خلال لقاء المصالحة في طرابلس بين باب التبانة وجبل محسن (أرشيف)
■ أموال صرفت إهداراً وقوى حليفة تحرج المستقبل أكثر ممّا تفيده
■ ما لم تنقله الشاشات عن لقاء الحريري بمحبّيه في طرابلس
■ التسلّح مجدّداً متأخّر بعد أحداث أيار
لا يزال من المبكر الحديث عن الانتخابات، إلا أن حماسة الكثير من نواب المستقبل، وخشيتهم أن لا ترد أسماؤهم على الأوراق التي سيقصّها آل الحريري، بدأتا تدفعانهم إلى النزول عند رغبة الجمهور، فيتظاهرون في باب التبانة مطالبين بالثأر من الجيش!
فداء عيتاني
رغم التبسيط الذي يعم مقالة نشرت في «لوس أنجلس تايمز» بعنوان «في لبنان السلفيون السنّة وصاحب صيت البلاي بوي (سعد الحريري) يتحالفون في السياسة» (17 تشرين الثاني الحالي)، فإن الجولة العامة من الاستغراب التي يقوم بها كاتب المقالة بورزو داراغاهي، لا تجافي الواقع، وهي ربما كانت حالة رأس تيار المستقبل حين اضطر هذا الرأس إلى زيارة الميدان، والتعرف إلى أحواله خلال مناسبتين منفصلتين.
المناسبة الأولى كانت زيارة النائب ورئيس كتلة تيار المستقبل سعد الحريري، حين اتجه إلى فندق كواليتي إن في الشمال في أيلول من العام الحالي، للبحث في وثيقة طرابلس لإنهاء القتال بين باب التبانة وجبل محسن. حينها، استقبل الحريري الشاب عدداً من أبناء المدينة، ورغم ضغط حاشيته على الكوادر الفاعلة، فقد رفضت هذه الحضور، وحين التأم الجمع في الفندق الذي سبق أن زاره الحريري عام 2005، وأدار منه العملية الانتخابية في الشمال التي أدت إلى زعامته على أبناء السنّة، حين التأم الجمع عام 2008 سمع الشاب كلاماً لا يرضيه، فقد تحدث البعض أنه لولا إصرار الشيخ داعي الإسلام الشهال لما حضروا إلى اللقاء، ومنّن آخرون الحريري بوجودهم الذي أعادوا الفضل فيه إلى تمنيات كنعان (ناجي) وسألوه عن مصلحة أهل السنّة في المصالحة مع أبناء الطائفة العلوية، وطالبوه بالدعم الذي لم يصل، وتعويض الأموال المصروفة عبثاً، وحدثوه عن انهيارات الشركات الأمنية التي ملأت الدنيا وشغلت أبناء الشمال في لحظات خلال مواجهتها مع حزب الله.
حينها، يروي من أرسل عيونه إلى داخل اللقاء، وبعض ممن حضروا له، أن الحريري الشاب دفع الميكروفون بعيداً، وصاح بالحاضرين أن الأسماء المذكورة لا تعني الكثير، وهي تأخذ من جيبه الصغير، إضافة إلى أن من يريد أن يصالح فليصالح، وإلا فالمصالحة كلها لا تعنيني (الغضب دفع الشاب إلى استخدام عبارات أكثر تطرّفاً من الواردة في النص).
عادت الأجواء يومها إلى الهدوء في الفندق، قبل أن يعود سعد إلى المنبر، ويتحدث وتلتقط شاشات التلفزة بضعة مقاطع من لقاء زعيم السنة مع جمهوره المحب والمخلص.
كانت هذه المناسبة عيّنة واضحة من إدارة الأمور والمعارك في تيار المستقبل، حيث لا يعلم الزعيم علم التعيين بما تقوم به المجموعات التي يدعمها، وربما هي أحد الأسباب التي دفعت سعد إلى الهجوم العنيف على ما بثه التلفزيون السوري، إذ إن الرجل لا يصدق أن مساعديه ونوابه ومستشاريه قد أقاموا ما أقاموه من روابط بتنظيم فتح الإسلام.
■ استطلاع مخيّب
أما المناسبة الثانية التي اكتشف فيها رأس المستقبل حجم الهوة التي تفصله عن الشارع، فكانت خلال زيارة الوزيرة بهية الحريري إلى الشمال، حيث افتتحت حديقة الملك فهد في طرابلس في التاسع عشر من تشرين الثاني الحالي، وكذلك وضعت الحجر الأساس لمدرسة التبانة الرسمية، ورغم المحبة التي تقابل بها بهية حيثما ذهبت، لم تكن في جولتها الطرابلسية محط أنظار الحشد الشعبي، بل جافاها الكثر من أبناء التبانة، ولم يجدوا ما يدفعهم لاستقبال شقيقة الشهيد الحريري، أو حضور الاحتفال في التبانة، الأمر الذي لم يكن من السهل تفسيره. إلا أن أحد نواب المستقبل، في لقاء خاص، يقول إن التيار يفقد الكثير من وهجه بعد انقضاء الأعوام على مقتل الحريري، وإن نواب التيار لم يحققوا ما كان مطلوباً منهم، وإن عملية اختيار النواب المقبلين ستمر من غربال تنصّل آل الحريري من أداء بعض النواب الحاليين.
وبعد ارتباك طويل عاشه تيار المستقبل في الشمال، لناحية التورط في الملف السلفي، الذي لا يزال أبرز الناطقين باسمه وابن مؤسّسه خارج لبنان، حاول سعد الحريري القيام بهجوم مضاد، ودافع نواب التيار عن السلفية، حتى ظهرت اعترافات أعضاء من إحدى مجموعات فتح الإسلام على التلفزيون السوري، وتلتها ـــــ في الواقع سبقتها ورافقتها ــــــ حملة شنّتها استخبارات الجيش على الخلايا الجهادية في الشمال وفي بعض المناطق الأخرى من عين الحلوة إلى البقاع، عاد تيار المستقبل إلى محاولة التوازن، وإلى إعادة رسم حدوده السياسية، التي لا يرى البعض فيها إلا الخوض في المجهول مجدداً كما كان الأمر قبل السابع من أيار.
■ سيكور بلاس أقل، أموال أكثر
الشركات الأمنية، وخاصة شركة سيكور بلاس، لم تتوقف نهائياً، بل خفضت عدة موظفيها، وفي الشمال سُلِّم عميد، وهو أحد الضباط في القوى الأمنية، المهمات العسكرية في التيار، عبر دعم مجموعات رديفة للتيار وأخرى مؤيّدة له مباشرة، وإسنادها وتجهيزها، وإن كان حجم هذه المجموعات أقل بما لا يقاس مما سبق تجنيده حتى منتصف العام الحالي، إلا أنها تمثّل نواة مسلحة لأعمال شغب سوقية في الأحياء، وبعض من شد العصب بعد سلسلة من تهالك الجسم المؤيّد لآل الحريري وكتلتهم النيابية.
كذلك، تضاءل عدد من يتسلمون رواتب شهرية من تيار المستقبل، إلا أن الرواتب ارتفعت، وحاول التيار عبر مداخل عدة من بعض السلفيين إلى الأمنيين الرسميين الدخول على منطقة باب التبانة، ونجح جزئياً، إلا أن النجاح الجزئي لم يسعف في استقبال لائق لبهية خلال وضعها الحجر الأساس للمدرسة.
وفي المنطق المستحدث للمستقبل في الشمال، لا بد من تبنّي قضايا الشارع قبل أن يستيقظ آل كرامي والمعارضة في المحافظة، ويهيّئوا أنفسهم للانتخابات ويتذكروا أن المهرب من الملاحقات الأمنية هو في الحماية السياسية، وأن الماكينة الجدية تعيش في باب التبانة، وأن الحال المعيشية في تلك المنطقة لا بد من أن تنفجر أزمات أو تعتاش على التقديمات الهزيلة، وبالتالي يركض مسؤولون في تيار المستقبل للتضامن مع أهالي باب التبانة بعد عملية إطلاق النار على سيارة في المنطقة يوم 21 من الشهر الحالي، حيث يروي بعض السكان أن الحادث ليس الأول، وأن عدداً من المحسوبين على التيار وفرع المعلومات لطالما استفزوا عناصر الجيش في المنطقة، وخاصة بعد توقف إلقاء القنابل اليدوية، وأنهم كانوا يشربون البيرة ويرمون الجنود بالزجاجات الفارغة، وأن التصرف الذي قام به الجيش لناحية قمع الشبان بالحديد والنار لم يكن صدفة ولا بالخطأ، والجيش قرر ضرب محاولة إخراجه من المنطقة وضرب معنويات جنوده، وأن الدشم التي بناها خلال الأشهر الممتدة من أيلول (تاريخ توقف الاشتباكات مع جبل محسن) إلى اليوم كانت في أغلبها موجهة إلى تقاطعات في منطقة التبانة بعد إشارة الاستخبارات العسكرية إلى مكامن الخطر الفعلي، وخاصة بعد انسحاب مجموعة المقاتلين المحترفين من المنطقة، وتخليهم عن القتال، وسحبهم الإمدادات التي كانت في حوزتهم، تاركين خلفهم مجموعات محدودة من عناصر المستقبل وبعض السلفيين، وعدداً من مخبري فرع المعلومات، إضافة إلى مجموعات جهادية يلاحقها الجيش، وبالتالي فإن من يريدون أن يقاتلوا اليوم في باب التبانة، ويموتوا، لن يكونوا إلا البسطاء من الذين تأخذهم الحماسة، أو الذين شعروا بتمييز بين ما جرى معهم في المنطقة وما جرى في حادثة إطلاق النار على المواطنين في منطقة كنيسة مار مخايل، وهم من طالب نواب المستقبل بتبنّي قضاياهم حين صرخوا فيهم «علينا أن نلبس التنانير، أو نصبح شيعة لنعيش وتحفظ كراماتنا؟»، بينما بالغ نواب المستقبل في خطاباتهم بمحاولة استرضاء السكان، دون أخذ واقع الأمور الميداني في الاعتبار، حيث إن أقل مشكلة بين الجيش والسكان ستؤدي إلى سحق المواطنين من دون أن يجدوا هذه المرة من ينسّق النيران ويمدهم بالذخائر والسلاح، اللهم إلا إذا صدّق آل الحريري ونوابهم أن بسطاء باب التبانة باعوا طعامهم ليشتروا السلاح والذخائر التي أطلقت دون حساب على جبل محسن.
لم يكن اللاعب الأكبر غائباً عن لعب التابع، فتيار المستقبل، الذي يستغرب الكاتب في «لوس أنجلس تايمز» تحالفه مع السلفيين، يلعب في ظل عدم اقتناع سعودي بأن الإقرار بالهزائم يخفّف من حجم الخسائر، وأن المعاندة البدوية في وجه المعطيات الواقعية لا تماثل ذهنية من يقاوم لقضايا حيوية ومصيرية. ومهما سألت في الشمال، فإن السياسيين هناك يسخرون من عمليات التسلح والتعبئة، التي لو كانت تنتج لما انهار المستقبل في ساعات في السابع من أيار. ومحاولة توظيفها في الانتخابات أبكر من المطلوب، وأخطر من أن تحمله عاصمة الشمال وجوارها، وإن زرع بذور لاشتباكات ممكنة في باب التبانة لتطيير الانتخابات لا يزال يمكن تحاشيه وقمعه، رغم استياء بعض أهالي التبانة من تصرفات الجيش.
مخاض وتجيير
تتحدث أوساط معارضة عن أرقام لا تشبه أرقام المستقبل، وتقول المصادر إن القدرة التجييرية الأعلى هي للمستقبل، ويليه عمر كرامي، ويتعادل نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي في التجيير، بينما القوى الإسلامية والسلفية لا تظهر على الخريطة. أما في حال قياس القدرة على انتزاع الأصوات كأفراد، فإن الخريطة مختلفة.
سلفيّون ينتقلون
في موازاة خالد ضاهر، فإن عدداً من السلفيين من المحسوبين سابقاً على تيار المستقبل، والمنضوين في اللقاء الإسلامي المستقل، يبحثون اليوم في ظروف إعلان انتقالهم من مركب يغرق إلى آخر لا يزال يطفو، وإن كانت خسائر تيار المستقبل وانكشافه في الشمال لا تعني أن قوى المعارضة تغرف من بحر الجمهور المنفضّ عن البلاي بوي، بل هناك عشرات الموانع أمام الناخب التي تحول بينه وبين رموز المعارضة وإسقاط أسمائها في صناديق الاقتراع.
مصر في طرابلس
لا تزال الآمال في الشمال معلقة على تدخل دبلوماسي مصري، يعقلن الحركة السعودية، على أن يكون لرئيس مجلس النواب، نبيه بري، طرف في وساطة تجمع أطرافاً من المعارضة إلى بعضها، فينضم نجيب ميقاتي بواسطة بري إلى عمر كرامي، ومحمد الصفدي الذي يتحدث الجميع بحذر عن إمكان تفلته من ارتباطاته السعودية، بينما تتجه المساعي المصرية إلى كفّ أذىً سعودي عبر تقليص دعم القوى الإسلامية في لبنان عامة وفي الشمال خاصة، ويتحرك بري بحذر، ودون كبير تعهدات بين الأطراف الشماليين، مكتفياً بالقول لمن يطرح السؤال: «تحالفوا».
إسلاميّون ينسحبون نحو سوريا
كرّر خالد ضاهر أمام عدد ممن التقاهم أنه فتح الخط نحو سوريا، وأنه لن يكون كبش فداء لما جرى ويجري في الشمال، والرجل لم يكذب، فهو ـــــ وإن كان قد تورط بما لا يحكم به ويدينه إلا القضاء الرسمي ـــــ قد زار فتحي يكن مرات عدة سراً، قبل أن يزوره الأخير علناً أمام الإعلام، وأتت هذه الزيارات المتبادلة بعد فك التزام بعض الإسلاميين مع آل الحريري، وخاصة بعد تلمّس الإسلاميين لابتعاد آل الحريري عن ترشيحهم في الشمال، وخاصة في طرابلس، وجاء توقيت يكن للزيارة في لحظة استشعار ضاهر لضعفه إلى الحد الذي بدأ معه يفقد أعصابه وهو يجول في محمية أحمد فتفت الطبيعية في سير الضنية، وبعد تضييق الخناق الأمني عليه، ما فتح له منفساً حقيقياً، وأعاده إلى حالة الوفاء القديمة للداعية يكن، الذي سبق أن تتلمذ على يديه في الجماعة الإسلامية.
في المقابل، فإن يكن يسعى إلى استقطاب الإسلاميين في الشمال وتوحيد جهودهم في الانتخابات النيابية المقبلة. وإن كان البعض في جبهة العمل الاسلامي لا يبدون كبير اقتناع بهذه الخطة، ويفضلون التحالف مع قوى أخرى، فإن الكل في الجبهة ينصتون وينفذون ما اتفق عليه مع الداعية يكن، ويعملون على تطبيق الخطة الاستيعابية للأطراف التي كانت إلى الأمس القريب تهدّد وجود عناصر الجبهة، ليس المعنوي، بل تحديداً الجسدي. وفي الجبهة من كان يفضل أن يُقضى سياسياً على هذه القوى التي انتقلت مجدداً من الوفاء لدم الشهيد الحريري إلى الوفاء لسوريا الأسد ببساطة، وطبعاً كانوا يرحبون بتركهم يواجهون القضاء على ما ارتكبت أيديهم بدل توفير غطاء معنوي لهم قد يبعد عنهم كأس المحاكمات وربما السجن.
أعتقد أن السيد فداء عيتاني بحاجة لاعادة النظر في فهمه لغوياً وترجمته لعنوان المقال بالانكليزية حيث تختلف توظيف كلمة بلاي بوي في معناها السياسي في المقال الوارد في اللوس انجلس عن التوظيف البذيئ في اللغة العربية للكلمة
الواجب مراعاة دقة النقل والترجمة يا سيد عيتاني