الخرطوم | حالما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية رفع الحظر التقني عن السودان، تهافت السودانيون على تطبيقات جهاز «آيفون» الذي حرموا من استخدامه سابقاً، إذ ظلّت التكنولوجيا الأميركية غائبة عنهم لعقود، كون التقنية الأميركية جزءاً أساسياً من العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان.

ولكن بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، في 17 من الشهر الجاري، رفع العقوبات عن استخدامات الكمبيوتر والإنترنت، ورفع القيود عن صادرات الأجهزة والبرامج (Software,hardware) بات من الممكن للسودانيين التمتع بالتكنولوجيا الأميركية أخيراً.

الرفع الجزئي للحظر الأميركي على السودان لم يمرّ من دون إثارة تساؤلات حول المسار الذي أوصل إلى هذه النتيجة، لجهة مضمون المحادثات بين الخرطوم وواشنطن، ولجهة تقديم «تنازلات» معينة في مقابل بدء إنهاء العقوبات المفروضة على السودان.
وبعد عودة مساعد رئيس الجمهورية السوداني، إبراهيم غندور، من الولايات المتحدة الأميركية، توجه مباشرةً إلى القصر الجمهوري لإطلاع الرئيس عمر البشير، على نتائج اجتماعاته مع كبار المسؤولين الأميركيين. أصدر بعدها البشير توجيهات رئاسية للحوار مع واشنطن، من أجل الوصول إلى «تفاهمات مشتركة بما يحفظ مصلحة السودان ورغبته في إقامة علاقات طبيعية مع دول العالم، تكون مبنية على التفاهم المشترك والاحترام المتبادل».
ويقول القيادي في حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، ربيع عبد العاط، إن زيارة غندور من أولى إيجابياتها أنها قد فتحت الآذان الأميركية للاستماع إلى الرأي السوداني، فهي مع علمها بأن السودان لم ولن يدعم أياً من الحركات المتشددة كانت تصرّ على عدم الاستماع إلى رأي الحكومة السودانية.
وعند سؤال «الأخبار» له عما إذا كانت الخطوة الأميركية جاءت لكسب السودان في اللعبة الإقليمية كونه لم يعد يجاهرها العداء، أجاب عبد العاط ان أميركا تعرف أن السودان خالية من أي مظاهر للتشدد، وأن الحكومة لا تدعم الإرهاب بل إنها عانت من الجماعات المتشددة، فالتسامح هو سمة السودان حكومةً وشعباً.
وفي مسألة تقديم الخرطوم «تنازلات» لواشنطن في مقابل الحصول على هذا الرفع الجزئي للعقوبات، أوضح عبد العاط أن السودان أرضٌ جاذبة لاستثمارات، وتتمتع بموارد غنية جداً، وهي من المشجعين على الاستثمارات الأميركية، لذلك تنبهت أميركا لهذه الحقيقة واختارت الوقت المناسب لفتح جسور التواصل، مضيفاً إن السودان بما فيه من خيرات هو العنصر الجاذب الرئيسي لتطبيع العلاقات بين البلدين.
من جهته، رأى المحلل السياسي، صفوت فانوس، أن الإجراء الأميركي الأخير القاضي برفع جزئي للحظر عن السودان، يأتي في إطار الحوار الذي بدأ، ويؤمل استمراره بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية حتى يصل إلى التطبيع الكامل بين البلدين.
وأضاف فانوس في حديث إلى «الأخبار» أن «السودان قدم بعض المطلوب منه أميركياً، وحصل على جزء من رفع الحصار، وهي عملية تبادلية طردية بمعنى أنه كلما استطاع السودان تقديم أكثر مما تريده واشنطن يحصل على المزيد من رفع الحصار».
من جهته، رأى أستاذ العلوم السياسية، خالد التجاني، أنه على الرغم من استمرار المحادثات بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية منذ سنوات طويلة، قبل عشرين عاماً، توصّل الطرفان هذه المرة إلى فك الحظر التقني، لأسباب تتعلق بأحندة أميركية أكثر من ارتباطها بالحوار مع الحكومة السودانية.
شاشة الهاتف الأميركي الذكي التي فتحت أمام كل البرمجات يمكنها أن تعكس بدايات مستقبل العلاقة بين واشنطن والخرطوم. البعض يرى أن خطوة رفع الحظر التقني هي بمثابة «وضع الحصان أمام العربة»، التي ستمضي إلى الأمام، ويربط ذلك بالموقف الأميركي العام تجاه القضايا السودانية، إذ إن واشنطن بدت واضحةً إلى أقصى حد وهي تعلن رفضها لأي «تغيير عنيف» في السودان. كما أن سؤال من هو البديل المطروح في الساحة السياسية السودانية، باتت الإجابة عنه محسومة، حيث أصبح واضحاً أن المعارضة لن تحقق الاستقرار للسودان، لأن حدوث أي نوع من الفوضى ستدفع ثمنها المنطقة برمتها وليس الخرطوم بمفردها، وهو ما يجعل الموقف الأميركي يجنح نحو إصلاح النظام السوداني لا إسقاطه. وهو ما يعني، أيضاً، أن الرفع الجزئي للعقوبات ستعقبه عمليات أخرى.