إنه متحف التراث الفلسطيني الذي يقيمه اللاجئ الفلسطيني محمد علي فارس (66 عاماً) على نفقته الخاصة في بيته بمخيم جرمانا القريب من العاصمة السورية دمشق.


إرهاصات البداية
نجلس في ركن داخل المتحف، أسأل فارس عن بدايات اهتمامه بتراث بلده فلسطين، يقول: «بداياتي كانت من خلال الذاكرة الشفوية للأهل، الآباء والأجداد، أيضاً من كواشين الأراضي والبيوت التي احتفظوا بها منذ احتلال فلسطين، ومن الأواني الخفيفة كالطناجر والملاعق والصحون، تلك التي حملوها معهم أثناء خروجهم من فلسطين سنة 1948». ويضيف فارس لـ«الأخبار» أنه كان يسأل عن كل شيء تقع عينه عليه، من المقتنيات القديمة التي تُسمى اليوم «أنتيكا». لم يقتصر سؤاله على ما رآه في بيت أهله، إنما على كل شيء شاهده في منازل الآخرين في المخيم، وعلم أن أصحابه حملوه معهم من فلسطين، ويوضح فارس أنه «مع تقادم الزمن وامتلاكي الوعي تباعاً، ازداد اهتمامي بهذا التراث، وكلنا نعلم أن العدو الصهيوني، بعد أن احتل الأرض، حاول احتلال التاريخ، لأنه يشكّل الحضارة، وكما هو معروف، تقاس قيمة الأمم والدول بحضارتها، ومن أجل ذلك، بدأ الصهاينة بسرقة التراث، وتسويقه ونسبه إلى نفسه في المحافل الدولية والمعارض المختلفة والكتب وغيرها، ولتفعيل ذلك أكثر، استخدم الإعلام منذ البداية، كأداة فعّالة في نشر الأكاذيب، وإقناع الرأي العام العالمي، بأن فلسطين أرض بلا شعب، في حين كان الإعلام الفلسطيني والعربي ضعيفاً جداً في تلك الفترة».
كبرت موهبة فارس، وهو في شبابه، وتوسّعت، حين همّ بالتعرف أكثر إلى التراث الفلسطيني، فقرأ الكتب، والدراسات والمقالات المتعلقة بالموضوع، "تطلّب مني الأمر، أن أقوم بعمل مقاوم ومناضل، لكشف زيف وادعاءات الكيان الصهيوني، فكان أن قررت إقامة متحف لتراث بلدي في بيتي المتواضع. وأردت من هذا العمل، إيصال رسالة إلى الأجيال المقبلة، بأن اعتماد العدو على عامل الزمن (الكبار يموتون والصغار سينسون) يجب ألا يتحقق، وآمنت أيضاً بأننا شعب حي لن ينسى، وسيبقى محافظاً على حقوقه في وطنه فلسطين جيلاً بعد جيل، مهما تقادم الزمن، وأنه لن يتخلى عن العودة مهما كانت التحديات كبيرة».

كنوز تراثية وجهد شخصي
خلال استضافته لـ«الأخبار» في بيته - متحفه، وشرحه عن بداياته مع التراث الفلسطيني، ظلّت أسئلة تراودني وتشغلني، من أين جلب فارس مقتنياته؟ وهل تلقَّى دعماً ما؟ ربما انتبه إلى حيرتي، فقال: «كل ما اقتنيته، بجهد شخصي، ومن مالي الخاص، ولم أتلقَّ أي دعم مالي من أي شخص أو جهة. كنت أقوم بالشراء من الأسواق القديمة، ومن بعض الأشخاص من أبناء شعبنا الفلسطيني الذين علموا بمشروعي، إضافة إلى أن بعض المقتنيات، تبرّع بها أشخاص، لصالح المتحف. ولا أزال أتواصل مع المتاحف الموجودة في فلسطين وسوريا والبلدان العربية والأجنبية، بهدف دعم هذا المتحف، وأنوّه هنا، إلى أن الكثير من المقتنيات والأدوات التراثية السورية، هي نفسها التي تُستخدم في فلسطين، الأمر الذي سهّل عليَّ البحث والاقتناء».
تتعدّد مقتنيات المتحف، منها أوانٍ منزلية استخدمها الفلسطينيون في بيوتهم قبل أن تهجّرهم العصابات الصهيونية من بلادهم، ومن أوراق الملكية لتلك البيوت، وكانت تسمى تلك الأوراق بـ «كوشان» وهو عبارة عن ورقة الملكية الفردية للعقار، ويعدد فارس مقتنياته، كأنه يتحدث عن أقرب الأمور إليه: «في المتحف بعض فئات العملة الفلسطينية الورقية والمعدنية وعلى رأسها الجنيه الفلسطيني، و"كريكو" باص حيفا الذي كان يستخدمه الفلسطينيون سنة 1945 وكذلك مدفأة "الفونط" كانت موجودة في قطار الحجاز، وتوجد أيضاً أدوات فلاحة وزراعة، وأدوات المهن النسيجية والقشيات، وأدوات لصناعة الآلات الموسيقية، كآلة اليرغول والمجوز والصنجات، ومذياع قديم، ربما كانت تستمع إليه قرية بأكملها، كذلك يحتوي المتحف أزياء فلسطينية تقليدية، وصندوق جهاز عروس فلسطينية، ومجلساً عربياً مع أدوات الضيافة كالمهباج والبرادة والفناجين وغيرها، ولديّ في المتحف أسلحة قديمة، كالسيوف والسكاكين والبنادق والمقاليع والنقيفة» لا يتوقف فارس عن سرد تفاصيل مقتنيات متحفه، ويكمل بأن لديه عدداً من الصور للمدن الفلسطينية بين عامي 1885 و1887، إضافة إلى بعض الصحف التي كانت تصدر في فلسطين، وكتب طُبعت هناك، وخريطة جغرافية لقرية الناعمة، قضاء صفد، التي ينتسب إليها فارس.
يعمل محمد علي فارس، على تأليف كتاب، يوثّق لتجربته في المتحف، والمقتنيات الموجودة، وقيمة الحفاظ على التراث المادي للشعب الفلسطيني. فغنى التجربة بالنسبة إليه، ليس بالمقتنيات التي يحتويها المكان فقط، بل بما تمثل من تمسك بفلسطين، الأرض، وما تمثله للإنسان الفلسطيني، من قيمة تبقى ماثلة أمام الأجيال المتعاقبة.

غياب الباحثين وحضور المسؤولين
صحيح أن محمد علي فارس، يعرف كل مقتنياته بدقّة، يعرفها بحكم علاقته معها، لأن لكل قطعة في المتحف، قصة خاصة يمكنه أن يرويها، لكن المتحف - البيت، لم يعد يتسع، وبدأ التكديس، فغابت بعض المقتينات عن عين الزوار «المتحف بحاجة إلى مكان أوسع من بيتي، نظراً إلى تكدس الأدوات والمقتنيات، ولم أجد أي دعم من قبل المعنيين في الساحة الفلسطينية، خاصة من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، نظراً إلى موقفي الرافض لاتفاقيات أوسلو ونتائجها التي أدّت إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية عربياً ودولياً»، ومع ذلك، فإن للمتحف رواده وزواره، يقول فارس «إن اللاجئين الفلسطينيين يتجاوبون بإيجابية، لا بأس بها، بعضهم يأتون لزيارة المتحف مع أولادهم، لتعريفهم بالقضية الفلسطينية، وكذلك بعض المدارس ورياض الأطفال في مخيم جرمانا، كما أن بعض اللاجئين من المخيمات الأخرى في سوريا، وبعض المواطنين السوريين أيضاً، يأتون لزيارة المتحف، والتعرف إلى مقتنياته، وخلال كل زيارة، أجيب عن أسئلة كثيرة حول المقتنيات والتراث الفلسطيني».
تزور المتحف أيضاً، جهات وشخصيات رسمية، كبعض المسؤولين السوريين والعرب، وقيادات فلسطينية من داخل وخارج فلسطين، كذلك جهات فلسطينية وعربية مهتمة بالمتاحف والمقتنيات التراثية، لكنّ لدى فارس عتباً على المثقفين والكتّاب والباحثين المتخصّصين بالتراث «لم يقم أيّ منهم بزيارة المتحف والكتابة عنه في مقالاتهم وأبحاثهم ودراساتهم».

وصية ونداء
يوجه فارس نداءً إلى أولاده وأبناء شعبه، ويوصيهم بأن يحافظوا على هذا التراث العظيم، والتبرع بمقتنيات وأدوات متحفه إلى المتحف الفلسطيني الذي سيقام في القدس، بعد تحرير فلسطين، كل فلسطين، ويدعو الفلسطينيين إلى تحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء الانشقاق، وإعادة تعريف الوطن من جديد كما عرفناه سنة 1964 عن طريق الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويوصي أيضاً بـ «توحيد المقاومة وأدواتها ضمن غرفة عمليات واحدة وتغليب الهدف الاستراتيجي على الهدف التكتيكي لكل فصيل وطرف في الساحة الفلسطينية».