أجيال فلسطين: حلم العودة من النكبة إلى الانتفاضتين
طفلان فلسطينيان عند معبر رفح في غزة (سعيد خطيب - أ ف ب)
بين زمن النكبة واليوم، ستّون عاماً خرجت خلالها أجيال فلسطينية لم تعرف الأرض، إلا أنها تصرّ على التمسّك بها. لم يسقط الحق بالتقادم، بل ازدادت المطالبة به شراسة. قصص توارثتها الأجيال أبقت القضية على قيد الحياة، ووحّدت الجميع على حلم واحد بالعودة إلى «الفردوس المفقود»
ربى أبو عمّو
نهار مخيم برج البراجنة يستسلم لحرارة شمس الربيع. الشارع يغصّ بأهله لدرجة يعجز فيها الهواء عن العبور. لا شيء يقطع دورة حياتهم اليومية إلا غريبة تطأ المكان. يلتفتون. يستغربون. «ماذا الآن؟ المزيدُ من الأسئلة عن وضع المخيّم؟ أم إنه موعد حلول ذكرى النكبة مرّة أخرى، وصِفَةُ لاجئ لا تزال موصومة على جبهاتنا. ابحثي في صحف العام الماضي، ستجدين الإجابات عن أسئلة مللنا من تكرارها».
صور الشهداء تظلّل أزقّة المخيم. هنا تلتقي حركتا «فتح» و«حماس» من خلال صور مقاوميهما. ملامح الشهداء غاضبة، كأنها تسأل بإلحاح عن الغد؛ متى العودة إلى أرض الفردوس، حيث أشجار الزيتون والليمون تنتظرنا لتزهر من جديد. سرق الموت لحظة التحرير، انتزع الحلم وأودعه تحت التراب لأن الأمطار آتية لا محالة. نظرات الشهداء جاثمة في الصورة، تصنع جيلاً جديداً، يحمل أثقال الثورة على أكتافه ويمضي قدماً.
في هذا المخيّم دار للعجزة يضم كبار السن، الذين لم يعد لديهم مأوى أو معيل. تبدو وجوههم منكوبة، تشبه الذكرى التي لا تزال حاضرة في وجدانهم. يَحبو ماضيهم فوق حاضرهم، حتى ليبدو الحاضر هو الذكرى. تغيروا ولم يتغيّر الحلم. «وهل ينسى الفلاح أرضه وحلمه يا بنيتي».
اقترب موعد صلاة الظهر. توضأ الحاج أبو إبراهيم. جلس قليلاً مستعداً لرفع صلاة الجمعة. الجو صاف، تعكّره بعض نحلات الربيع. قبل ستون عاماً، وفي مثل هذا التوقيت من عام 1948، كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف ضواحي بلدته عمقا (قضاء عكا). كان يختبئ وعائلته تحت شجيرات الزيتون. لم يكن أمامهم خيار سوى الهرب من قرية إلى أخرى. رمت بهم الأقدار إلى جنوب لبنان، فتحوّلوا بلمح البصر من مواطنين ذوي هوية وأرض، إلى مجرد لاجئين. بدأ حلم جيل فلسطيني بكامله، ولا يزال مستمراً حتى أصبح له من الأبناء أربعة.
تعلق دموع أبو إبراهيم بين ما تبقّى من رموشه. لا يزال يشرب قهوته مع أبناء جيله، فيخاطبون بعضهم بعضاً «بالعودة يا حاج... بالعودة. أما زلت تحتفظ بالمفتاح الصدئ؟ عمره من عمر نكبتنا».
ماذا تعني العودة، بعدما عشت معظم حياتك خارج فلسطين؟ يتنهد أبو إبراهيم، مطلقاً ابتسامة الحنين. يكرّر كلماته للتوضيح بعدما استولى الزمن على بعض حروفها. «إنها الأرض يا بنيتي، كنا نملك أرضاً، وبيتاً. نزرع الزيتون وبعض أنواع الخضار، نساعد بعضنا. كنا سعداء. نحن فلاحون، وعلاقة الفلاح بأرضه تبلغ من العمق حدّ العجز عن الوصف. أرضنا انتزعت منا».
صديقه أبو أحمد لم يذهب إلى الصلاة وجلس في الدار منتظراً وجبة الغداء. حمل الملعقة بيدٍ مرتجفة. حنا ظهره قليلاً ولم ينفك يتمتم عبارة أصبحت لازمته اليومية: «الإنكليز باعوا أرضنا لليهود». يقولها بحسرة كبيرة، كأن أرضه سلبت منه البارحة. «أكلّمك الآن وفلسطين في قلبي. أنا واثق من العودة. حقلي ينتظرني».
إنه جيل النكبة الذي شهد الهزيمة. حوّلته إلى إنسان عاجز يبحث عن نقطة انطلاق بعدما سرقت منه. عرف أن المشوار لن يكون سهلاً. لديه الكثير من العمل. خسر أرضه، هدأ قليلاً، وراح يبحث عن أرضية. تكمّش بالحلم حتى لا يفلت منه. نجح في مهمته، بقي الحلم كما هو، ربما عتق لكنه مستمر، رغم أنه تغيّر تدريجاً خلال تنقله من جيل إلى آخر.
مرّ الحلم عبر أجيال أو مراحل أربع، خطّت سياق القضية الفلسطينية، بدءاً بجيل النكبة ومروراً بجيل النكسة والانتفاضة الأولى، وليس انتهاء بجيل الانتفاضة الثانية. أجيال رسمت نفسها في إطار عائلي: الجدة والأم والأحفاد، يسلّمون الحلم واللهجة والثقافة وصكوك الملكية والمفاتيح الصدئة من جيل إلى جيل.
كلّ مرحلة من هذه المراحل لا يمكن أن تكون إلا وليدة ما قبلها، وخصوصاً أنها راكمت آثار الاحتلال، ووعت حقيقة النوايا الإسرائيلية الحقيقية. تعلّمت الدرس. إلا أن الوضع من جيل إلى آخر ازداد سوءاً مع تفاقم الخناق على الفلسطينيين في الداخل والخارج. وغالباً ما شكّل الواقع الصدمة الأكبر. فبعد النكسة، تحوّل لب الصراع الفلسطيني من أراضي الـ1948 إلى أراضي الـ1967.
عاصر صقر أبو فخر الأجيال الفلسطينية. يتنهد قبل المباشرة بالإسهاب في الرواية عنهم، وعن «الحلم». يعتبر أن جيل النكبة الذي شهد الهزيمة «طرد من أرضه، اختبر الذلّ والفقر، فصنع بذلك جيل الثورة. شعر بالصدمة، فأصرّ أن يكون متعلماً. أسس الفصائل الفلسطينية، المتنفس الذي أتاح للشباب ترجمة انفعاله العاطفي إلى تعبير فعلي».
أما الانتفاضة الأولى، بحسب أبو فخر، فكانت بمثابة «جسر التواصل مع جيل التأسيس واستمرار للحركة الوطنية ضمن إطار منظمة التحرير»، شارحاً أن العلاقة المباشرة بين الجيلين تكونت داخل المنظمات، كرد فعل طبيعي على المجازر اليومية ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات.
كأن أبو فخر عمد إلى عزل الانتفاضة الثانية بـ«اعتبارها كانت مسيّسة ولم تتمكن من تحقيق النتائج التي حققتها الأولى». بل على العكس، «لم تسفر إلا عن مزيد من الدمار والقتل وبناء الجدار العازل». يرى أن هذا ما يحصل مع كل الفصائل في انطلاقتها: «تعميمها للأحلام الرومانسية بقدرتها على استرجاع فلسطين إلى أن تصطدم بالواقع».
تشبه الأجيال الفلسطينية الفصول الأربعة. هي تمهيد لبعضها البعض رغم أنها تتشكّل بعوامل طبيعية بحتة. فالفلسطيني، بحسب أبو صقر، «محاط بالثقافة العامة، ثقافة الأهل ومواجهة الاحتلال، الذل على الحواجز، المخيمات، الأسرى، التي تشكّل جميعها ثقافة وطنية تغذّي نفسها بنفسها. حكايات الأهالي المطرّزة بالذاكرة، سهرات الحنين، مناشدة الفردوس المفقود، هذه الحالة العاطفية تحرّض الفلسطيني على استرجاع حبيبته الجميلة».
يشكل نائب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان «الفدائي» كمال ناجي، كما يحب أن يسمي نفسه، نموذجاً حقيقياً لجيل النكسة. خرج لاجئاً من خيمة في غزة إلى الأردن فلبنان لاحقاً. لم ير قريته الواقعة في قضاء يافا إلى اليوم.
برأيه، لا يزال الحلم على حاله، يتربع داخل كل فلسطيني ولم يتغير أبداً. يرى أن النكبة هي الأساس والتي شكلت جميع الأجيال. «القضية لا تزال في ضمير كل فلسطيني. ستظل حية ما دام للأطفال شجاعة الانقضاض على الدبابة الإسرائيلية بالحجر». يرفض مقولة أن الحلم تغير عبر أجيال فلسطين. إلا أنه يوضح أن كل جيل أورث الآخر بعض مسؤولياته وتجاربه. فجيل النكبة سلّم الجيل الثاني مسؤولية استرجاع ما ضاع من فلسطين، وعلّمه التمسّك بحقّه في الدولة. ففجّر هذا الجيل الثورة. ولا يزال يقاتل وعلّم الجيل الثالث ضرورة استمرار القتال، صنع منه روحاً شرسة. لا يرى أن الانتفاضة الثانية انتهت، «بل هي في حاجة إلى تفعيل». ويهمس على طريقة الفدائيين أيام العمل السري عن انتفاضة ثالثة يتم الاستعداد لها ويرفض إعطاء التفاصيل عن التوقيت.
لا يزال جيل النكبة يحكي القصص، والروائيون ينسجون من ذكرياتهم قصصاً أخرى تحكي بخشوع عما كانته فلسطين. صفحات من المخيلات التي كانت حقيقية في أحد الأيام، تستوطن الفلسطينيين لاسترجاعه. الأمل يتغير، إلا أن الحلم لا يضيع... العودة.
العصابات الصهيونيّة
تأسست العصابات الصهيونية (الهاغاناه، الإيتسيل، الليحي وغيرها) قبل قيام الدولة العبرية لحماية المستوطنات اليهودية وبناء مجتمع يهودي صهيوني في فلسطين التاريخية. كانت «الهاغاناه» هي الأكبر والأقوى من بين هذه العصابات. وهي التي نفذت عملياً الخطة «دالت» والتطهير العرقي أثناء النكبة، والتي كان ملخّصها دب الفزع والرعب وتهجير العرب الفلسطينيين من قراهم ومدنهم وحرق الأراضي والبيوت والمحال، والعمل على عدم السماح للفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم.
تأسست «الهاغاناه» في حزيران عام 1920. الأعضاء الذين انضمّوا إلى هذه العصابة كانوا من اليهود المتطوّعين. واتخذت الوكالة اليهودية على عاتقها مسؤولية التنظيم وتجنيد مقاتلين من كل أنحاء فلسطين.
انخرط المئات من أعضاء «الهاغاناه» في صفوف الجيش البريطاني لدعم بريطانيا والحلفاء في حربها ضد النازية وحليفاتها. وكسب هؤلاء خبرة واسعة جداً في استخدام الأسلحة، إضافة إلى الأسلحة التي تمت سرقتها وإيداعها في مخازن الكيبوتسات والمستوطنات لساعة الحاجة.
ووقع أول انشقاق في المنظمة عام 1930 على خلفية الطرق والأساليب التي يجب انتهاجها من قبل العصابة، وجزء من أعضائها أقاموا عصابة «ايتسيل» (منظمة وطنية عسكرية)، وتعرف باختصار «الأرغون».
كانت عصابة «ايتسيل» أقسى من «الهاغاناه»، وهي التي نفذّت مجزرة دير ياسين. انطلقت أعمال العصابة الإرهابية في 14 تشرين الثاني 1937 عندما قام عدد من أعضائها بسلسلة من العمليات ضد العرب في مناطق عديدة من فلسطين.
أعلنت «إيتسيل» تجميد عملياتها إثر دخول بريطانيا الحرب العالمية الثانية،. وقامت بريطانيا بردّ جميل لـ«ايتسيل» بإطلاق سراح قائدها ديفيد رزيئيل وأرسلته إلى العراق لتنفيذ بعض المهمات التجسسية لمصلحة بريطانيا، إلا أنه لقي مصرعه هناك، وعُيّن مناحيم بيغن بديلاً منه.
أما عصابة «الليحي» فقد تأسست على يد ابراهم شتيرن في عام 1940. أدت دوراً بارزاً في كثير من العمليات الإرهابية وشاركت في تنفيذ مجزرة دير ياسين.
في 26 أيار 1948، قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول دافيد بن غوريون دمج كل العصابات ضمن «جيش الدفاع الإسرائيلي»، الذي وصل عدد أفراده إلى 115 ألف جندي، غالبيتهم من «الهاغاناه».





