حمل صباح أمس أخباراً جيدة للمرابطين في القدس وحولها. فقد كسروا بصمودهم وإرادتهم واستعدادهم للتضحية بأرواحهم قرارات الحكومة الصهيونية، وأجبروها على التراجع، وتفكيك البوابات الإلكترونية.


كان بنيامين نتنياهو وحكومته أول من صرخ في لعبة عضّ الأصابع، رغم استخدام كل أدوات التنكيل والقمع، ورغم الدعم الحكومي الذي شكل شبكة أمان لقرارات الحكومة. لكن، من يصرخ أولاً، يخسر.
رغم الرقابة الأمنية الصارمة على وسائل الإعلام العبرية، فإن عدداً من المعلقين والمحللين لاحظوا أن نتنياهو وحكومته قد ارتكبوا سلسلة من الخطايا السياسية؛ فقرارات الحكومة كان من شأنها ليس إشعال كامل فلسطين المحتلة، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 فحسب، بل كذلك تحويل الصراع إلى صراع ديني من جهة، وتحويل الاحتجاجات إلى حرب شوارع بين الفلسطينيين والمستوطنين، وهي النار التي عمل على إذكائها مستوطنو الخليل، من جهة ثانية.
ظن نتنياهو وحكومته أن الأوضاع في المنطقة العربية تسمح لهم بالذهاب خطوة إضافية، والاستيلاء على المسجد الأقصى، وفرض السيطرة الصهيونية عليه بالكامل، والتحكم في أوقات الصلاة، ومواعيد فتح البوابات وإغلاقها، وذلك في ظل الاقتتال الدموي الدائر في أكثر من جبهة في المنطقة، من جهة، والعلاقات السرية التي بدأت تطفو على السطح وصولاً إلى الحديث العلني عن تنسيق أمني وسياسي مع أنظمة عربية، ولا سيما في الخليج، من جهة ثانية. عوامل أغرت نتنياهو بأن الفرصة سانحة، ولا سيما بعد أن تأكد أن السلطة الفلسطينية غير قادرة، أو أنها لا تجرؤ، على وقف التنسيق الأمني بصورة عملية، الأمر الذي يعني الاستفراد بالقدس، إذ يكفل التنسيق، في كل الحالات، ألا تهبّ الضفة المحتلة ومدنها، كالخليل ونابلس وجنين، لإنقاذ القدس وأهلها.
سرعان ما تبيّن أن استراتيجية نتنياهو بُنيت على أوهام من الرمال. صحيح أن الحكومات العربية لم ترفع صوتها احتجاجاً على إجراءات العدو في القدس، لكنها كانت أضعف من أن تدعم هذه الإجراءات علانية. خرجت بعض الأصوات الناشزة من هنا وهناك، لكن لم تجرؤ أي شخصية رسمية على التفوّه بحرف واحد دعماً للكيان. وصحيح أن الشوارع العربية لم تتحرك في تظاهرات حاشدة نصرة للقدس، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الهدوء كان مخيفاً للأنظمة. وما حدث في عمان يؤكد ذلك. فجريمة قتل شاب أعزل على يد حارس أمن في مبنى تابع للسفارة الصهيونية في عمان كان من شأنه أن يشعل الشارع الأردني برمته، لو أن الجريمة لم يدفع ثمن سياسي لها. وما روّجه الصهاينة عن أن الغضب في الأردن سببه أن غالبية مواطنيه هم من أصل فلسطيني هو كذب على النفس، فالقدس ومقدساتها لا تعني الفلسطيني بأكثر ممّا تعني كل مسلم في أي عاصمة عربية.
استشعرت الأنظمة أن الغضب إذا ما تحول إلى مظاهرات غاضبة، فلا أحد يضمن أن تكتفي بالمطالبة بنصرة القدس فحسب، وألا تتحول إلى موجة جديدة من مظاهرات إسقاط الأنظمة، ولا سيما أن حالة الاحتقان السائدة حالياً ليست أقل منها عشية 2010.
ورغم الشكوك التي أثيرت حول مصداقية رئيس السلطة، محمود عباس، بالالتزام بقرار وقف صور التنسيق كافة مع العدو، بما في ذلك التنسيق الأمني، فإن مفعولها، من الناحية السياسية، لا يتأثر بتلك الشكوك، إذ لم تعد السلطة قادرة على التنسيق العلني، وإذا ما استمر العدو في إجراءاته، فإنها قد تفقد السيطرة على الأرض، كما سيفقد التنسيق وظيفته. وقد التقطت حكومة نتنياهو هذه الإشارة وفهمتها جيداً: لكي نستمر في إنقاذكم، عليكم أن تنقذونا!
التراجع الذي فرضه أهل القدس ومرابطوها، من نساء وأطفال وشيوخ وشبان، على الحكومة الصهيونية، لم يصل بعد إلى مستوى الانتصار الكامل، ليس لأن القدس لم تتحرر فحسب، ولا لأن العدو يبحث عن أدوات بديلة يستعيض بها عن البوابات الإلكترونية، فالقرارات التي اتخذتها الحكومة الصهيونية تعني شيئاً واحداً: بدء المعركة الفاصلة في القدس!
بالنسبة إلى المشروع الصهيوني، تمثل القدس صلب الأيديولوجية الصهيونية القائمة على الأساطير التلمودية، التي يحتل فيها «الهيكل المزعوم» ركناً أساسياً. ومنذ احتلال القسم الشرقي من القدس، عام 1967، عمد العدو إلى تنفيذ سياسات بحق المدينة وأهلها، هدفها تهويدها، وإفراغ ما أمكن من أهلها المقدسيين منها، وعزلها عن محيطها، وعمليات الحفر والتنقيب الخائبة، وإلى غير ذلك من إجراءات. تلك الإجراءات كان لها هدف محدد: تحقيق السيطرة الكاملة على القدس، والمسجد الأقصى تحديداً، لهدم المسجد وبناء الهيكل المزعوم.
ومنذ ذلك الحين، يُجمع التياران اليميني والديني في الكيان على مركزية فكرة الهيكل، كل من منطلقاته. وهذا سر الإجماع الحكومي على إجراءات غير مسبوقة، وقد فهمها أهل القدس جيداً: الاستيلاء على الأقصى.
فرض أهل القدس على العدو التراجع عن إجراءاته؛ وما حدث في سفارة العدو في الأردن قدّم سلماً للعدو للنزول عن الشجرة، كما يصف الإعلام العبري. هذا الانتصار، غير المكتمل، ليس حاسماً، ولكنه ضروري وأساسي، لأنه يثبت أن بالإمكان كسر إرادة العدو، حتى في ظل إجماع الأحزاب والقوى الصهيونية والتفاف المستوطنين حوله. هذا الانتصار الجزئي يجب أن يبنى عليه استعداداً للجولة المقبلة.
وتلك الجولة، أو المرحلة التالية من المعركة نفسها بدأت بالفعل، وتعبّر عنها الإجراءات الجديدة في باب الأسباط وغيره. يرى العدو أنه لا يمكن أن يخسر هذه المعركة، لأنه إذا خسرها اليوم فلن تقوم له قائمة في القدس بعد الآن، ولعقود طويلة ربما، كما أن أسطورة بناء الهيكل، الذي تظن حركات صهيونية في الكيان والغرب أنها يجب أن تتحقق في غضون عامين، ستذهب أدراج الرياح.
المطلوب اليوم هو الاستعداد لهذه الجولة، والاستفادة ممّا حدث في القدس خلال الأسبوعين الماضيين، وهو قد فاجأ الجميع، بما في ذلك قوى كان من شأنها أن تكون في مقدمة الحدث، للبناء على ما تحقق لغاية الآن. الاستعداد للمرحلة المقبلة يحتاج إلى مراجعات وبناء استراتيجيات وخطط تضع معركة القدس الفاصلة على رأس الأولويات في هذه المرحلة.