مع انضمام، «حميدتي»، المُلقّب في الإعلام السعودي بـ«حامي الثورة»، إلى المجلس العسكري الانتقالي في السودان، يتعزّز الحضور الخليجي داخل القيادة الجديدة، التي بدا لافتاً أن أول من التقى رأسها هو القائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم، ستيفن كوتسيس. هذه «الهوية» المتشكلة شيئاً فشيئاً تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول ما يمكن أن يفضي إليه الحوار بين المجلس العسكري وممثلي المحتجين، في ظلّ التناقضات التي تسم مطالب هؤلاء، والخلافات التي بدأت تظهر بينهم، فاتحة الباب على إمكانية انقسام صفوفهم، وبالتالي تضعيف موقفهم.

بعد إزاحة وزير الدفاع السابق، عوض بن عوف، الذي أعلن بيان الانقلاب على الرئيس المخلوع عمر البشير، يوم 11 نيسان/ أبريل، استطاع المجلس العسكري بتشكيلته الجديدة، برئاسة عبد الفتاح برهان، جذب قيادة تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، لا سيما «تجمع المهنيين السودانيين»، إلى طاولة الحوار لبحث المرحلة الانتقالية، رغم أنه، تماماً كما فعل بن عوف، لم يستجب لمطلب تقليص مدة الفترة الانتقالية، لكنه، وبحنكة أكثر، بادر إلى تهدئة غضب المعارضة، بالأمر بإطلاق سراح كل الذين حوكموا بتهمة المشاركة في التظاهرات، وتوعّده بمحاكمة جميع المتورطين في قتل المتظاهرين، فضلاً عن إلغاء حظر التجوال، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات.
خطوات تَوّجها برهان أخيراً بدعوة قادة المحتجين إلى الاجتماع لبحث مطالب المحتجين، وهو ما استجاب له تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، الذي أوفد عشرة أعضاء للاجتماع مرتين، لكنه دعا إلى الاستمرار في الاعتصام المفتوح منذ 6 نيسان/ أبريل أمام مقر القيادة العامة للجيش في العاصمة ليلاً، لإبقاء الضغط على المجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد عزل البشير. هكذا، تحاول «قوى التغيير»، ما بين الشارع وطاولة الحوار، انتزاع مطالبها من المجلس الذي تسلّم السلطة بانقلاب استغل دعوات الجيش إلى التدخل.
وبعدما أصدر «تجمع المهنيين» بياناً يوضح فيه رؤيته للانتقال السلمي باتجاه «حكم ديمقراطي مستدام»، مطالباً بتسليم السلطة إلى «حكومة انتقالية مدنية متوافق عليها» تكون محمية بالقوات المسلحة، حضّ عضو المجلس، الفريق ياسر العطا، الأحزاب السودانية، على الاتفاق «على شخصية مستقلة لرئاسة مجلس الوزراء والاتفاق على حكومة مدنية» تتولى تسيير شؤون البلاد، وهو بذلك وضع الكرة في ملعب المعارضة، في ظلّ تباين وجهات النظر بين قواها السياسية. فبينما طالبت «قوى الإجماع الوطني» بتسليم السلطة فوراً لحكومة مدنية مدتها أربعة سنوات، وبصلاحيات تنفيذية كاملة، ومشاركة المدنيين في المجلس الرئاسي الانتقالي مع المجلس العسكري، أعلنت «الجبهة الثورية السودانية»، وهي تنظيم يضمّ عدداً من الحركات المسلحة من عدة أقاليم، في بيان ممهور باسم «الحركة الشعبية - شمال» بقيادة مالك عقار، و«حركة تحرير السودان» بقيادة أركو مناوي، تبرؤها من خطوة جلوس «قوى الحرية والتغيير» مع المجلس العسكري.

وضع المجلس الكرة في ملعب الأحزاب للاتفاق على رئيس للحكومة المدنية


وكون مبادرات المجلس العسكري لا تزال في دائرة «النوايا الحسنة»، اعتبر تحالف «الحرية والتغيير» أن «تعزيز الثقة بين الطرفين» في شأن المرحلة الانتقالية يكون بخطوات على «العسكري» أن يستجيب لها، من بينها «الاعتقال والتحفظ على كل قيادات جهاز الأمن والاستخبارات... على أن يتم تقديمهم لمحاكمات عادلة وفقاً للدستور»، ومن ثم «إعادة هيكلة» الجهاز «بما يضمن له القيام بدوره المنوط به». لكن من بين أبرز القيادات التي تتهمها «قوى التغيير» بارتكاب جرائم ضد الشعب على مدى ثلاثين سنة، المدير العام للجهاز، صلاح عبد‭ ‬الله محمد صالح، المعروف بـ«صلاح قوش»، والذي تقدّم باستقالته فور تعيين برهان رئيساً للمجلس، علماً بأن الفريق جلال الدين الشيخ، أحد أعضاء المجلس العسكري، هو نائب قوش، وعيّنه البشير في شباط/ فبراير الماضي.
أما المطلب الثاني لـ«تجمع المهنيين»، فهو «حلّ ميليشيات النظام من كتائب ظل ودفاع شعبي وشرطة شعبية وغيرها»، ثم اعتقال «كل القيادات الفاسدة في الأجهزة والقوات النظامية، وغيرها من الميليشيات المعروفة بارتكاب جرائم ضد المواطنين في مناطق النزاع المسلح في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وغيرها من أصقاع الوطن». والمفارقة أن نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، هو قائد «قوات الدعم السريع»، التي تعد امتداد لـ«ميليشيا الجنجويد» السيئة السمعة، والتي كان لها دور كبير في مواجهة حركات التمرد في دارفور وجنوب كردفان. كما أن من بين الأعضاء الثمانية الآخرين في «المجلس العسكري»، من يُعدّ من «النظام ورموزه» الذين تعهد برهان بـ«اجتثاثهم»، من بينهم الفريق أول شرطة، الطيب بابكر، الذي عينه الرئيس البشير في 14 أيلول/ سبتمبر الماضي مديراً عاماً لقوات الشرطة، وهو بحسب وسائل إعلام سودانية تولى إدارة العمليات في جهاز الشرطة في الخرطوم. ويعتبر المسؤول الأول عن مقتل عشرات المتظاهرين منذ بدء الاحتجاجات، وآخرهم 21 قتيلاً من بينهم 5 عسكريين، سقطوا في مواجهات أمام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم، حيث يعتصم الآلاف منذ السبت قبل الماضي.
في هذا السياق، شدد وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية التي كُوّنت عقب تسلّم الجيش للسلطة من حكومة الرئيس الأسبق، جعفر نميري، عام 1985، اللواء عثمان عبد الله، أن الأولوية يجب أن تكون لـ«السيطرة على العناصر المسلحين، من الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية وكتائب الظل واتحادات طلاب حزب المؤتمر الوطني الذي تمّت إطاحة حكومته، والشرطة السرية، وأي وحدات مسلحة تحت أي مسمى، وحصر أسلحتها ومقارها وكوادرها». كما دعا في منشور على «فايسبوك»، إلى «تجريدها من السلاح، وإدراجها في عهدة القوات المسلحة، ومصادرة دور حزب المؤتمر الوطني في الخرطوم، وترك مقر له في كل مدينة».
ويبدو أن هناك إجماعاً بين المجلس العسكري والمعارضة على ضرورة تصفية الأجهزة الأمنية التابعة لحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم لـ30 عاماً، وجميع مؤسساته الأمنية والإعلامية. وهذه تعتبر من التحديات التى تقابل المجلس العسكري الانتقالي، لأن هذه التشكيلات تدخل ضمن إطار ما اصطلح على تسميته «الدولة العميقة»، فيما تعتبر «قوى التغيير» أن ذلك شرط من شروط إثبات المجلس العسكري «حسن النية». وهنا، يرى المحلل السياسي، حاج حمد، أن أكبر تحدٍّ يواجه المجلس العسكري هو «إثبات مصداقيته أمام الشعب، والتأكيد على عدم وجود انتماءات سياسية داخله من شأنها القفز عن مطالب الحراك الشعبي». وبحسب حمد، «إذا مضى المجلس في إنفاذ ما يريده المحتجون، والتمسك بمهنيته، وإبعاد الجيش عن الأيديولوجيات، والعمل بقومية، يمكنه أن يحظى برضى قادة الحراك الشعبي».