ثمة أسئلة فلسطينية صعبة: لماذا ترفض إسرائيل الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم؟ لماذا تخرس كندا وأميركا وفرنسا وبريطانيا، وتضع إسرائيل فوق القانون الدولي، فلا تُحاسب ولا تُسائل ولا تُعاقب؟

كيانات الاستيطان الاستعماريّ في العالم، وإسرائيل في القلب منها، ذات طبيعة عنصرية مُلازمة لـ«الدولة» وتاريخها ومؤسساتها. ولا يمكن أن تحظى بالشرعية الأخلاقية والتاريخية حتى لو امتلكت كل أسباب القوة والهيمنة. ذلك لأنها من خارج المكان والمجتمع الأصلاني، منظومة من شركات وطبقات وجيوش سارقة وناهبة لخيرات الشعوب. تستعمر أرضهم وحيواتهم بالقوة المسلحة والقوانين. وفي الحالة الفلسطينية، تُصبح (كندا وأميركا وأوستراليا ونيوزيلندا وغيرها) كيانات راعية للمشروع الصهيوني في فلسطين، وليست مجرد «صديقة لإسرائيل»!
لا غرابة إذاً في عقد التحالف المقدّس بين واشنطن وأوتاوا وكيربري مع تل أبيب، فهؤلاء عجينة واحدة، تأسست على نفي الآخر (أصحاب الأرض) وبالقدر نفسه، على الجهة الأخرى، لا بد من تحالف ثوري نقيض بين الشعوب الأصلانية مع قضية الفلسطينيين ونضالهم.
وبالرغم من محاولات الكيان الصهيوني وسفاراته، توظيف قبائل وشخصيات من الشعوب الأصلانية، أو من السود، في هذه البلدان، إلا أن هناك مقاومة مستمرة لهذا الدور الصهيوني.
جاء في مقررات المؤتمر الثالث لـ«تحرّر السكّان الأصليّين» الذي انعقد في بويبلو - ديني، موطن قبيلة نافاهو (الواقعة حالياً في ولاية نيومكسيكو الأميركيّة) 11 و12 آب 2019:
«نحن، «أمّة الحُمر» نُعلن التزامنا بالتحرّر الفلسطينيّ:
دعمنا لحقّ الفلسطينيين في العودة دون أيّ تردّد أو اعتذار
تضامننا الكامل مع فلسطينيّي الشتات وتوفير المساحة لهم للتنظيم والتعبير
تقديم الضيافة لأقاربنا الفلسطينيين أينما حلّوا أو عبَروا في أراضي أوطاننا
نعلن دعمنا للمقاومة الفلسطينيّة في كلّ أشكالها؛ حين يقع شعبٌ تحت الاحتلال، فإنّ المقاومة مشروعة
سنعمل على تثقيف «الأمم الأصليّة» وسائر الشعوب المستعمَرة الأخرى بالمقاومة الفلسطينيّة»*.
في أميركا الشمالية أو «جزيرة السلحفاة» كما يسمّيها شعوبها الأصلانية، يسأل أنصار الكيان الصهيوني في مكر وخبث: لماذا لا توجد حملات مُقاطعة شعبية للبضائع والشركات الإيرانية والصينية؟ لماذا لا يقاطع المواطن الكندي الجامعات والشركات الهندية والباكستانية مثلاً؟ ألا توجد انتهاكات لحقوق الإنسان في تلك البلدان؟ لماذا تصبح إسرائيل هدفاً يومياً لعشرات النقابات والجمعيات والحركات الطلابية؟ أسئلة العدوّ هذه، ترميها مُنظمات الحركة الصهيونية في وجه أنصار فلسطين في الجامعات والنقابات والمؤسسات الثقافية والأكاديمية وغيرها!
كلّما اتسعت دائرة الحملة الدولية الشعبية الداعية لمقاطعة كيان العدو، كثُرت «أسئلة» الصهاينة واجترار التُّهم الجاهزة المعروفة سَلفاً عن «مُعاداة السامية» و«محاولات نزع الشرعية عن إسرائيل» وهذه فزّاعات قديمة، لم تعد تؤتي ثمارها أمام عالم يتغيّر، وجيل جديد.
وتستنفر الحركة الصهيونية في أميركا الشمالية مثلاً، وتعقد «مؤتمرات أكاديمية» بسبب مناهج التعليم المقررة في بعض المدارس الثانوية والجامعات، حول العرق والجنس والعنصرية وتاريخ العبودية والاستعمار والصراع الطبقي وثقافة الشعوب الأصلانية وغيرها - على ضعف بعض هذه الدراسات في بعض الأحيان - تعتبرها الحركة الصهيونية خطراً داهماً على كيانها في قارة منهوبة ومحتلة، تمدّ كيانهم بكل أسباب القوة.

لم يعُد كيان الاحتلال قادراً على اجترار تهمة «معاداة السامية» ضدّ كلّ من ينتقد إسرائيل أو يخلط الحابل بالنابل


لا توجد دولة في العالم تدافع «عن شرعية وجودها» إذا كانت جزءاً طبيعياً من إقليمها، تنتمي إلى فضاء حضاري وثقافي وجغرافي متجانس. يمكن أن تخوض الدول حروباً لأسباب اقتصادية وثقافية وقانونية وحدودية، لكن لن يزعم أيّ منها أن الأمر يتعلّق بـ«نزع الشرعية عن البلد»، ويمكن الحديث عن حكومة غير شرعية، أو رئيس غير شرعي، لكن لا أحد يشكك في شرعية مصر أو روسيا أو الصين مثلاً!
أمام حملات المقاطعة الشعبية التي تستند إلى قوة الحق الفلسطيني والعربي، والحقائق الدامغة والباردة (أكثرها يصنعها العدو بيديه وهو يحفر قبره) يتغيّر الموقع ويتبدّل. لا يستطيع الصهاينة الجلوس في كرسي الضحية، فيما كيانهم يسرق ويقتل ويحتل ويتّهم ويحاكم وينتخب بن غفير ونتنياهو.
ثمة أسئلة فلسطينية صعبة مقابلة: لماذا ترفض إسرائيل الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم؟ لماذا تخرس كندا وأميركا وفرنسا وبريطانيا، وتضع إسرائيل فوق القانون الدولي، فلا تُحاسَب ولا تُساءَل ولا تُعاقَب؟ تعالوا نبحث في طبيعية هذه «الدولة» و«شرعيتها»، ونطرح سؤالاً عن وجود ومستقبل إسرائيل ودور كيانها؟ هل نجحت في مشروعها العنصري الاستيطاني بعد 75 سنة من التطهير العرقي والاقتلاع والتهجير؟ هل استطاعت شطب الشعب الفلسطيني وإلغاء وجوده؟ هل انتهت مقاومة الفلسطينيين واستسلموا ورفعوا الراية البيضاء؟
ترى كيانات الاستعمار الكبرى في المقاومة الفلسطينية واللبنانية خَطراً داهماً عليها، فكل عملية فدائية تقع في جنين ونابلس والقدس، كل قنبلة ورصاصة تصدح في حيفا واللد والخضيرة، يُسمع صداها مباشرة في البيت الأبيض. قد يرتكب مجرم ما مذبحة في مدينة كندية ضد السكان الأصليين، أو مذبحة ضد السود في أميركا، أو طلبة المدارس من البيض الفقراء، ولن تكترث واشنطن وأوتاوا لـ«مواطنيها»، مثلما تكترث لمصرع صهيوني عنصري واحد في فلسطين.
لم يعُد في وسع العدو الصهيوني أن يظهر في صورة الضحية، هذا زمن ولّى، وسقطت كل ذرائعه أمام صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة من جهة، وأمام حقائق القوة الاقتصادية والعسكرية التي يملكها العدو من جهة أخرى. فما هذه الضحية التي تملك 300 رأس نووي؟ وتحصل على 3 مليارات دولارات سنوياً من جيوب دافعي الضرائب؟ تجوب أساطيل العدو وغواصاته البحر الأبيض والأحمر، يبني الصهاينة قواعد عسكرية في أفريقيا، ويملكون ترسانة عسكرية، وقوة اقتصادية تفوق قوة ألمانيا وإسبانيا؟ أهؤلاء ضحايا؟
لم يعُد كيان الاحتلال قادراً على اجترار تهمة «معاداة السامية» ضد كل من ينتقد إسرائيل أو يخلط الحابل بالنابل، وتسقط هذه الحجج الواهية أمام المشاركة الواضحة من اليهود الشباب في الحملات المناهضة للعنصرية في فلسطين. كما تشارك شخصيات وقوى يهودية في حركة المقاطعة. ومن وجهة نظر هؤلاء، الهدف من مشاركتهم ضد الاستعمار الصهيوني ليس لتحقيق العدالة في فلسطين وحسب، بل لأن الجرائم الصهيونية ضد العرب تجري باسم كل يهود العالم.
تكثر أسئلة العدو عن «شرعيته»، ويكبر القلق الإسرائيلي من المستقبل، وبدأنا نشهد حالة هستيريا تتعاظم كلما تعاظمت المقاومة الفلسطينية وقدرتها، وهذه كلها مقدمات تسبق زوال من لا شرعية له أو مستقبل. كل الجيوش التي عبرت فلسطين محتلة أو غازية كان مصيرها الهزيمة والنسيان.