الجزائر | خلال أعمال منتدى حول «الانتقال الطاقوي»، انعقد في منتصف الشهر الماضي، جدد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مساعيه الهادفة إلى تبديد المخاوف بشأن الجدل الدائر في البلاد، وذلك في رسالة بعث بها الى المشاركين، أكدّ فيها أنّ «الجزائر غير مستعجلة لاستغلال الاحتياطي الضخم الذي تتوافر عليه من الغاز الصخري»، داعياً إياهم إلى التفكير «أولاً» في تطوير البدائل التي من بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ورفع قدرات انتاج الغاز الطبيعي. ودعا الاستثمار الخاص إلى المساهمة بقدر أكبر في جهود النهوض بقطاع الطاقة، سواء لناحية الاستهلاك أو لناحية التصدير.


سبب هذه الرسالة «المُهدِّئة» أنّ الوزير الأول (رئيس الحكومة) أحمد أويحيى كان قد أعاد إحياء عوامل الاضطراب مرة جديدة، حين أعلن في شهر حزيران/جوان الماضي عزم الحكومة على العودة إلى ميدان البحث والتنقيب، مضيفاً أنّ استغلال الغاز الصخري أمرٌ حتميٌّ لرفع مستوى الإيرادات بما يسمح بتطوير الاقتصاد والاستجابة للحاجات الاجتماعية المتنامية. وفي مقابل ذلك، ردّت «اللجنة الوطنية لمناهضة استغلال الغاز الصخري»، التي تأسست قبل ثلاثة أعوام، بقوّة، وهدّدت بالعودة الى احتلال الشارع والعمل بكل الوسائل لإحباط مسعى أويحيى. ورغم التطمينات التي قدمها الرئيس الجزائري في رسالته الأخيرة، فإنّ اللجنة تواصل الحشد والتعبئة كما لو أنّ خطوات هذا المسعى تبدأ غداً. ويقوم أعضاء فيها بدوريات لتفقّد المواقع التي انطلقت فيها الأشغال عام 2014 وتوقفت بأمر رئاسي في ربيع 2015.


كانت احتجاجات الغاز الصخري قد انطلقت من مدينة عين صالح قبل 3 أعوام


في موازاة ما يجري في الميدان، والقرارات الرسمية، احتدمت المواجهات الكلامية بين الخبراء على أعمدة الصحف ومن خلال التصريحات على قنوات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي. وانقسمت ساحة النقاش إلى ثلاث فئات، يُقدِّم كلٌ منها مبررات تبدو مقنعة حتى الآن.
المؤيدون لمسعى الحكومة يرون أنّ استغلال هذه الثروة الضخمة يوفر فرصةً لا تُعوّض للإقلاع الاقتصادي، وأنّ من غير المعقول إبقاء الثروة نائمة تحت الارض في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مزيد من المداخيل، خاصة في هذه الظروف التي شحت فيها إيرادات النفط بفعل انهيار الأسعار عالمياً. جدير بالذكر أنّ دراسة أنجزتها وزارة الطاقة الأميركية في بداية عام 2013، أكدت أنّ «الاحتياطي المؤكد القابل للاسترجاع» من الغاز الصخري في الجزائر يصل الى 707 تريليونات قدم مكعبة. وهي الأولى عربياً، مقابل 122 تريليون قدم مكعبة لليبيا، و100 لمصر و22 لتونس، وهي أيضاً الثالثة عالمياً بعد الصين 1115، والأرجنتين 802.
من جهة أخرى، يرفض فريق ثانٍ رفضاً مطلقاً أي استغلال للغاز الصخري، وهو موقف مبني أساساً على مخاوف زرعها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، حين منع البحث والتنقيب عن الغاز الصخري في بلاده، مبرراً ذلك بالخطر الذي يُمثلانه على الصحة العامة والمحيط الطبيعي. ويدعو الرافضون إلى استغلال بدائل أفضل بكثير، أهمها «الطاقات المتجددة»، إذ يُقال إنّ صحراء الجزائر تُعدُّ المكان الأكثر وفرةً بالطاقة الشمسية في العالم، فيما سبق لألمانيا أن عرضت منذ عام 2006 التعاون لإنشاء مشروع ضخم باسم «ديزرتيك» يُسهم في تموين أوروبا وشمال أفريقيا بالكهرباء النظيفة، كما نجحت تجارب في توليد الطاقة من الرياح في ولاية ادرار، أقصى جنوب غرب البلاد. وإنّ هذا الخيار يُعزّز صادرات البلاد من الغاز الطبيعي بالكميات التي كانت مخصصة لتوليد الكهرباء، ويزيد من الايرادات.
أما الفريق الثالث، فإنّه يُقاسم الفئة الأولى طموح استغلال ثروات البلاد، وزيادة المداخيل، فيما يتقاسم مع الفئة الثانية مخاوفها على البيئة، بخاصة لناحية تأثير التنقيب على المياه الجوفية، لأنّ الغاز الصخري المُكتشف يقع في الصحراء الكبرى التي تنام ــ حسب دراسات متداولة في الجزائر ــ على أكبر بحيرات المياه العذبة في العالم، وتُشكِّل المخزون الإستراتيجي للجزائر لقرون أخرى. ومن هذا المخزون، أنجزت الجزائر عام 2012 ما صار يُسمى «مشروع القرن»، عبر سحب 50 ألف متر مكعب يومياً من خلال أنبوبين، طول كلّ منهما 750 كلم، بهدف تغطية حاجة ولاية تمنراست، وهي كبرى محافظات البلاد مساحة، من الماء (للشرب وسقي الأراضي الزراعية).
يتقدم هذا الفريق الخبير عبد الرحمن مبتول، الذي يرى أنّ الجزائر لا تتحكم في التكنولوجيا حالياً، وأنّ الوسائل والطرق المستخدمة في الاستخراج حالياً لا تُقدِّم ضمانات السلامة الصحية والبيئية، وبناءً على ذلك، يجب تأجيل الاستغلال مدة عشر سنوات على الأقل حتى تتمكن التكنولوجيا من إيجاد طرق ووسائل بإمكانها تقليص حجم الضرر. وجدير بالذكر أنّ عملية استخراج الغاز الصخري «تتطلب حقن كميات كبيرة من المياه المعالجة بمواد كيميائية (تتسرب إلى الطبقات السفلى)، وبالتالي لا بدّ من التصرف بالمياه الناتجة والتي تُدفع إلى السطح. ويُثير مجمل هذه العملية القلق من احتمال تلويث مصادر المياه الجوفية».
احتجاجات الغاز الصخري كانت قد انطلقت من مدينة عين صالح ( 1500 كلم إلى الجنوب من العاصمة الجزائر)، في مطلع عام 2015، وتواصلت عدّة أسابيع ممتدةً إلى مدن عدة أخرى في محافظات الصحراء. وبدأت الاحتجاجات بشكل مسيرات واعتصامات، قبل أن تنتقل إلى العنف بفعل تدخل قوى الأمن. وفي شباط/فيفري من العام نفسه، بلغت تلك الاحتجاجات ذروتها حين اقتحم الغاضبون مواقع البحث والتنقيب وأوقفوا الأشغال بالقوة، طالبين من العمال الرحيل. وبالعموم، فقد صنّفت الجهات الرسمية والمعارضة والصحافة ما جرى في مدن الجنوب وقتها بكونه أعنف وأكبر وأطول أحداث عرفتها المنطقة منذ الاستقلال. وهي تزامنت مع أحداث عنف «أهلية» وقعت في ولاية غرداية (600 كلم جنوب العاصمة)، أجّجتها أوساط «خفية» وتواجه خلالها «أمازيغ» يعتنقون المذهب الإباضي و«عرب مالكيين»، وخلّفت 25 قتيلاً ونحو 700 جريح، وتشريد عدد كبير من العائلات التي أُحرِقت منازلها وبساتينها.
اليوم يعود الجدل، لكن من دون احتجاجات حتى الساعة. والأمر حيوي، إذ يتعلق باختيار قاسٍ للغاية بين أمرين: الاستفادة من ثروة الغاز الصخري الضخمة التي (مفترض أن) تنقل البلاد إلى مستويات أفضل على كل الأصعدة، أو الحفاظ على الثروة المائية التي لا تقلّ أهمية، بل هي قد تعدُّ أهم لعدم وجود بدائل لها. ويبدو أنّه إلى الوقت الذي قد تتطور فيه التكنولوجيا لتجعل الأمرين في المتناول، سوف يظلُّ الجزائريون مختلفين بهذا الشأن.