الجزائر | تأتي الانتخابات البرلمانية الجزائرية المزمع عقدها بداية أيار المقبل، كأول محطة قد تفرز خريطة سياسية بتوازنات جديدة، لذات المكونات، التي ستجد نفسها أمام وضع اقتصادي معقد، وهو ما سيوجب سياسات اقتصادية غير شعبية لن يستطيع تحمل ثقلها السياسي والاجتماعي، إلا منتخبون شرعيون.


أويحيى... ينتظر قدره

«الرئاسة هي لقاء رجل مع قدره»، هذه أحد أشهر العبارات، التي قالها الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديموقراطي»، وهو الحزب الثاني كبراً في البلاد، أحمد أويحيى، عندما سئل عن صحة ما يقال حول طموحه الرئاسي منذ سنوات. يعتبر أويحيى من أقوى رجال السياسة في الساحة الجزائرية، وأقدرهم على التأقلم مع رياح السلطة مهما كان اتجاه هبوبها.
ويرأس أويحيى حزب «التجمع الوطني الديموقراطي ــ أرندي» الذي «ولُد بشنباته» (عبارة تعني أنّ الحزب ولد كبيراً) عام 1997، واستطاع الحصول في حينه على الأغلبية البرلمانية في عملية يصفها خصومه بـ«أكبر تزوير عرفته الجزائر»، ليعود بعدها إلى المرتبة الثانية، بعد «جبهة التحرير الوطني»، وهي مرتبة يريد تجاوزها في الاستحقاق المقبل.
وحالياً، يتابع «التجمع» باهتمام كبير الاضطرابات داخل الحزب الحاكم، الذي خرجت بعض فضائح ترتيب القوائم داخله من الصالونات المغلقة إلى أوراق الصحف، الأمر الذي قد يفتح الطريق أمامه من أجل إحداث المفاجأة في الانتخابات التشريعيات المقبلة. وفي هذا الإطار، قدم الحزب منذ أيام خلاصة عن برنامجه الانتخابي الذي جاء عاماً وغير متعمق فيه.
يأتي كل ذلك وأويحيى لا يزال يشغل منصباً مهماً بصفته مدير ديوان رئاسة الجمهورية، ما يكفل له الوجود في الدائرة الضيقة لمن يقابلون رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة. مع ذلك، أمامه عقبة لا يستهان بها خاصة في حال راوده مرة أخرى «الحلم الرئاسي»، وهي الصورة السلبية التي ترسخت لدى البسطاء من الجزائريين عنه بصفته رجل سياسة (شغل منصب رئاسة الوزراء بين 2003 و2006)، لا يرحم في وقت الأزمات الاقتصادية.

بن فليس... غائب ذو وزن

قرر حزب «طلائع الحريات» لرئيسه علي بن فليس، الذي كان مرشح رئاسيات 2014، تجنب تقديم قوائم للتشريعات المقبلة، رغم القاعدة الشعبية المعتبرة التي يتمتع بها رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام الأسبق لـ«جبهة التحرير الوطني»، بعدما صرح بأن الانتخابات «لن تحمل حلا للأزمة المتعددة الأوجه التي تواجهها البلاد، ولن تضع الجزائر على درب عصرنة منظومتها أمام التهديدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية».
يحاول بن فليس تقديم خط سياسي ثالث يسجل فيه بصمة خاصة تفصله عن الموالاة المساندة لغريمه التقليدي، بوتفليقة، دون أن يتماهى كلياً مع أحزاب وتكتلات المعارضة التي قررت جلها (بنسبة قد تزيد على 90 في المئة) المشاركة في التشريعيات عكسه.
يحدث هذا بعد سنتين من العمل المشترك بين أحزاب المعارضة داخل ما يعرف بـ«هيئة التشاور والمتابعة» التي تبنت حجر الزاوية في خطاب بن فليس السياسي المتمثل في إلحاحه على «شغور منصب الرئيس». مع ذلك، يواجه رئيس الحكومة الأسبق مشكلة تمثيل القطيعة الفعلية مع النظام، إذ يذّكره خصومه بأنه كان وزيراً منذ سنة 1988 ثم رئيساً للحكومة (بين 2000 و2003) وأميناً عاماً للحزب الحاكم، الأمر الذي يضعه في صورة «ابن النظام»، ومساهماً في الواقع الذي يحاربه اليوم.

الإسلاميون: بين المعارضة والموالاة

تمثل الأحزاب الإسلامية أحد الاستثناءات التي تعيشها الجزائر في المواقف السياسية، إذ تتنقل من معارضة السلطة إلى مساندتها على نحو مستمر يكاد ينفي الحدود الفاصلة بين الموقفين. وتمثل «حركة مجتمع السلم ــ حمس» (أكبر حزب إسلامي ذي خلفية إخوانية في البلاد) بامتياز هذا التوجه، الذي ولد على يد مؤسسها الراحل محفوظ نحناح.
قرر هذا الحزب برفقة باقي الأحزاب الإسلامية المشاركة في الانتخابات التشريعية بقوائم موحدة، بعدما جمع كل حزب أبناءه المنشقين، إذ عادت «جبهة التغير» إلى «حمس»، كما استطاع عبد الله جاب الله، الذي يمثل القطب الثاني للإسلاميين في الجزائر، جمع حزبي «النهضة» و«البناء» في «تكتل النهضة التاريخية»، منادياً بـ«إصلاح دستوري وسياسي ومؤسساتي واسع وشامل».
الأحزاب الإسلامية تسعى بهذه التكتلات الانتخابية لتحقيق نتائج أفضل من التي حصلت عليها سنة 2012 تحت راية «التكتل الأخضر» (48 مقعداً)، حينما حاول الإسلاميون ركوب موجة المد الأخضر الإخواني الذي عرفته مصر وتونس والمغرب، دون جدوى.
الآن، تجد الأحزاب الإسلامية نفسها مجبرة على تخفيض سقف انتقاد السلطة الذي انتهجته بعد عامين من المعارضة، كما أبدى بعضها استعداداً للمشاركة في حكومة وفاق وطني، وهو موقف يراه بعضهم أنه تجاوز التأقلم مع مقتضيات السياسة إلى غياب الثبات على موقف، ما يزيد ضبابية المشهد السياسي وعزوف المواطنين.

الديموقراطيون وتحدّي الصندوق

تمثل «جبهة القوى الاشتراكية ــ افافاس» (أول حزب معارض)، لمؤسسه الرجل التاريخي حسين آيت أحمد، أحد أكبر الأحزاب المعارضة مصداقية في الجزائر، رغم الهزّات العنيفة التي تركتها السنوات الأخيرة بسبب مرض ورحيل «الزعيم المؤسس». فقد ظهرت خلافات حادة بين القادة انتهى معظمها بتفريغ الحزب من أسماء سياسية لامعة.


سيشارك 60 حزباً سياسياً في الانتخابات لكن غالبيتها غير مؤثرة

حالياً، يحاول «الأفافاس» الخروج من معقله التقليدي المتمثل في منطقة القبائل حيث يفوز بغالبية المقاعد مثل ما حدث في الاستحقاق الذي غاب عنه غريمه ومنافسه الأول في المنطقة، «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية ــ أرسيدي»، الذي يخوض بدوره أول انتخابات كبرى من دون مؤسسه الدكتور سعيد سعدي، وقد خلف الأخير محسن بلعباس، الذي استطاع أن يوقف «مؤقتاً» عملية ليّ الذراع المتواصلة بين الحزب ونظرائه الإسلاميين.
ويمكن نسب هذه الخطوة إلى الطابع العلماني الصريح لـ«الأرسيدي»، الذي فضل الدخول في تكتلات استراتيجية والعمل على توسيع دائرة تأثير الحزب، وذلك بتقديم قوائم في 13 ولاية مع التفتح أكثر على اللغة العربية، بالإضافة إلى مشروع انتخابي مكتوب (حتى الآن هو الحزب الوحيد الذي قدم برنامجاً كاملاً لم يُختصر في نقاط عامة).
في كل الأحوال، ستواجه الأحزاب الكلاسيكية في منطقة القبائل (الأفافاس ــ الأرسيدي) مشكلة العزوف الانتخابي الذي يسجل أعلى درجاته في معاقلهم الانتخابية، كما يمكن إضافة «الحركة الشعبية الجزائرية» التي تمثل حزباً ذا خلفية ديموقراطية وعلمانية، لكنه حزب مساند لبرنامج رئيس الجمهورية، ولن يقف ضد أي قانون تقترحه الحكومة حتى لو كان ضد التوجهات السياسية والأيديولوجية لرئيسه، عمارة بن يونس، وهو وزير التجارة السابق.
من جهة أخرى، ستجد زعيمة «حزب العمال» لويزة حنون، نفسها أمام أول انتخابات تشريعية من دون أي علاقة مباشرة بينها وبين بوتفليقة الذي دأب في السنوات الماضية على استقبالها. حنون، التي دخلت في السنتين الماضيتين حرباً مفتوحة ضد وجوه السلطة الحالية، مثل: علي حداد وهو رئيس «منتدى رؤساء المؤسسات»، والأمين العام السابق للحزب الحاكم، عمار سعيداني، حيث فضلت بصراحة الوقوف مع مدير الاستعلامات المقال، محمد مدين «الجنرال توفيق»، في ما عرف بحرب الأجنحة في الجزائر.
وتقدم من تعرف بـ«المرأة الحديدية» طرحاً يسارياً لم يتغير في شقه الاقتصادي منذ سنوات الحزب الواحد والعمل السري الذي كلف حنون السجن آنذاك، لكن يؤخذ عليها غياب ثباتها في المواقف السياسية ومساندتها المطلقة لرئيس الجمهورية، بل تحولت سنة 2014 خلال ترشحها إلى الانتخابات الرئاسية إلى خصم للمرشح بن فليس، بصورة حصرية، عوضاً أن تنافس من أجل الفوز. ومن المنتظر أن يتراجع تمثيل حزب «العمال» في البرلمان بعدما عاش عاماً صعباً ملأته «تصحيحيات» وحروب إعلامية أرهقت منضاليه.




أوفياء مازفران... صوت المعارضة الراديكالية

أرضية مازفران هي وثيقة سياسية تبنتها أحزاب سياسية وشخصيات وطنية جزائرية بعد ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة (ولاية) رابعة عام 2014، ينادون فيها بانتقال ديموقراطي سلس ومتفاوض عليه. وتشكل انطلاقاً من الوثيقة تكتلاً معارضاً سمي «هيئة التشاور والمتابعة» الذي صمد عامين قبل أن يقرر معظم المنتسبين إليه الدخول في التشريعيات رغم غياب الضمانات التي نادوا بها مسبقاً.
وترافق قرار دفع الرافضين للمشاركة، وهم مجموعة من الأحزاب (معظمها غير معتمد)، مع جهد شخصيات وإعلاميين في تكثيف لقاءاتهم في مقر حزب «جيل جديد»، ومواصلة انتهاج خطاب حاد ضد السلطة ورموزها، وضد رفاق الأمس الذين «خذلوا الشعب» وفق وصفهم، كما دعا «أوفياء أرضية مازفران»، الشعب، إلى مقاطعة الاستحقاق الانتخابي المقبل.