناك ما يدعو إلى أن يعتذر عنه حبيب الشتروني. شكّل بشير الجميّل عنواناً لمرحلة إسرائيليّة قاسية أذلّت شعباً بكامله، وقرّر الشرتوني ان لا يقبل فرض الأمر الواقع الإسرائيلي وهو جالس على أريكة. ليس هناك من مقاومة احتلال عبر التاريخ لم تقتصّ من أعوان الاحتلال. بشير الجميّل كان عنوان المرحلة الإسرائيليّة. بشير الجميّل لم يُنتخب لمنصب في تاريخه (القصير): هو نُصّب من قبل العدوّ في أعلى منصب في الدولة اللبنانيّة (قبل الطائف). بين يوم انتخاب بشير الجميّل ويوم اغتياله أيّام طويلة وثقيلة شعر من عاشها (وأنا منهم ومنهن) أنها أطول مرحلة في تاريخ لبنان وأقساها (صودف أنني كنت أقرأ وأعيد قراءة ديوان خليل حاوي في تلك الأيّام وأذكر ان هذا البيت له عبّر عن معاناة المرحلة: «وعرفت كيف تمطّ أرجلها الدقائق، كيف تجمد، تستحيل إلى عصور». يذكر من عاش تلك المرحلة ان الجميّل هذا (نموذج فاشي صغير من أدوات احتلال خارجي عاشته بلدان عديدة) سُوِّق بنجاح، وبأموال أميركيّة وإسرائيليّة وسعوديّة (صائب سلام واحد من المُتلقّين الباكرين للمال السعودي في لبنان، ساعده). أذكر ان هناك في جنوب لبنان آنذاك من رأى في الجميّل هذا مخلّصاً، وأذكر انّ وفداً (ولو صغيراً) من البسطة توجّه إلى بكفيا لتهنئة الأداة الإسرائيليّة على تنصيبها (لكن زعيم الوفد، فاروق شهاب الدين، على ما أذكر، تعرّض للاغتيال في ما بعد)، وكانت المرحلة بين تنصيبه البشع واغتياله الجميل مرحلة حبلى بالغضب والبراكين. يوم تنصيبه (الذي أشرف على هندسته ميشال المرّ الذي عمل بجهد مع الإسرائيليّين على دفع الرشى للمتردّدين من النوّاب ــ المرّ هذا أتقن التعاون مع الإسرائيليّين كما أتقن في ما بعد التعاون مع النظام السوري) جلس الجميّل إلى طاولة يتابع النتائج مُحاطاً بشارل مالك وفيصل أرسلان (وكان الأخير يحلم ان يجعل منه الجميّل زعيماً مثل والده في العشرينيات من عمره). انتظر الجميّل النتائج وكأنّ المعركة ديموقراطيّة حقيقيّة. كانت مسرحيّة لم تنطل.
في لبنان، يتحدّثون بصفاقة عن عودة عملاء جيش لحد وإرهابيّيه إلى لبنان (وقد لحظ «التفاهم» بين حزب الله والتيّار الوطني الحرّ هذا الأمر)، ولا يجرؤ أحد على الحديث عن عودة مظفرّة لحبيب الشرتوني. سيعود، وسيرحل من لا تعجبه عودة الشرتوني.
قد أكون مضطراً لمخاطبة الشرتوني بالأمر. قد أجدني مضطرّاً أن أنحني أمامه شاكراً. الشرتوني خلّصنا من عذاب أكيد. صحيح انّ أمين الجميّل نُصّب من قبل إسرائيل بعده، لكن الأخير لم يملك من مقوّمات الزعامة ما يجعله أداة فعّالة بيد الاحتلال. قال الجميّل للعدوّ إنّه سيعطيهم أكثر من أخيه، وانتهى به الأمر مُتسكّعاً على أعتاب قصر المهاجرين يستجدي النجدة والسماح والغفران.
ما الخطب؟ حبيب الشرتوني عائد، تحت إلحاح الجماهير. هناك من كان في جيله، ومن كان في سن والديه، ومن كان من جيل لم يعرفه، يصرّ على عودته. يعود سمير جعجع الى سجن معراب، ويعود إيلي حبيقة إلى سدة الوزارة بأمر الاستخبارات السوريّة (وخادمها الأمين رفيق الحريري) ويبقى حبيب الشرتوني ممنوعاً؟ هناك حملة للمطالبة بعودة مشرّفة لحبيب الشرتوني. جرائم حربهم غُفرت لهم، وأهّلتهم لفتح دكاكين وقصور وأحزاب، ولا يجوز ان يعود مُرتكب فعل البطولة؟ مجرمو الحرب راكموا المليارات ولا يعود حبيب الشرتوني إلى وطن لا يستحقّه؟ بطرس حرب ومروان حمادة ووليد جنبلاط وإلياس المرّ حرّضوا إسرائيل أثناء العدوان على لبنان في 2006 على ارتكاب المزيد من المجازر وعلى تقدّم قوّاتها في اجتياح لبنان، ويبقى كل واحد من هؤلاء حرّاً طليقاً ويبقى حبيب الشرتوني ممنوعاً من زيارة لبنان؟ زياد الحمصي وفايز كرم أُطلقا من السجن بأمر سياسي وطائفي، ويبقى الشرتوني بعيداً عن مواطنيه؟ عدنان داوود يحرص على تقديم الشاي إلى جنود العدوّ فيما كان متطوّعون يقاومون اجتياح العدوّ لأرض لبنان ولا يتعرّض لعقاب، ويُطلب من حبيب الشرتوني أن يبقى بعيداً؟
سيكون هناك حملة مُضادة. ستنطلق هجمة شرسة تجعل من بشير الجميّل رمزاً وطنيّاً في بلد يزهو بمستعمريه. سيذهب بسام أبو زيد وسائر شلّة المعجبين ببشير الجميّل وتعامله مع العدوّ الإسرائيلي (ليس في سجلّ هذا الرجل إلا القتل على الهويّة والتعامل مع العدوّ، بالإضافة إلى ما ذكره عنه توم ويينر في كتابه «إرث الرماد»، أي أن الرجل كان مُرتهناً في آن واحد لقوتيْن اجنبيّتيّن، واحدة منهما عدوّة بتعريف القانون اللبناني). ستقوم حركة 14 آذار وهي الوارث الشرعي لكل ما مثّل بشير الجميّل من دون زيادة أو نقصان، بحركة نشطة من أجل استهداف حبيب الشرتوني وتشويه سجّله. لكن كتب التاريخ لا تنصف المتعاونين مع الاحتلال، مهما طال زمن الكتابة والتأريخ والقصاص.
حبيب سيعود مرفوع الرأس ومنتصب القامة ومتحدياً الزمن. سيصطف أولاد المدارس في الطرقات، وستحتشد النسوة على الشرفات عندما يعود حبيب الشرتوني. سيُشار إليه بالبنان ويُقال: هوذا. هذا الذي بيديه قضى على أخطر فصل في المخطّط الإسرائيلي في لبنان. سيعود حبيب الشرتوني إلى أرض لم يغادرها قط، وإلى وطن أخذه معه في الغربة. سيعود حبيب الشرتوني ويبقى متجذّراً هنا و... هناك. أما المعترضون، فيمكنهم أن يعترضوا، وأن يلحقوا بأنطوان لحد في إسرائيل. قد يكون عنده وظائف شاغرة في المطعم الذي افتتحه العدوّ له.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | asadabukhalil@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]