لكلّ شيء قواعد وأصول، التنكر لها يفضي إلى منزلقات لا يمكن تجنّبها. إدارة الدولة ــ أي دولة ــ مسألة سياسية على درجة عالية من الأهمية والحساسية والخطورة.

نفي السياسة انكشاف كامل يضع الدولة في دائرة الخطر الداهم. بالنص الدستوري: رئيس الدولة هو أعلى منصب سياسي، والحكومة شريك في صنع السياسات العامة ــ لا سكرتارية تنفيذية، وكلّ ما له صلة بالشأن العام فهو سياسي.

عندما تفرغ الدولة من أي رؤى سياسية، فإنّ الارتباك يضربها، تتفكك صواميلها، وتتصارع أجهزتها، وتتفشى مراكز قوى في بنيتها. تلك أوضاع مقلقة تستدعي مواجهتها بكل وضوح. لا سبيل إلى أي مواجهة جادة إلا بردّ اعتبار السياسة.
إدارة المصالح العليا تخضع لاعتبارات الأمن القومي وحساب التحالفات في الإقليم والعالم ــ هذه مسألة سياسية تحكمها زاوية النظر إلى حجم الأخطار والفرص. إذا لم يكن هناك نقاشٌ حرٌّ ومفتوح تخسر الدولة قدرتها على بناء التوافقات العامة في ملفات حساسة، أو أي قدرة أخرى على وضع الضوابط المشتركة لما يجوز أو لا يجوز من سياسات وتصرفات وتتحكم الأهواء حيث يجب أن تُستبعد.
كما أن إدارة الشأن الداخلي بكلّ تنوعه السياسي واحتياجاته الملحة في الصحة والتعليم والخدمات وفرص العمل تحكمها خيارات وتصورات ورؤى ــ هذه مسألة سياسية أخرى تخضع بطبيعة التنوع الفكري للاتفاق والاختلاف.
إذا ما أفلتت القواعد الدستورية الحديثة، فإنّ العشوائية تضرب صميم أدوار الدولة. وإذا ما انتُهكت الأصول، فإنّ أحداً لا يعرف ما قد يحدث غداً، ولا مدى ضرره الفادح على صورة المستقبل. تلك كلها بديهيات في بلد أسس أول دولة في التاريخ. وقد استقرت شرعية حكمها على وظائف وأدوار من أهمها تنظيم الري وصيانة مياه النيل وحفظ الوحدة الوطنية وسلامة الحدود. الوظائف والأدوار نفسها حكمت دولتها الحديثة، التي أسسها محمد علي قبل مئتي سنة، رغم تناقض العصور والتحديات والحكام.


الوظائف والأدوار نفسها
حكمت الدولة الحديثة
التي أسسها محمد علي

بقدر خبرة التاريخ، بكلّ تجاربه وثوراته وحروبه، لا يصحّ الحديث عن الدولة الحديثة كما لو أنّها اختراعٌ مستحدث.
كما لا يصح الاستهانة بما طالبت به ثورتا «يناير» و«يونيو» من التحوّل إلى دولة مدنية ديموقراطية، دولة مؤسسات وقانون، لا دولة تبطش بمواطنيها وحقوقهم الأساسية ومن بينها التداول السلمي للسلطة.
وفق نص المادة الخامسة من الدستور، القانون الأعلى وأساس الشرعية في البلد: «يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته». هذا هو التعريف الدستوري للنظام السياسي. أيّ تعريف غيره، يُناقض الشرعية ويمارس عدواناً عليها.
المعنى ــ أولاً ــ أنّ النظام السياسي أوسع مدى من أن يُلخّص في مؤسسة الرئاسة وحدها. والمعنى ــ ثانياً ــ أنّ التعددية السياسية والحزبية وتداول السلطة (هما) صلب النظام السياسي وليسا خروجاً عليه، أو تهديداً للدولة.
هكذا، فإنّ الضيق بالتنوّع السياسي والحق في المعارضة يضرب في جذر الشرعية الدستورية وينال من سلامة الدولة باسم الحفاظ عليها.
هناك فارق جوهري بين الضيق والتضييق. الضيق شعور بالأزمة ــ طبيعي ومشروع بقدر ما يبحث في أسبابها ويعمل على تصحيحها، يُراجع التجربة وكيف انكسرت الرهانات الواسعة عليها. والتضييق يفاقم الأزمة ويحجب أيّ فرصة لتصويب ما اختل، أو أي تصدّعات في بنية الدولة.
بلغ التضييق مداه في الانتخابات الرئاسية، فالمرشح المنافس للرئيس الحالي من ضمن مؤيّديه قبل أن يكلف بالمهمة حتى لا تكون الانتخابات استفتاءً صريحاً على رجل واحد. إذا ما أُجريت انتخابات تستحقّ مثل هذا الوصف دون إبعاد للمنافسين الجديين، أو تزوير في صناديق الاقتراع، فإنّه كان سيكسبها.
هناك فارق بين تراجع الشعبية والسلوك الانتخابي. الأول، ليس في صالحه شرط توافر منافس مقنع بقدرته على إدارة الدولة. والثاني، لصالحه تماماً حيث تخشى كتل مؤثرة في الرأي العام من أي تغييرات مفاجئة في بنية الحكم تسحب من قدر الاستقرار المتوفر.
غياب أي نظرة سياسية أفضى إلى ما يمكن أن نطلق عليه «رهاب الانتخابات»، وهو يكاد يغتال الحق الدستوري في الاحتكام إلى الرأي العام عبر صناديق الاقتراع بين رجال وبرامج ورؤى.
الانتخابات مسألة تجديد دماء في شرايين الشرعية. لا تتأسّس شرعية على تفويض. كانت للتفويض الذي منحه المصريون لوزير الدفاع في 26 حزيران/يونيو 2013 بتظاهرات مليونية لمحاربة «العنف والإرهاب المحتمل» ظروف خاصة غير قابلة للتكرار. تلك الظروف اختلفت كليّاً بقدر حجم الرهانات التي خذلتها السياسات.
هناك دستور يتوجب احترامه والخروج عليه كارثة مكتملة الأركان. ليس من قواعد إدارة الدول البحث عن شرعية خارجه بـ«تفويض» من نوع أو آخر. كما ليس من قواعد إدارة الدول دمغ أي اختلاف في الرأي بمؤامرة تعمل على «إسقاط الدولة إلى الأبد».
بأي قياس سياسي ــ إذا لم تكن السياسة قد دفنت في مقابر الصدقة ــ فإن اتهام قيادات حزبية معارضة وشخصيات عامة بالتآمر على الدولة لمجرد أنها دعت في مؤتمر صحافي إلى عدم المشاركة بالانتخابات كارثة منذرة سوف تطال الجميع. هذا الاتهام لا يقبله أحد في العالم ويسيء إلى كلّ معنى حديث ودستوري في البلد.
إذا أراد أحد أن يُشهِّر بالنظام الحالي وينسف تماماً أيّ فرصة لإصلاح صورته، فليس هناك ما هو أسوأ من جرّ قادة الأحزاب المعارضة إلى المحاكم والتلويح بالاعتقالات الجماعية. شيء من التفكير السياسي لا بدّ أن يستبعد ذلك السيناريو الخطر، فآثاره وتداعياته مجرّبة من قبل.
لا دولة بلا غطاء سياسي... فأيّ دولة نريد؟ دولة مدنية ديموقراطية حديثة... أم دولة القبضات الخشنة والملاحقات التي تستهدف الترويع العام لكلّ رأي أو فكرة خارج الخطاب المعتمد؟
الخيار الأول، يسنده النص الدستوري تكريساً لما دعت إليه تظاهرات الغضب في «يناير» و«يونيو» طلباً للالتحاق بالعصر ولغته التي لا سبيل لتجاهل مفرداتها كسيادة القانون وحكم المؤسسات والفصل بين السلطات ودور المجتمع المدني وكفالة الحريات العامة وحقوق الإنسان. والخيار الثاني، يمضي عكس أيّ قيمة حديثة ويعود بمصر إلى المربع الذي ثارت عليه مرتين، وهذا وضع خطر لا يحتمله بلد منهك.
في العصبية الماثلة استعارة لروح ما كان يجري في سنوات الحرب الباردة من استقطابات حادّة تحت شعار: «من ليس معنا فهو ضدنا».
بشيء من التعديل فهو «ضد الدولة».
الكلام ــ بنصّه ــ يسمم البيئة العامة ويغلق أيّ أمل في الإصلاح من الداخل وقد تنفجر حمولاته وتهزّ بنيان الدولة وثقة شعبها في مستقبله. مثل هذه الأجواء تُزكي كل ما هو عنيف وتفتح أبواب المجهول على مصاريعها. وهذا ما لا تحتاجه مصر المنهكة، التي تبحث بالكاد عن أمل.
*كاتب وصحافي مصري