الخرطوم ــ «أم جمعة» فتاة صغيرة لم تتعد سنوات عمرها السبع، بقيت على يقين من أنها ستبقى وأسرتها الصغيرة في الخرطوم، حيث تقطن في مسكن عشوائي. لكن يقينها سرعان ما تحول إلى سراب بعدما تخلت والدتها عن الرغبة في البقاء في الشمال واتخذت قراراً بالعودة إلى جنوب.

أسرة «أم جمعة» ليست العائلة الوحيدة ذات الأصول الجنوبية التي تستعد للسفر والعودة إلى قراها الأصلية في جنوب السودان، فلا تزال الشاحنات والمقطورات الكبيره تئن من ثقل الأثاث المنقول إيذاناً بمغادرة الشمال نهائياً، على الرغم من أن عدد من يحق لهم التصويت قد حُسم بعد انتهاء فترة التسجيل للاستفتاء.
وفيما الهجرة صوب الجنوب مستمرة بكثافة لا تخطئها العين، بات سؤال «ألا تَود الذهاب إلى الجنوب؟» يلاحق كل من آثر البقاء في الشمال، وبينهم الشاب «كروكروز» الذي بدت نظرة الخجل على مُحيّاه وهو يجيب على استحياء بأنه «سيبقى في الشمال» على نحو دائم على عكس أصدقائه. فهؤلاء اتخذوا قرارهم بالبقاء في الشمال لحين إجراء الاستفتاء، على أن يغادروا إلى الجنوب إذا قرّر أبناء جلدتهم الانفصال، معللين قرارهم بعدم «امتلاكهم عملاً مستقراً حتى يبقوا من أجله».
أما «كروكروز» فلم يمثّل غياب العمل المستقر لديه دافعاً كافياً للرحيل عن الشمال. ويرفض الحديث عن امتلاكه مخاوف مما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك، مؤكداً أن «ذلك في علم الغيب»، ولا سيما أن الأوضاع في جنوب السودان قد لا تكون أفضل.
والمخاوف ممّا قد يشهده الجنوب من صراعات قبلية في ظل سيطرة قبيلة «الدينكا»، دفعت بأحد سلاطين قبيلة «النوير» الموجودين في أطراف العاصمة الخرطوم للاجتماع بأفراد قبيلته، وشرح لهم ما ستكون عليه الأوضاع في الجنوب. وتوجه إلى أبناء قبيلته من الجنوبيين بالقول: «ابقوا حيث أنتم في الشمال».
نصيحة استجابت لها ميري، التي تعمل عاملة نظافة في إحدى المدارس الحكومية، وآثرت البقاء في منزلها الذي تملكه، متخليةً عن تردد كان يلاحقها إزاء رغبتها في عدم الانتقال إلى الجنوب.
بدوره، رفض جعفر قرنق الانجرار وراء مخاوف اعترت الجنوبيين المقيمين في الشمال بعد دعوات تحرّض على العنف وعدم قبول الآخر، بما فيها تصريحات لوزير الإعلام كمال عبيد أشارت إلى أنه إذا وقع الانفصال، فإن الشمال لن يُعطي الجنوب حتى حقنة دواء.
جعفر، الذي يقطن في أحد أحياء أم درمان، مطمئن إلى أنه متى ما احتاج إلى جرعة دواء فإن «ملائكة الرحمة» ـــــ الأطباء ـــــ سيفعلون ما يمليه عليهم ضميرهم المهني ويعطونه ما شاء من دواء إن أصابه السقم.
فمن وجهة نظره، «مهنة الطب مهنة إنسانية ولا أتصور أن تتأثر بتصريحات السياسيين».
كذلك يرى جعفر، الشاب المسيحي العامل في إحدى الشركات الخاصة في الخرطوم منذ ثلاثة عشر عاماً وله سبعة من البنين والبنات، «أن تقرير المصير هو خيار كل الجنوبيين، ومن حقهم أن يصوتوا للخيار الذي يلبّي طموحاتهم في العيش بحرية»، قبل أن يضيف: «وأنا خياري كجنوبي مقيم في الشمال أنه حتى وإن وقع الانفصال لن أذهب إلى الجنوب».
ويرى جعفر أن المجتمع الذي يعيش في وسطه يتمتع بقدر كبير من التماثل الاجتماعي. ويرفض ترك عمله حتى لا يخسر مصدر رزقه الذي يعول من خلاله زوجته وأبناءه إلى جانب والدته التي أقنعها هو وأخواه بالمكوث معهم في الشمال.
ومثّل توافر الاستقرار الدراسي لأبنائه عاملاً إضافياً في تشجيعه على البقاء في الشمال. إلا أن جعفر يبدي تململه من تعرضه دائماً للسؤال عن موعد عودته إلى الجنوب «وكأن البقاء في الشمال أضحى مسبّة».
بيد أنه يرى نفسه موجوداً في وطنه، فهو كما يقول «مواطن سوداني ويعيش داخل بلده ويسكن في منزل ملك له، فإلى أين يذهب إذاً؟».



لا مفر من الشمال


واجه العائدون من الشمال إلى مناطقهم في الجنوب، تحديات عديدة دفعت بعضهم إلى اختيار العودة مرة جديدة إلى الشمال، بعدما خبروا لمدة محدودة من الوقت ما ستؤول إليه أوضاعهم في الدولة الجديدة في حال إقرار الانفصال.
وتروي تريزا، ذات الثلاثين ربيعاً، ما تعرضت له بعدما اختارت الانخراط في برنامج العودة الطوعية إلى الجنوب، وكانت من أوائل وفود العائدين إلى مدينتها الجنوبية «أويل» قبل أكثر من شهرين.
وتوضح أن السبل تقطعت بها هناك بسبب الوضع المعيشي الصعب والغلاء الفاحش، لدرجة أنها لم تجد ما تقتاته، حينها اتخذت قرارها وعادت من جديد إلى الشمال لتستأنف عملها القديم في «غَسْل الملابس». وتقول تريزا: «لم نجد ما نأكله، قطعة البصل الواحدة بجنيه (يعادل نصف دولار)، كذلك لم نجد أي مأوى مناسب».
كذلك يعاني العائدون إلى الجنوب عدم تقبل العديد من أبناء القرى الجنوبية لهم. وبحسب مفوضية العودة الطوعية لجنوب السودان، لا يزال أكثر من 62 ألفاً ينتظرون العودة إلى ديارهم في جنوب السودان، فيما أكدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وصول نحو 55 ألفاً إلى الجنوب عبر وسائل النقل التي خصصتها لهم المفوضية.
إلاّ أن نصف هذه الأعداد لا تزال عالقة داخل مدينة «كوستي» في ولاية النيل الأبيض المتاخمة لولاية أعالي النيل. ويسهم ارتفاع أعداد العائدين من الشمال، إلى جانب النازحين في الجنوب، في تعقيد الوضع الإنساني المتأزم أصلاً في الإقليم.