رهانات قريطم وعلم «أونيروتيرابي»

جان عزيز
من يقدر على تعداد الرهانات المعلنة، والخاسرة، لفريق قريطم، وخصوصاً مسيحييه؟
بعد الانسحاب السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، كان هذا الفريق أمام احتمالين: إمّا خيار «تحقيق التسوية التاريخية بين لبنان وسوريا»، كما جاء في الوثيقة التأسيسية للقاء قرنة شهوان، وإمّا الرهان على إسقاط نظام بشار الأسد، علماً أن الرهان الأخير، حتى في حال تحقّقه، لا يخلو من مخاطر ممكنة أو محتملة على بعض قوى هذا الفريق. ومع ذلك، أسقط الخيار، واعتمد الرهان، حتى الارتطام بحائط الحسابات الإقليمية والدولية المغايرة.
وبتزامن مع الانسحاب السوري، وخصوصاً غداته مباشرة، كان فريق قريطم أمام احتمالين: إمّا خيار الدخول في حوار جدي عميق وصادق مع حزب الله، على قاعدة انضمام «الحزب» إلى مشروع إعادة بناء الدولة، وإمّا الرهان المثلّث: المخادعة انتخابياً، والتحريض خارجياً، والاستدراج إلى الصدام داخلياً.
وكان بديهياً منذ اللحظة الأولى أن هذا الرهان الثلاثي محكوم بمخاطر ثلاثية: أولها انهيار قاعدة السلطة المنبثقة من التحالف الانتخابي، وثانيها تعريض البلاد لعدوان دولي كارثي، وثالثها تأجيج فتنة داخلية تؤسس لحروب دهرية. ومع ذلك اختار فريق قريطم الرهان الثاني، حتى الاصطدام بالمأزق الحكومي والرئاسي والدستوري، وبمأزق تقوية موقع «الخصم» بعد عدوان تموز، وبمأزق انهيار «الذات»، بعد أحداث 7 أيار.
وبعد تأكّد فشل الرهان الثاني، كان فريق قريطم أمام معضلتيه اللتين ولّدهما: عداء مع سوريا بشأن مسألة السيادة، وعداء مع الشيعة بشأن قضية الوجود والمقاومة. وبالتالي وجد فريق قريطم نفسه مرة ثالثة أمام احتمالين: إمّا خيار العودة إلى «الشريك المسيحي» لإعادة التوازن في الداخل وضمان محاور موثوق به وقادر على طمأنة سوريا وردعها في آن واحد، وإمّا الرهان على «قلب» الأوضاع المسيحية، من أجل إطاحة البعبع الشيعي لبنانياً، وقطع جسور الحوار سوريّاً، تمهيداً لفرض أمر واقع جديد على المحيطين العربي والدولي الداعمين لفريق قريطم. ورغم «جنون» الرهان الأخير، اندفع فيه أركان قريطم حتى الانقلاب على كل ثوابت الذات. بات الفيتو على ميشال عون، والفيتو على ورقته التفاهمية، المحورين الوحيدين الراسخين في سياسة قريطم، حتى القبول بميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وهو الرئيس المتّفق على «إطار» حزب الله، والمتفاهم مع بشار الأسد على قراءة المرحلة والمنطقة.
بعد قمة دمشق الرباعية، يبدو فريق قريطم أمام احتمالين، قد يكونان أخيرين: إمّا خيار الحوار سريعاً، من أجل توسيع نطاق «التفاهم» نفسه، سعياً إلى حل لمسألة السلاح، وإلى ضمان لوقف عودة النفوذ السوري، وإمّا الرهان على أن الخطوة الفرنسية ـــــ التركية ـــــ القطرية، هي تكتيك أميركي ـــــ إسرائيلي ناجح حتماً، وسيؤدي إلى فك التحالف السوري ـــــ الإيراني، والتالي إضعاف حزب الله وتفكيك واقعه وتحالفاته. علماً أن هذا الرهان الأخير يحمل في طياته بذور العودة إلى سياق عام 1976، مع استبدال الفلسطيني بالشيعي ومفاقمة كل الكوارث المنبثقة من هذا السياق.
في علم النفس التحليلي ثمّة مفهوم اسمه «أونيروتيرابي»، ومعناه العلاج بالأحلام، وهو «آلية دفاعية» غالباً ما يلجأ إليها العاجز عن تغيير الواقع، كما على التكيّف معه. لكن العلم نفسه، لم يبلغ حدّ الانتقال في مقاربته العلاجية من الفرد إلى الجماعة، حيث تنقلب الأحلام كوابيس.


عدد السبت ٦ أيلول ٢٠٠٨
أرسله ابو الحسين -سوريا (لم يتم التحقق) يوم اثنين, 2008-09-08 23:13.

ياسيدي تحليلك جميل ومنطقي ، انا شخصيا ما بعتبر تصرفات الحريري الا عناد ومكابرة ورفض للاعتراف بالهزيمة ولو كان ذلك على حساب لبنان