قبل نحو أسبوع، انتشرت في ساحات طرابلس وشوارعها لافتات شدّت الأنظار. لا لما تضمنّته من مواقف مطلبية وانتقادية، بل لأن من وقّع عليها اختار شعار «ربيع طرابلس»، في إشارة أرادت، ربما، أن تعطي انطباعاً يفيد بأن الربيع العربي يقترب من عاصمة الشمال! هذه اللافتات حملت عبارات مثل: «لا لاستجداء حقوقنا بعد اليوم»، و«مبروك الليطاني... متى طرابلس؟»، و«آلاف الشباب بلا علم ولا عمل ولا أحد يسأل». وقد فسّرت هذه اللافتات بأنها موجّهة بنحو مُضمَر إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وإلى وزراء المدينة ونوابها، والفاعليات الاقتصادية فيها.
بعض من قاموا بهذه الحملة، وفضّلوا عدم كشف أسمائهم حالياً، يصفون أنفسهم بأنهم «مستقلون سياسياً، وينطلقون في حملتهم من خلفية حرصهم على طرابلس، واستيائهم ممّا وصلت إليه الأمور فيها من تردّ في مستوى المعيشة وانتشار البطالة في صفوف الشباب، وفوضى ومشاكل اجتماعية وأمنية لا تحصى». وكشف بعض هؤلاء لـ«الأخبار» أن «الوضع العام لم يعد يطاق، وهو مقبل على انفجار اجتماعي لن يبقى أحد بمنأى عنه»، موضحين أن «إطلاقنا هذه الحملة هو لتنبيه المعنيين إلى أنه لا يجدر بهم التقاعس وصمّ الآذان، لأن الانفجار المرتقب إذا حصل فسيجرف الجميع في طريقه».
وعندما يلفت نظر هؤلاء إلى أن واقع طرابلس ولبنان، المفروز طائفياً ومذهبياً وعائلات وشخصيات سياسية، لا يتيح لهم رفع سقف توقعاتهم كثيراً، يردّون: «نعرف ذلك، فنحن لسنا غريبين عن واقع المدينة، لكن هل يجب علينا البقاء صامتين؟ ألا يحق لنا أن نحلم بواقع أفضل؟». ويضرب أحد منظّمي الحملة مثالاً ما شهدته بعض الدول العربية أخيراً من «ثورات وسقوط أنظمة»، معتبراً أنه: «مثلما لم يتوقع أحد أن يحصل ما حصل، ثم وقع الزلزال الذي هزّ عروشاً في المنطقة وأسقطها، فإن الأمر ذاته قد ينطبق عندنا، وهي محاولة منا قد تنجح وقد تفشل، لكنها تبقى أفضل من لعن الظلام داخل الغرف المغلقة».
لكن هذه الحملة تعرّضت لمضايقات عدة، وهي لا تزال في مهدها، إذ أوقف عناصر أمنيون تابعون لأحد الأجهزة بعض الشبان الذين يرفعون اللافتات، واستجوبوهم لساعات وصادروا اللافتات التي في حوزتهم قبل أن يطلقوا سراحهم.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ، بل إن بلدية طرابلس، وقبل مُضي 48 ساعة على رفع اللافتات، نزعتها جميعاً، بعد تلقّي رئيس البلدية نادر غزال وبعض الأعضاء اتصالات عديدة أجراها معهم مقرّبون من القوى السياسية في المدينة، طالبين منهم نزعها بسرعة، ومتذرّعين بأن البلدية وقّعت منذ فترة وثيقة شرف تمنع تعليق اللافتات، وأن عليها الالتزام بالوثيقة، فضلاً عن تطبيق القانون!
لكن، ما كادت حملة اللافتات تقفل على هذا النحو، حتى امتلأت شوارع طرابلس أمس بمئات الملصقات على الجدران، التي أخذت شكل أوراق النعوة، وتحمل عبارات انتقادية وساخرة، بلهجة تشبه الفكاهة السوداء التي كانت تزدهر عادة خلال فترة إقامة كأس العالم لكرة القدم، عندما يوزّع أنصار أحد المنتخبات العالمية ملصقات مشابهة، موجهة إلى أنصار المنتخبات الأخرى، خصوصاً بعد خسارتها، وبطريقة لا تخلو من شماتة وتندّر.
«نايم بالخسّة»
الملصق الأخير، ينعى فيه من سمّوا أنفسهم «شباب طرابلس مش نايم» بمزيد من الأسى والحزن، المغدور المأسوف على شبابه، ابن الشمال «نايم بالخسّة»، الذي «توفي إثر حادث صحي وبيئي أليم». ويشرح الملصق أن والد المغدور هو «الجهل، والدته: الحرمان، إخوته: اليأس والبطالة والتزلم والتبعية، أخواله: شبيحة المال والسلطة، أعمامه: «نايب بالخسّة» و«وزير بالخسّة». وتقبل التعزية يومياً في مكاتب نواب المدينة ووزرائها، أو عبر الرسائل القصيرة على أرقام هواتفهم. أما التهانئ فهي على مدار الساعة على صفحة فايسبوك «نايم بالخسّة». ويرجى أخذ العلم من الأمراض المنتشرة وحالات الوفاة المتوقعة!».




لبنان:






التعليقات
اضف تعليق جديد