نابلس ــ الأخبار

ما إن ابتسم رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، صباح أمس، بعد إنهائه ملف المطلوب أحمد نصر جرار، حتى أعاده المطلوب الثاني، عبد الكريم عاصي، ليلاً إلى العبوس، إذ لم ينجح الأمل الإسرائيلي في محاولة إنهاء ملفين لمطلوبين خلال يوم واحد في تعويض خيبة استخبارية وأمنية، وأيضاً عسكرية، كبيرة؛ ففي قضية جرار، أخذ الأمر عشرة أيام حتى كشفت الخلية التي كانت قد أعدّت نفسها للمواجهة والمطاردة، لكن في قضية عملية مستوطنة «أريئيل»، التي نفذت قرب نابلس قبل يوم واحد من استشهاد جرار، ورغم أن المنفذ بات معروفاً، لم تنجح عملية اعتقاله.

وبحلول الصباح، شهد محيط مستوطنة «كرمي تسور»، شمالي الخليل (جنوبي الضفة)، عملية طعن جديدة أصيب فيها حارس أمن إسرائيلي، واستشهد منفذها حمزة زماعرة (18 عاماً)، وهو ما يسجل كقفزة في معدل العمليات بعد هدوئها قبل أو خلال الاشتباكات الشعبية الأخيرة.
أما ليلة أمس، فبينما كانت بعض مناطق الضفة تتجهز ليوم حداد على جرار، ورغم شنّ قوات العدو حملة عسكرية في نابلس أعلنت أن الهدف منها «تحييد» عاصي، فإنها فوجئت بتحول المدينة إلى «ساحة حرب» خلال دقائق، جراء مواجهاتٍ عنيفةٍ مع مئات الشبان، الذين أظهرت المقاطع المصورة مقدار غضبهم من جهة، وجاهزيتهم من جهة أخرى، وهو ما رد عليه الجنود برصاص كثيف وانسحاب مرتبك. وما زاد وتيرة المواجهات إعلان وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب خالد وليد التايه متأثراً بجراحه، ثم أعلن «الهلال الأحمر» إحصائيته النهائية وفيها إصابة 110 فلسطينيين خلال اقتحام المدينة، منها 32 بالرصاص الحي، سجلت منها حالتان خطيرتان، إلى جانب إصابة أخرى خطيرة لشابٍ دهسته آلية عسكرية.
وقالت مصادر محلية لـ«الأخبار» إن قوات كبيرة من آليات العدو ركّزت اقتحامها في بداية العملية على حي الجبل الشمالي، ودهمت بناية سكنية، ثم انتشرت في مساحات واسعة من المدينة، وعدة شوارع عُرف منها: عمّان، مؤتة، وبيكر. هذا الهجوم الواسع قابله مئات الشبّان برشق قوات العدو بالحجارة والزجاجات الحارقة، وبعض العبوات اليدوية المصنعة محلياً المسماة «أكواع»، فيما قدرت تلك المصادر عدد الشبّان الذين خاضوا المواجهات في أرجاء المدينة بأنه يتجاوز خمسمئة، كما تخلل المواجهات وضع بعض الموانع في الشوارع لإعاقة تقدم الآليات الإسرائيلية.


استشهد حمزة
زماعرة أمس بعد
تنفيذه عملية طعن جديدة في الخليل

وأظهر فيديو مصوّر من داخل إحدى الآليات العسكرية توتر أحد جنود الاحتلال معلقاً على المجريات: «أنا في مدينة نابلس، هناك 10 آلاف فلسطيني يهجمون علينا... هذا آخر يوم في حياتي»، كما يُظهر الفيديو نفسه الذي بثّه الناشطون تحطم جزء من الزجاج الأمامي للمركبة العسكرية، وذلك في ليلة وصفت بأنها الأعنف والأوسع منذ أربعة أعوام. التقارير الإعلامية الإسرائيلية قالت إن الحملة في نابلس استهدفت عاصي، المتهم بتنفيذ عملية الطعن التي أدّت إلى مقتل مستوطنٍ حاخام، لكن «المنفّذ هرب». ويوضح المتابع للشأن الإسرائيلي محمد أبو علان أن العدو اقتحم المدينة لوجود علاقة للمنفذ بها؛ «صحيح أن عاصي يحمل الهوية الإسرائيلية الزرقاء لأن والدته من الداخل المحتل عام 1948، لكن والده من نابلس». وجه آخر من الإخفاق كشفت عنه صحيفة «يديعوت أحرنوت» في تقرير أول من أمس، قال إن التحقيقات اكتشفت أن عاصي كان يتجول في مكان العملية قبل يوم من تنفيذها، بل تشاجر مع الجنود في المنطقة، الذين احتجزوه وأفرجوا عنه بعد أن تبيّن امتلاكه الهوية الزرقاء، ليعود في اليوم التالي ويقتل إيتمار بن غال بعدة طعنات في المكان نفسه.

كسر المستحيل

اللافت في عمليتي «حفات جلعاد» التي نفذها جرار، و«أريئيل» التي نفذها عاصي، رغم اختلاف أسلوبهما، أنهما تتشابهان في عدة ظروف وتفاصيل، وليس في النتيجة وقتل مستوطنين متطرفين يقطنان قرب نابلس، بل في أن كلتا المنطقتين تمتاز بالمراقبة الأمنية المشددة، ووقوعهما على طريق استيطاني حيوي، وكذلك سرعة وصول الجيش إلى المكان. رغم ذلك كله، تمكن المنفذان من الانسحاب، وليس أخيراً تنفيذ رئيس أركان الجيش، غادي ايزنكوت، جولة تفقدية لموقع كلتا العمليتين، إذ زار منطقة العملية الأخيرة صباح أمس.
وفي حالة «أريئيل»، يبدو الأمر أخطر، فالعملية كانت في وضح النهار، عكس «حفات جلعاد»، وأمام بصر الجنود كما قال الإسرائيليون، وعلى طريق حيوي يربط شمالي الضفة بوسطها، كذلك فإن المتهم بتنفيذ العملية لم يمتلك سيارة للمغادرة، بل نزل من مركبة عمومية وفق كاميرا المراقبة، الأمر الذي يعني توافر فرصة سريعة لانقضاض قوات العدو عليه. لكن حدث العكس، إذ تمكن المهاجم من الانسحاب رغم دهسه مرتين بسيارة إسرائيلية واختفت آثاره بين أشجار الزيتون التي لم يجرؤ الجنود على ملاحقته فيها، رغم تمشيط طائرات الاستطلاع محيط العملية بعد وقتٍ قصير من وقوعها.
مقابل هذا الإخفاق، عمل الإعلام الإسرائيلي على التحريض على شخص عاصي، وادّعى أنه تعاطى المخدرات سابقاً، وفرّ عدة مرات من مراكز تأهيل وعلاج في الداخل المحتل، وذلك في تكرار لسيناريو سابق هوجم فيه الشهيد نشأت ملحم (منفذ عملية تل أبيب في اليوم الأول من عام 2016)، وهو استمرار لدعاية أن منفذي العمليات هم أشخاص فارغون من المبادئ ومجرد أفراد يعانون من اضطرابات نفسية واجتماعية، لذلك يصبّون جام غضبهم على المستوطنين وجنود العدو.

عمليات إطلاق نار

وفق الأحداث الأخيرة، تتصاعد وتيرة المواجهات نوعاً وكماً في الضفة، إذ أفادت مصادر محلية بأن مقاومين أطلقوا النار تجاه قواتٍ إسرائيلية خلال حادثتين منفصلتين شمالي الضفة. وأضافت تلك المصادر أن قوات العدو تعرضت لصلياتٍ من الرصاص خلال العملية العسكرية في شارع عمّان شرق مدينة نابلس. أما في طولكرم، فأعلن جيش العدو في بيانٍ تعرض قواته لإطلاق نارٍ آخر أثناء وجودها على حاجز «عِنّاب» شرق المدينة، ثم عثر على عدد من الرصاص الفارغ في مكان قريب.