القاهرة - الأخبار

لم تكن الدعوة الثلاثية التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في ختام القمة التي جمعته بالرئيس السوداني عمر حسن البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين في محلّها. فبعد رفض الخرطوم وأديس أبابا للمقترح المصري، بإشراك البنك الدولي في المفاوضات حول «سد النهضة»، لم يعد أمام القاهرة، نظرياً، بدائل لاحتواء هذا الملف المعقد، في ظل عدم وضوح الرؤية حول ما اتُّفق عليه في الاجتماع الرفيع المستوى الذي انضم إليه لاحقاً عدد من المسؤولين في البلدان الثلاثة.

القمة الثلاثية أوقفت رسمياً المسار الفني حول «سد النهضة»، حتى إشعار آخر، وخلصت إلى اتفاق على تشكيل لجنة سباعية من وزراء الخارجية والري والجهات المعنية في الدول الثلاث، لإيجاد حل توافقي، في مهلة شهر واحد، حول التقرير الاستهلالي المقدم من المكتب الاستشاري الفرنسي «بى ار ال»، بشأن المخاطر المترتبة عن دولتي المصبّ، والذي وافقت عليه القاهرة، بينما رفضته الخرطوم وأديس أبابا.
وقالت مصادر مطّلعة على ملف «سد النهضة» لـ«الأخبار» إنّ الاجتماع الأول للجنة الثلاثية المكلفة دراسة التقرير سيعقد في الأسبوع الأول من شباط الحالي، في العاصمة السودانية الخرطوم.
المصادر ذاتها تحدثت عن وجود تصور يتضمن تنازلات من كافة الأطراف، بما فيها إثيوبيا، التي جددت الاعتراف بالحصة المصرية في مياه النيل، البالغة ٥٥ مليار متر مكعب، مؤكدة أن عملية ملء خزان «سد النهضة» لن تبدأ من دون موافقة مصرية.
وفي ظل ما خرجت به المشاورات، خلال الفترة الماضية، قد تكون الحكومة المصرية مستعدة، أكثر من أي وقت مضى، للتخلي عن الأولويات التي وضعتها للمسار التفاوضي، وهو تقديم المحادثات السياسية على المحادثات الفنية، مع تأكيد ضرورة الاستعانة بمكاتب استشارية عالمية لديها صدقية، وليست منحازة إلى أي طرف.


قد تكون القاهرة مستعدة للتخلي عن أولويات المسار التفاوضي

هذه الخطوة المصرية أتت بالتزامن مع رفض دخول البنك الدولي في المفاوضات الثلاثية التي تجري بشأن «سد النهضة»، وتشديد الأطراف المعنية على ضرورة تغليب المصالح المشتركة، والتوافق على العمل معاً لتحقيق التنمية لشعوب البلدان الثلاثة.
هذه الأهداف الإنشائية توافق عليها الزعماء الثلاثة، في مقابل طلب الخرطوم مهلة شهر لتقديم حل للأزمة، يرضي القاهرة وأديس أبابا، وهو اقتراح قد يفضي إلى كسب مزيد من الوقت لمصلحة الجانب الإثيوبي، الذي يزيد من معدلات بناء السدّ بصورة غير مسبوقة، تمهيداً لبدء عملية ملء الخزان خلال الصيف المقبل، وهي فترة يفترض أن تستغرق خمس سنوات، وتخشى مصر أن تتأثر، خلالها، حصتها المائية بصورة كبيرة، ولا سيما مع التوقعات العلمية بتراجع كمية الأمطار.
وفور عودته من القمة الإفريقية، التي عقدت القمة المصرية - السودانية - الإثيوبية على هامشها، عقد السيسي اجتماعاً موسعاً مع الجهات المعنية بملف النيل في أجهزة الدولة المصرية، وقد جرى خلاله نقاش معمّق، تمحور حول تقرير قدّمته مستشارة رئيس الجمهورية فايزة أبو النجا، ويتضمن أوراقاً عدّة تدعم الملف المصري، وينتهي إلى التوصية بضرورة الاستعداد للتعامل بحسم مع الجانب الإثيوبي في حال عدم التوصل إلى تفاهمات جدّية بشأن «سد النهضة».
وحتى الآن، لم يصدر عن أي مسؤول مصري تصريح يوضح ما اتُّفق عليه في القمة الثلاثية، فأجهزة الدولة المصرية اكتفت بنقل تصريحات إيجابية عن السيسي، في وقت رفض فيه وزير الخارجية سامح شكري الحديث عن الاجتماع، في ظل صدور تعليمات صارمة بتهدئة لغة الخطاب الدبلوماسي مع السودان وإثيوبيا.
أما وزير الري السوداني معتز موسى، فأكد في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السودانية الرسمية، أن الإرادة السياسية لحل أزمة «سد النهضة» قد توافرت خلال القمة الثلاثية، مشيراً إلى أن هذه القمة وفرت الدعم السياسي للمسار الفني، بالإضافة إلى تكوين لجنة سياسية فنية أمنية، تشمل وزراء الخارجية ووزراء الموارد المائية والري والأجهزة الأمنية في الدول الثلاث.
وشدد الوزير السوداني على أن بلاده ستقدم، في غضون شهر، مقترحاً يجعل المسار سالكاً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الأزمة الحالية تحتاج إلى حل غير تقليدي.
من جهته، أكد السفير المصري في إثيوبيا أبو بكر حفني أن السيسي دعا إلى أن تكون العلاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا استراتيجية ومتعددة الأبعاد، على المديين القصير والبعيد، مع ربط مصالح الدول الثلاث معاً، لتشكّل كتلة اقتصادية واحدة، ذات مصالح مشتركة.
وأضاف أن مصر تعمل على تنفيذ خطة لربط هذه المصالح بشبكة واحدة ثابتة، بحيث يصبح فصلها مستحيلاً، مشيراً إلى وجود مشروعات استثمارية متنوعة يعتزم رجال الأعمال المصريون إقامتها في إثيوبيا.