لا يبدو أن توافق القمة العربية الأخيرة على دعم المبادرة الفرنسية للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين جاء بمعزل أو كنقيض لتحركات القاهرة في وساطة «السلام الدافئ» التي ستربط إسرائيل بالمنطقة العربية، وخاصة أن الفرنسيين أساساً لا يعملون بمعزل عن العرب (وخاصة الأردنيين والمصريين والسعوديين) في سبيل مبادرتهم.

وعلى عكس التوقعات، لا تزال القاهرة ترى فرصة في إتمام المبادرة الفرنسية برغم الإعلان الإسرائيلي الرسمي الرافض لها والنظر إليها على أنها فرض شروط مسبقة، مع أن تل أبيب لا ترى في المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت عام 2002 بديلا جاهزا ولا يحتاج إلى تعديل.
يأتي هذا التطور في ظل دخول الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، إلى ساحة اللعبة مجددا، وهو المعروف بأنه الواجهة المعادية لأي دور في المنطقة، كما سيؤدي دورا كبيراً في التنسيق بين الدول الأعضاء لإقناعهم بالتطبيع الكامل مع إسرائيل في حال التزامها حل الدولتين الذي نصت عليه المبادرة العربية، وعاد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وضعه كشرط قبل التطبيع الواسع.
وفيما يتولى أبو الغيط أيضا مهمة التواصل مع السلطة الفلسطينية، تمارس الرياض عبر الدوحة ضغوطا على قادة حركة «حماس» لإقناعها بقبول المبادرة في حال إقرارها وخاصة مع قرب البدء في خطواتها الأولى التي ستنطلق من شرم الشيخ قريباً بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، بحضور السيسي.

العمل لم يتوقف في الجهود المصرية ــ العربية للتطبيع مع إسرائيل

ترى الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، أن المبادرة الفرنسية وإن أتت في سياق منفصل مهنيا، فإنها وفق مصادر متابعة تحدثت إلى «الأخبار»، «فرصة لاعتراف العالم بالدولة الفلسطينية خلال المدة الزمنية المحددة بـ18 شهراً، وهو مكسب سياسي كبير». وأضافت هذه المصادر إلى أن باريس وعدتهم ببذل «مزيد من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لتقديم مزيد من التنازلات مع إمكانية تعديل بنود بعض ما ورد في المبادرة إذا استلزمت الحاجة ذلك».
لكن القاهرة وعواصم عربية أخرى تتخوف من أن هناك مخاوف من وصول المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى مقعد الرئاسة الأميركية، ما قد يكون سبباً في تعثر المفاوضات وخاصة أن الإدارة الجديدة في البيت الأبيض ستغير طريقة تعامل القيادات الإسرائيلية مع المبادرة في ظل الآراء المتطرفة لترامب.
إذن، وجدت القاهرة في هذه المبادرة حلقة الوصل الفعلية بين واشنطن وباريس وتل أبيب من جهة، والسلطة و«حماس» والرياض والدوحة من جهة أخرى، حتى يجهز لديها الملف الأساسي الذي يعمل عليه السيسي. ويترافق دفع المصريين العرب إلى دعم «جهود باريس» مع مباحثات مكثفة على مستوى وزراء الخارجية، لذلك يتوقع أن يصار إلى تحركات عدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. كما لا يزال نتنياهو، وفق علم المصريين، متحفظا على بعض بنود المبادرة الفرنسة وخاصة ما يتعلق بالأراضي التي ستترك للجانب الفلسطيني.
تكمل تلك المصادر أن العرب «لا يرون في تأسيس دولة فلسطينية منزوعة السلاح مشكلة مرحلية، وهي وجهة النظر التي يتنباها السيسي الذي يؤكد أن المهم تحقيق أي مكاسب مرحلية يمكن بعد ذلك الاستفادة منها والبناء عليها». أي إن ما يجري هو على عكس أسلوب السلطة بوضع اشتراطات كثيرة قبل التفاوض، ومن دون تحقيق أي منها. وقد تكفل بإقناع «أبو مازن» بذلك السعودية، ومن ثم يصار إلى تواصل غير مباشرة مع «حماس»، وخاصة أن ما تفعله مصر أو فرنسا بحاجة إلى «مصالحة فلسطينية داخلية يكون الممثل فيها للدولة الفلسطينية الرئيس محمود عباس».
مشكلة أخرى هي قديمة ــ جديدة، وتفاصيلها أن إسرائيل لن تقبل عمل وسيط دولي بالتواصل مع «حماس» من دون العودة بالتفاصيل إلى محمود عباس، وهو ما يعطل من وجهة النظر العربية حتى الآن البدء في المزيد من الإجراءات، علماً بأن دعم القمة العربية للمبادرة الفرنسية جاء في طياته للضغط على «حماس» حتى تعجل في ملف المصالحة التي لا تزال بنودها غير مكتملة وتؤدي المخابرات المصرية الدور الأبرز فيها.
ووفق ما تفيد به أروقة الخارجية المصرية، فإن الوزارة تعطي لاستئناف مباحثات التسوية في الوقت الحالي الأهمية القصوى. والسفير المصري لدى تل أبيب يجري اتصالات شبه يومية بالخارجية الإسرائيلية، فيما تنتظر القاهرة وفداً إسرائيلياً وآخر فلسطينياً خلال أيام قليلة، على أن تكون هذه اللقاءات محددة لوجهة المباحثات المقبلة.