أقفلت السلطات السعودية المرحلة الأولى مما تسميها «الحملة على الفساد» بإطلاق سراح الملياردير الوليد بن طلال، مدشّنة مرحلة جديدة ربما تكون المحاكمات معلمها الأبرز، بعد الإعلان عن تشكيل دائرتين جزائيتين في المحاكم الجزائية من أجل هذا الغرض. وفيما لم تتأكد إلى الآن تفاصيل التسوية التي أدت إلى الإفراج عن الوليد، يلف الغموض مصير بقية المعتقلين البالغ عددهم قرابة تسعين، في ظل الشكوك المحيطة بتلك المحاكمات المنتظرة، والتي لا شيء يضمن مغايرتها للمحاكمات المعتادة في السعودية، حيث تبقى الكلمة الفصل للسلطات السياسية.


هذا المصير هو ما كان يتخوف رئيس مجلس إدارة شركة «المملكة القابضة» الإيال إليه على ما يبدو. ولعلّ هذا ما دفعه إلى تقديم تنازلات في إطار تسوية لا يزال الطرفان متكتمَين عليها. تكتّم قد يكون بنفسه جزءاً من التسوية، شأنه شأن المقابلة التي أجرتها «رويترز» مع الوليد قبيل إطلاق سراحه بساعات. إذ بدت تلك المقابلة كأنها تلبية لطلب ابن طلال تظهيره بريئاً من التهم الموجهة إليه، وعدم تصدير ما دار بينه وبين السلطات على أنه تفاوض. حرَص الوليد إلى أبعد مدىً على نفي ما وصفها بـ«الشائعات» التي دارت بشأنه، من نقله إلى سجن مغاير لمعتقل «الريتز كارلتون»، إلى تعرضه لضغوط جسدية ونفسية وعمليات تعذيب، إلى مطالبته بتسليم مبالغ بمليارات الدولارات، مهاجِماً، في هذا الإطار، على وجه الخصوص، هيئة الإذاعة البريطانية ووكالة «بلومبرغ».


نفى الوليد
وجود اتهامات
وجّهت إليه

بلغ الأمر بالرجل حدّ التشديد، لدى كل سؤال تقريباً، على أنه يمارس حياته الطبيعية، من الرياضة والسباحة والمشي واتباع نظام غذائي ومشاهدة الأخبار والتواصل مع الأسرة وممثلي «المملكة القابضة» وحتى الحلاقة، إلا أن لحية الوليد التي استطالت خلال اعتقاله خانته في الفترة الأخيرة، فما كان منه إلا الاستدراك بأن اللحية الطويلة راقته، فـ«تركها من باب التغيير». أراد الملياردير السعودي من ذلك كله التشديد على أنه ليس «متهماً»، وعلى أنه لا يُعامل معاملة «الموصومين بالفساد». رسالة ألحّ عليها أيضاً من خلال قوله إن ما يدور بينه وبين الحكومة «مناقشات»، وإنه سيحتفظ بملكية «المملكة القابضة»، وإنه لن يتم نقل أي أصول من شركته إلى الدولة. لكن الوليد ترك الباب موارِباً لدى سؤاله عن طبيعة التسوية التي تم التوصل إليها، إذ أجاب بأنها «ليست مالية بالضرورة»، وبأنه «لا يمكنني البوح».
إجابة انطوت على اعتراف مبطن بأن ثمة تسوية تم التوصل إليها، قبل أن يؤكد ذلك مصدر حكومي لدى إعلانه نبأ إطلاق سراح الوليد، حيث قال إن «النائب العام السعودي وافق صباح اليوم (السبت) على التسوية التي تم التوصل إليها مع الأمير الوليد بن طلال. وعاد الأمير في الساعة 11 من صباح اليوم إلى بيته»، مضيفاً في تعليقه على نفي ابن طلال وجود اتهامات موجهة إليه أنه «لا توجد تسوية إلا بسبب مخالفات، ولا تتم التسويات إلا بإقرار المتهم بها، وتوثيق ذلك خطياً وتعهده بعدم تكرارها». وفي حين لم يفصح أي من الطرفين عن بنود تلك التسوية، نقلت مجلة «فوربس» الأميركية عما سمّته «مصدراً مطلعاً» على المفاوضات أن الوليد أُرغم على التخلي عن جميع ممتلكاته، وفُرض عليه حظر على السفر خارج البلاد إلا برفقة شخص تختاره الحكومة، تحت طائلة تحريك ملفه مجدداً ومطالبة الدولة التي يمكن أن يغادر إليها بتسليمه للسعودية (جزم ابن طلال في مقابلته مع «رويترز» أنه لن يغادر السعودية «بالقطع»). وفيما رفض المتحدث باسم الوليد التعقيب على معلومات «فوربس»، نفت السفارة السعودية لدى الولايات المتحدة وجود معطيات لديها بهذا الشأن.
وأياً يكن، فإن المؤكد أن الملياردير السعودي خرج إلى الحرية من بوابة ضعف لا قوة، وأنه لم يبادر الى تقديم تنازلات إلا بعدما استشعر أنه يخوض معركة خاسرة، وخصوصاً أن لا نفوذ سياسياً له يمكنه الضغط به على ولي العهد، محمد بن سلمان، وأن مطالبات بعض الشخصيات التي تملك «مونة» على السعودية بالإفراج عنه لم تؤدّ إلى أي نتيجة.
وبإطلاق سراح الوليد، ومعه أربعة أشخاص آخرين، من بينهم مالك شبكة «إم بي سي» وليد آل إبراهيم ورئيس الديوان الملكي السابق خالد التويجري، يكون قد بقي لدى السلطات السعودية 90 معتقلاً، يُحتمل أن تتم إحالتهم إلى المحاكمة بحسب ما ذكرت صحيفة «عكاظ» الرسمية أمس. ونقلت الصحيفة عن «مصادر موثوقة» أن «النيابة العامة ستتولى قريباً التحقيق الموسع مجدداً مع عدد من المتهمين بالفساد... ممن رفضوا التسوية، وذلك في إطار المرحلة الثانية، بعدما بدأ العد التنازلي لانتهاء المرحلة الأولى». وأشارت المصادر إلى أن «أمر إطلاق سراح أي موقوف أو الإبقاء عليه هو من صلاحية المحققين طبقاً لنظام الإجراءات الجزائية، على ألا تزيد مدة احتجازهم على 6 أشهر بأمر النائب العام، وتتم إحالتهم إلى المحاكم الشرعية بلائحة اتهام محددة»، كاشفة أن «المجلس الأعلى للقضاء شكل دائرتين جزائيتين في المحاكم الجزائية لمحاكمات قضايا الفساد، الأولى في جدة، والثانية في الرياض، ولن تكون هناك أي محاكمات استثنائية».
ولئن كانت السلطات السعودية قادرة على التحكم بسيرورة تلك المحاكمات - في حال حصولها - ومآلاتها، فإن وجود عشرات الشخصيات العامة خلف قضبانها يشكل ضغطاً حقيقياً عليها في ظل توسع دائرة الرافضين لسياسات محمد بن سلمان، فضلاً عن أن عامل الوقت لا يلعب لمصلحة ولي العهد، الذي كلما طال أمد «حملته على الفساد» كثرت الشكوك وعلامات الاستفهام المثارة حولها.
(الأخبار)