جدلٌ كبير رافق الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب التونسي، أمس، خُصّصت للحوار مع الحكومة حول الأوضاع العامة التي تمر بها البلاد، والاحتجاجات التي شهدتها أكثر من 14 محافظة الأسبوع الماضي. إضافةً إلى مناقشة «الوثيقة التوجيهية» المتعلقة بالمخطط التنموي، الذي تعتزم الحكومة إقراره في الأعوام الخمسة المقبلة.
وعبّر نواب المعارضة عن عدم رضاهم عن جدول أعمال الجلسة، مؤكدين أن «سخونة» أوضاع البلاد، تحتّم اتخاذ إجراءات فورية وعاجلة، لتقليص حدّة التوتر والاحتقان، والاستجابة لمطالب آلاف الشباب العاطل من العمل.
وأشاد وزير التنمية ياسين إبراهيم، لـ«الأخبار» برؤية الحكومة، معتبراً أن «الوثيقة التوجيهية هي أمل المواطنين والعاطلين»، مؤكداً أن «الدولة تعمل وفق مخطط تنموي سينهض بالمناطق المهمشة، وسيعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية ونسب الفقر والبطالة».
وأكّد إبراهيم أن «الحكومة اتخذت جملة من الإجراءات الواضحة، والناجعة استجابة لمطالب المحتجين»، مشدداً على أن «عودة الاستقرار والاستثمار شرطان لتوفير وظائف العمل». ولفت إلى أن المخطط الجديد سيوفّر حوافز مالية كبيرة للاستثمار في المحافظات الثماني، الأقل تنمية.
بدوره، رأى النائب المعارض، غازي الشواشي، أن الحكومة تعمل على التهرب من الحديث بشأن الأوضاع المتفجرة في البلاد، مشيراً إلى أنها «تريد عرض وثيقة توجيهية، نظرية، تتناول استراتيجية الدولة السنوات القادمة دون أن يكون لها حلول وإجراءات واضحة»، تستجيب فيها لمطالب الشباب العاطل من العمل، من أصحاب الشهادات، الذين بلغوا 300 ألف في 2015.

ترى المعارضة أن لا تنمية ناجحة دون مصادر تمويلية

وتتناول «الوثيقة التوجيهية» المحاور الكبرى للمخطط التنموي الذي ستعتمده الدولة، ويهدف إلى التقليص من نسبة البطالة من 15% في 2014 إلى نحو 11% في 2020، إضافةً إلى عمل الدولة على تقليص تدريجي من نسبة الفقر، لتتراجع معدلاتها إلى حدود لا تتجاوز 2.5% في 2020، مقابل 4.6% في 2010.
كذلك يعمل المخطط على التحكم في الموازنات المالية، عبر تقليص نسبة العجز، من الناتج الداخلي الخام، بحدود 6.8%. ورفع معدل النمو ليبلغ 5%، والدخل الفردي ليبلغ حدود 12480 ديناراً تونسياً في 2020. ويهدف، أيضاً، إلى إرساء وتجسيد الاستراتيجية الوطنية للتنمية الجهوية، والحد من نسبة التفاوت بين الجهات الداخلية، الأقل نمواً، والجهات الساحلية، والتقليص في فارق مؤشر التنمية الجهوية بنسبة 30%.
واعتبرت الحكومة «الوثيقة التوجيهية عقداً تنموياً شاملاً»، وقاعدة للحوار بين القوى الحيّة في البلاد، وإطاراً مرجعياً للمخطط التنموي للسنوات الخمس المقبلة. وتحدّد هذه الوثيقة، الرؤية الجديدة لتونس، وتضبط الأهداف والاستراتيجيات التنموية. وترسم أهدافاً محددة وطنياً وقطاعياً، كذلك تحدد مجموعة من السياسات والبرامج التي تسمح ببلوغ الأهداف المرسومة في كل المجالات، وتضبط الأدوار والمسؤوليات والمؤشرات اللازمة لمتابعة تنفيذها.
وترتكز «الوثيقة» على هيكلة متطورة للاقتصاد، عبر تحقيق نمو مدمج مستدام، يراعي قواعد الإنصاف والعدالة، في توزيع الثروات، ويعتمد خطة مستحدثة في مجالات التنمية الجهوية والتنمية المستدامة والتشغيل. ويعمل على إرساء مقومات «الحكومة الرشيدة» في كل المستويات، بما من شأنه أن يحقق السلم الاجتماعي ويعزز نجاعة السياسات العمومية.
وأكدت الوثيقة «أهمية توفير الأمن وإحلال الطمأنينة الاجتماعية بوصفها من أهم الأولويات لجلب الاستثمار الوطني والأجنبي، إلى جانب مقاومة الإرهاب والتصدي لكل مظاهر التطرف والجريمة، التي تعد من الشروط الرئيسية لإنجاح المسيرة التنموية».
وعلّق النائب المعارض، زياد الأخضر، على الوثيقة، في تصريح لـ«الأخبار»، بأنه لا يمكن الحديث عن مخطط تنموي ناجح، إلا حين تتوافر للدولة مصادر تمويل، مشيراً إلى أن حالة العجز المالي الذي تمر به البلاد لا يمكنه إنجاز المشاريع التي تصبو الحكومة على بعثها.
وشدّد الأخضر على ضرورة اعتماد ضريبة جديدة على الأداءات الاستثنائية، والتفاوض مع الدول والهيئات المانحة والقارضة، لتعليق الديون وتأجيل تسديدها. إضافة إلى العمل على مواجهة التهرّب الضريبي، والحد منه. وأيضاً مقاومة التهريب والاقتصاد الموازي، الذي ينخر الاقتصاد الوطني ويدمره. وإلا فلا يجوز الحديث عن تنمية ونجاح في تطبيق الاستراتيجيات والأهداف التي تعتزم الدولة اعتمادها.