strong>استبدال بساتين الحمضيات وكروم العنب بزراعة الخضر في الخيم

تنتشر الخيم الزراعية البلاستيكية على طول السهول الساحلية من عكّار إلى الناقورة وفي الكثير من قرى سهل البقاع. هذا المشهد يختصر واحدة من أسوأ أزمات القطاع الزراعي، إذ أدّى الإهمال الرسمي وغياب الإرشاد وارتفاع الأكلاف والخسائر إلى إزالة الكثير من البساتين والكروم واستبدالها بزراعة الخضر

رامح حمية
تمتد الخيم الزراعية البلاستيكية على مساحات واسعة من سهول البقاع التي كانت تزدهر فيها زراعة العنب والبطاطا والمشمش والكرز والدرّاق... هذا المشهد كان قد تجسّد بصورة أوضح في السهول الساحلية، ولا سيما في جبيل والرميلة والجنوب، إذ حلّت هذه الخيم محل بساتين الحمضيات التي تراجع الطلب الخارجي على منتجاتها.
وبحسب التقديرات، فقد ارتفع حجم المساحات المزروعة في الخيم البلاستيكية في الجنوب بطريقة متسارعة لتصل إلى حوالى 10 في المئة من إجمالي المساحات المروية المزروعة، علماً بأن هذه النسبة وصلت في الرميلة وجبيل إلى 20 في المئة من الأراضي المزروعة... أسباب هذه الظاهرة تعود الى الإهمال الرسمي المتمادي للقطاع الزراعي، ما دفع المزارعين إلى البحث عن بدائل زراعية توفّر لهم المردود الأفضل، وتسمح لهم بسدّ حاجة السوق اللبنانية إلى بعض الزراعات التي لا تتوافر خلال الشتاء. إلا أن سيف المضاربة لا يزال يلاحق المزارعين حتى في بدائلهم، لتشهد زراعاتهم الشتوية في الخيم منافسة كبيرة من قبل دول المنطقة!
الجنوب

تتراوح نسب زراعة الخيم البلاستيكية بين 10% في الجنوب و20% في جبيل
فقد بدأت الزراعة في الخيم البلاستكية في سهول الجنوب تشهد تطوراً لافتاً منذ نحو 10سنوات، لترتفع نسبتها مقارنة مع الزراعات المروية إلى 10% من المساحات المزروعة. ويقول رئيس منطقة الجنوب في جمعية المزراعين، رامز عسيران، إن الخيم البلاستيكية تمتد على مساحات واسعة في الساحل، ويأتي تطورها بسبب تدني أسعار الزراعات الساحلية، ومنها الموز والحمضيات، وارتفاع أسعار منتجات الخضر في الشتاء، ما فتح أمام المزارعين أبواباً جديدة لزراعات ذات مردود جيد، تسدّ حاجة السوق اللبنانية إلى الخضر والمنتجات الزراعية التي لا تنبت خلال الشتاء. أما أكثر المنتجات المزروعة في الخيم البلاستيكية في الجنوب فهي، بحسب عسيران، البندورة والخيار والفليفلة والباذنجان واللوبياء والشمام والفريز، فيما تنتشر زراعة «الحشائش»، من بقدونس وسلق ورشاد وسبانخ وخس، في خيم مخصصة لحمايتها من العوامل المناخية المفاجئة كالبرد والصقيع.
ويشرح عسيران أن كلفة الزراعة في الخيم مرتفعة، إلا أنها تستقطب جميع الفئات الاجتماعية، إذ تبدأ مساحات الخيم من ألف متر لتصل إلى 50 ألف متر، وتتميز المساحات الصغيرة باعتماد المزارعين على أنفسهم في ما يتعلق بالزراعة والحصاد وغيرهما، بسبب عدم القدرة على دفع أجرة العمال، فيما المزارع الكبيرة تتسم بوجود إدارة وتوضيب وتصنيع لتصرّف المنتجات في السوق المحلية، وبعضها للتصدير. ويوضح أن الحيازات الزراعية في الجنوب تعدّ محدودة المساحة، وهي بمعظمها تراوح بين متوسطة وصغيرة، فيما مساحات الخيم البلاستيكية في جبيل والرميلة مثلاً قد تصل إلى أكثر من 20% من إجمالي المساحات المروية في هذه المناطق. ويشير إلى أن المزارعين يبحثون عن منتجات ترفع من مردودهم المادي، وذلك بعد أن أصبحت زراعة الحمضيات في سوريا وتركيا والمغرب تنافس الإنتاج المحلي. ويلفت إلى أن الخيم البلاستيكية تشهد منذ نحو 3 سنوات استقراراً في المساحات المزروعة، وذلك بسبب المضاربة الكبيرة التي تعاني منها من المنتجات المستوردة. ويقول «حتى إننا الآن في ظل الروزنامة الزراعية ولا تزال الخضر تتدفق من الأردن وسوريا وغيرهما...».

انخفاض المخاطر

ويأتي ارتفاع عدد الخيم البلاستيكية في البقاع في بلدات حزين، النبي رشادة، طاريا، شمسطار، العقيدية، قصرنبا، إشارة إلى الإقبال الكبير من المزارعين على هذا النوع من الزراعة، ولا سيما من قبل أولئك الذين تخلّوا في السنتين الأخيرتين عن كروم العنب وبساتين اللوز والمشمش وحقول البطاطا، نظراً إلى الخسائر الكبيرة التي مُنوا بها من جرّاء تراجع الأسعار قياساً إلى الكلفة وعدم وجود أسواق لتصريف هذه المنتجات، فضلاً عن موجات الصقيع التي تضرب البقاع على مدار السنة.
ويرى المزارعون في فورة تركيب الخيم البلاستيكية في البقاع «أمراً بديهياً وطبيعياً»، ويأتي ضمن إطار تفتيش المزارع البقاعي «المنسي» عن طرق قد تحول بينه وبين خسائر الزراعات التقليدية، كالعنب والدراق والمشمش، «فلا دعم من الدولة ولا تعويضات ولا حتى روزنامة زراعية تحدد مواعيد للاستيراد أو التصدير بغية تصريف إنتاجنا»، كما يقول المزارع علي غصن، الذي بات يملك ما يقارب 10 خيم بلاستيكية، زرعها بمختلف أنواع الخضر. ويرى العزير أن البيوت الزراعية البلاستيكية ليست مربحة دائماً، فقد تتعرض لانتكاسات بأسعار منتجاتها كما هي الحال اليوم، لكنه من جهة ثانية يرى أن المزارع يبقي على أمل الموسم الذي يليه.
من جهته، يقول المزارع حسن سماحة إنه أقدم في العام الماضي على قلع دوالي العنب وتقطيعها وبيعها حطباً، ولم يجد بعد طول تفكير إلا أن يستثمر أرضه في زراعة الخيم البلاستيكية التي يراهن عليها لتوفير «مورد رزق لا بأس به مع انتهاء كل موسم. فمن موسم الخس إلى الخيار وغيرهما من الخضر التي لا تبخل عليك بالمردود الجيد، وخاصة أن سوقها لا يتوقف صيفاً وشتاءً»، موضحاً أنه في أسوأ الأحوال يسعى إلى تأجيرها (ضمان) مع إنتاجها إلى مزارعين آخرين.

بدائل عن الإهمال الرسمي

عشرات البيوت البلاستيكية تموضع بعضها في أماكن محددة كما هي الحال في سهل بلدتي طاريا وشمسطار، حيث يوجد ما يزيد على ثمانين خيمة في مكان واحد، فيما بعضها الآخر ينتشر في جوار المنازل. فقد أكد فؤاد القبس (معلم تركيب خيم بلاستيكية) لـ«الأخبار» أنه منذ شهرين فقط جهّز ما يزيد على أربعين خيمة بلاستيكية في قرى شمسطار وطاريا والنبي رشادة وحزين، موضحاً أن المزارعين في البقاع يقدمون بكثرة على تركيب الخيم البلاستيكية حالياً، بحثاً عن العائد، قبل بدء الصقيع الذي يمنعهم من استمرار الأعمال الزراعية، فيستغلونها في معظم الأوقات. ويختلف سعر الخيم البلاستيكية بحسب طولها ونوعية الألومينيوم المستخدم والنايلون، فيبلغ سعر الخيمة التي يصل طولها إلى 50 متراً 2200 دولار، أما تلك التي يبلغ طولها 40 متراً فسعرها 1800 دولار، أما أجرة تركيبها بحسب القبس فهي 100 دولار.


300 ألف طن

هو حجم إنتاج الخيم السنوي في لبنان، الذي يمثّل نسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي اللبناني، ويطالب العاملون بالقطاع بحماية إنتاجهم من المضاربة الناتجة من فتح الحدود، وخاصة نتيجة اتفاقي تيسير التجارة العربية والاتفاقية الزراعية بين لبنان والأردن


نحو الاكتفاء الذاتي