غزة | برغم أن 80% من العاملين في «الإدارة العامة للهويات وجوازات السفر» في قطاع غزة يتبعون للحكومة في رام الله، فإن ذلك لم يشفع للغزيين بحظرهم عن سجل الأحوال المدنية منذ عام 2006، تنفيذاً لأجندة سياسية يشرف عليها جهازا الأمن الوقائي والمخابرات، فهما صاحبا الكلمة والأولى بشأن جوازات السفر الصادرة عن وزارة الداخلية في رام الله.


هذا الحظر، الذي دخل حيز التنفيذ عقب سيطرة حركة «حماس» على القطاع في 2007، أدى إلى فصل العاملين في «داخلية غزة» عن الشبكة العنكبوتية المركزية، ما سبّب فجوة كبيرة في البيانات الرسمية للأحوال المدنية التي تتعلق بغزة وأهلها «الساقطة أمنياً» بالنسبة إلى رام الله. وبعبارة أخرى، لا يمكن أي موظف في غزة أن يسجل بيانات المواليد والوفيات لديه على الشبكة الرئيسية، وعملياً هذه الحال مستمرة منذ نحو سبع سنوات، برغم أن «حماس» و«فتح» اتفقتا على تشكيل حكومة وحدة في حزيران 2014، وتولى حقيبة «الداخلية» فيها رئيس الحكومة نفسه، رامي الحمدالله.

دور «داخلية غزة» تمديد الجوازات فقط وتغض رام الله الطرف عن ذلك

إذن، لا تعدو مشكلة «الداخلية» توحيد الأجهزة الأمنية تحت رئاسة وزير واحد، أو حل مشكلات الموظفين، فالناس عالقون في هذه المشكلة. وبالسؤال عن أسباب تأخر صدور جوازات السفر لمواطنين في غزة (خاصة الذين يصدر لهم الجواز للمرة الأولى) مع أن «داخلية رام الله» أعلنت حل مشكلة «دفاتر الجوازات»، فإن تحصيل الجواز يحتاج مراجعة رام الله للجانب الإسرائيلي للتأكد من بيانات مواليد القطاع، التي يرسلها موظفو غزة إلى الاحتلال ليسجلها لديه!
وعملياً، لا يصدر من غزة أي جواز سفر منذ 2007، فضلاً عن التحكم التام بشأن من يصدر لهم أو العكس، بناءً على دواعٍ أمنية لدى السلطة، متصلة بها أو بالاحتلال الإسرائيلي. لكن، في المقابل، يستمر موظفو إدارة الهويات والجوازات في القطاع، بإرسال «استمارة الجانب الآخر» ــ أي إسرائيل ــ وفيها بيانات المواليد والوفيات، وفق اتفاقية أوسلو، التي تشترط ذلك، على أن الإرسال يكون عبر معبر بيت حانون ـ إيريز. ولا يمكن القول إن ثمة اتصالاً مباشراً بين غزة والاحتلال في هذا الشأن، ولكن هذه الخطوة التي يشرف عليها منسقون «ضرورية» لاستمرار إصدار جوازات السفر المرتبطة بالهويات، والأخيرة مرتبطة بشهادات الميلاد.
ويكشف مصدر في «الأمن الوقائي» أن المعلومات المرسلة من غزة إلى إسرائيل «تشكل مصدراً للبيانات الرئيسية للسلطة في رام الله عبر التنسيق الأمني بين جهازي المخابرات والأمن الوقائي، وبين الاحتلال». يضيف المصدر ــ الذي شدد على إخفاء اسمه ــ أنه «في الوقت الذي كان فيه الانفصال بين غزة والضفة حتمياً، لم يكن أمام الأجهزة الأمنية في الضفة لاستكمال بياناتها سوى الارتباط الإسرائيلي»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «حماس» لا يمكنها التوقف عن إرسال البيانات إلى الاحتلال، لأنها «تعي تماماً أنه لا مجال لحركة المواطنين دون ذلك، فهم ينسقون مع الإسرائيليين (بصورة غير مباشرة) ليس بإرادتهم، بل وفقاً للاتفاقات الدولية التي لا يمكنهم أن يتغاضوا عنها».
من ينسق في غزة مع إسرائيل؟ تجيب مصادر بأن الموظفين الذين يقومون بذلك تابعون لرام الله، وحديثاً صار بإمكان هؤلاء ــ المسموح بعملهم من ضمن «حماس» ــ إرسال نسخة مما لديها إلى رام الله عبر البريد الإلكتروني «لتغذية برنامج الوزارة المركزي الخاص بالأحوال المدنية»، بالتزامن مع إرسال نسخة ورقية إلى الجانب الإسرائيلي، ثم تتأكد رام الله من البيانات عبر إسرائيل.
يذكر أن هؤلاء الموظفين يشتكون سوء تعاطي نظرائهم معهم في رام الله، مشيرين إلى أنه في السابق كان يجري التعامل معهم «على مضض ومن تحت الطاولة»، وحالياً تبدل غالبية الموظفين الذين يعرفونهم في الضفة، وصار التعامل يجري عبر «بعض المندوبين».
ولولا بقاء التواصل بين غزة والارتباط الإسرائيلي على ما هو عليه، ما تمكنت «داخلية غزة» من إصدار «هويات خضراء» معترف بها وعليها الترجمة العبرية. يعقب المدير العام للجوازات في حكومة غزة، وسام الرملاوي، بأن الأمر مرتبط بأمن إسرائيل، فهي «بحاجة إلى معرفة المعلومات المدنية عن المواطنين وتغير أحوالهم الشخصية... هي ستتعامل مع من يحكم غزة أياً يكن وفق قاعدة الأمر الواقع».
هنا ينتهي دور الوزارة في غزة بالنسبة إلى شهادات الميلاد والبطاقات الشخصية (الهويات)، أما بشأن جوازات السفر، فالارتباط الوثيق بين رام الله والاحتلال يكفل «منع أي مرفوض أمني من تجاوز الحدود التي لا تسيطر عليها إسرائيل»، كما يقول مصدر من «داخلية غزة» فضل أيضاً التكتم على اسمه. يضيف المصدر: «لهذا السبب نقلت مركزية الجوازات من غزة إلى الضفة، كي يتحكم الأمن الوقائي والمخابرات في مصير الناس، وخاصة أنهما يعتبران غزة ساقطة أمنياً من أجندتها».
ومصطلح «الرفض الأمني» بالنسبة إلى الجوازات ليس جديداً، فقد كان موجوداً إبان عهد «فتح» في غزة بحجة أن إسرائيل هي التي رفضت منحه الجواز خوفاً من سفرهم إلى الخارج عبر معبر رفح ــ الحدود المصرية ــ مثلاً.
وعملياً، تصنع دفاتر جوازات السفر في فرنسا، ثم تصل فارغة إلى مخازن السلطة حيث تجري تعبئة بيانات الأحوال الشخصية وفق برنامج متخصص داخل الوزارة، ولكن رام الله تتعاطى في هذا الشأن عبر مكاتب تجارية في غزة، وليس مع «الداخلية» مباشرة، لذلك يرى الرملاوي أن «هذه الآلية خارجة عن القانون، خاصة أن مجال الاحتيال والتزوير فيها كبير جداً، وهو ما رُصد في السنوات الماضية»، فيما شددت مصادر حمساوية على أنها لا تستطيع منع هذه الطريقة من أجل «مصلحة الناس».
وما يدل على أن وجود تنسيق وثيق بين السلطة والاحتلال في هذا الشأن، أن بعض جوازات السفر كانت تحتاج مدة طويلة للحصول عليها ولأكثر من شهر، والسبب هو أنه لا وجود لقناة تواصل مباشرة بين رام الله وغزة، فيما تسعى الأولى إلى التأكد من صحة البيانات عبر «الارتباط الإسرائيلي»، وهو أمر بحاجة إلى كتب رسمية ووقت أطول للرد على الاستفسارات.
وأحياناً، تعود «رام الله» للتواصل مع غزة «عبر شخصية واحدة للتأكد من بعض المعلومات، ولكن ذلك يكون نادراً»، وفق المصدر في «داخلية غزة». لكن الرملاوي يرى أن «هذه الشخصية» وإن أصبحت بديلاً من المقاطعة الكاملة، فإنها لا تكفي لحل الإشكالية الممتدة من سبع سنوات، وخاصة أنه يصعب استصدار جوازات سفر مستعجلة لحالات مرضية، أو خلال الحروب».
وللملاحظة، فإن دور «الداخلية» في غزة يقتصر على تمديد جوازات السفر لثلاث سنوات، على أن يكون التجديد لمرتين فقط، أو إضافة أبناء إلى جوازات الآباء وفقاً للقانون، ولكن بعض سفارات السلطة تستطيع منع حاملي هذا الجواز من دخول أراضي الدول التي كانت فيها، في وقت تؤكد فيه مصادر في بعض السفارات أنها لا تريد إيذاء المواطنين ما لم يتجاوز الأمر هذه الحدود، فيما يذكر الرملاوي أنه في 2014 جرى التمديد لـ 70 ألف جواز سفر عبر وزارته.